الملك الحكيم و البابا المتواضع

2015 10 01
2015 10 01

bd7d3b02a273cee786921bcf9812068856ff35eeلم تكن كلمة البابا فرنسيس في الأمم المتحدة الأولى لحبر أعظم على منبر أممي. فقد سبقه إلى ذلك بولس السادس (1965) ويوحنا بولس الثاني (مرتين 1979 و 1995) وبندكتس السادس عشر (2008). إلاّ أنها المرة الأولى التي يفتتح اول بابا من الامريكيتين أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأول حبر يلقي كلمة أمام رؤساء الدول. كما كان أول الأحبار في التحدّث أمام الكونغرس الأمريكي، ولعله أول رجل دين يدخل «الكابيتول» بهذه الحفاوة، وإن كان دخلها بأصغر سيارة.

كان قادة العالم وسكان أمريكا ينتظرون أولاً رؤية البابا المجدِّد والمحّير. وبنفس الوقت كانوا ينتظرون سماع كلامه، وهو لم يخذل توقعاتهم: فتحدّث عن دور المسيحيين اليوم، وبالأخص كاثوليك أمريكا (70 مليوناً) في نشر القيم، وقبل ذلك بعيشها والشهادة لها يومياً في مجتمع أمريكا التعددي والديمقراطي، لكنّه كذلك تحدَّث عن أهمية الوحدة والتعاون بين مختلف الأديان وأتباعها، وقد تجلى ذلك في اللقاء الديني الواسع الذي حضره البابا في منطقة «جراوند زيرو» وشارك به ممثلو الأديان وصلى كل منهم بلغته وبطقسه.

وفي كلمته في الكونغرس ، ذكر اربع شخصيات أثرت في المجتمع الامريكي من خلال العمل الانساني والانفتاح ، ولم يذكر ايّ شخص شنّ حربا او دمّر شعبا: وهم ابراهام لينكولن ودعواته للحرية ، ومارتن لوثر كينج و»حلمه» بالمساواة ، ودوروثي داي مؤسسة حركة العمل الكاثوليكي، وتوماس ميرتون الكاهن الذي عاش في الشرق الاقصى وتميّز باحترام الأديان.

وغداة كلام البابا، وقف الملك عبدالله الثاني ليلقي كلمة ليست الأولى له على هذا المنبر الأممي، ولكنه يأتي بعد عامين من مقولته الشهيرة: «ان الأردن بيت مستقر في محيط مشتعل». وما زال آمنا والحمد لله ، وبعد خمسة أعوام من اطلاقه لأسبوع الوئام بين الأديان من على المنبر ذاته، والذي تبنته الأسرة الدولية برمّتها.

وجّه جلالة الملك للأسرة الدولية سبعة دروس ، وهي من شأنها ان تكون «خارطة طريق» للعالم الباحث عن سبل للخروج من مآزق التطرّف والتعصب والغاء الآخرين ، لمجرّد كونهم مختلفين. وبالطبع تقع علينا في الأردن مسؤولية ، تحويل هذه الدروس او النقاط السبعة المضيئة الى اعمال يومية ، تتمثل في الدرجة الأولى ، وكنقطة بداية ، كما دعا جلالته، الى الاستخدام المنفتح والواعي لوسائل الاتصال الاجتماعية، لتكون وسائل تجمع ولا تفرق، تبث قطرات المحبة لا سمّ الكراهية.

وعشية كلمة جلالة الملك ، كانت أسرة أردنية تقف أمام قداسة البابا في فيلادلفيا، وتلقي كلمة المشاركين من قارة آسيا كلها ، في لقاء العائلات المليوني العالمي ، الذي نظمته الكنيسة الكاثوليكية ، وكان صوت ربّ الأسرة ، نضال سويدان، يقول للعالم: «نصلي من أجل الذين يعانون بسبب العنف، والحرب، والهجرة، ونقص الموارد، والتمييز الديني، كما من أجل الذين يضمدون الجراح. أدعو أن نتشارك جميعا في حمل بعضنا لأعباء بعض، فبذلك يصير العبء أكثر خفة كما يسود السلام والمحبة.»

البابا المتواضع والملك الحكيم والأسرة الاردنية المحبّة… يا من اجتمعتم في الأرض الامريكية في أسبوع واحد… شكرا لكلامكم الطيّب !

الأب رفعت بدر – الرأي

Abouna.org@gmail.com