الملك والواقعية السياسية محمد حسن التل

2013 05 14
2013 05 15

أهمية لقاء جلالة الملك مع رئيس وأعضاء مجلس النواب، أول أمس أنه يعطي دفعة قوية، نحو فاعليّة وحيويّة المسيرة الإصلاحية والديمقراطية، لبلوغها أهدافها وغاياتها المنشودة، وفقاً للرؤية الملكية الإصلاحية، بما يعزز من مساهمة مجلس النواب المتميزة، في خدمة قضايا الوطن والمواطن، بكل إخلاص وانتماء وموضوعية، ضمن السياسات التي تعمق الإجماع، على أرضية القناعة والثقة المشتركة.2

لقاء الملك مع النواب، جسّد حرص الملك على تكريس نظرته المحترمة للمؤسسة التشريعية، والتأكيد على محورية الركن النيابي والتمثيلي، في العملية السياسية والدستورية،وما تضمنه من حديث ملكي واضح وهادف، لأعضاء مجلس النواب، بأن يكونوا على مستوى المسؤولية، لمواصلة مسيرة البناء، والتقدم الوطني نحو المستقبل، ضمن الرؤية الوطنية الإصلاحية التحديثية.

لقد وضع الملك النقاط على الحروف، في جملة من القضايا الوطنية، التي أثارت جدلا بين مؤسستي البرلمان والحكومة، حول أفضل السبل للتعاطي معها، في مقدمتها إشراك النواب في الحكومات، أو ما يعرف بـ«توزير النواب»، وكذلك العنف المجتمعي، وأهمية سيادة القانون باعتباره ركنا مهما، من أركان الدولة المدنية الحديثة.

واقع الحال أن إشراك النواب في الحكومة، خضع لجدل سياسي وطني، ليس داخل البرلمان فحسب، وإنما امتدَّ لخارج قبة البرلمان ، والحقيقة أن جلالة الملك، حين أطلق موضوع الحكومات البرلمانية، أكد في كل أحاديثه على نظرته لهذا الأمر، باعتباره تجربة لنهج يستهدف المساهمة، في تعزيز وتكريس الديمقراطية، والمشاركة في صنع القرار، وتطوير النظام الديمقراطي.

حدد الملك في أوراقه النقاشية، الإطار الناظم لنهج الحكومات البرلمانية،والانتقال إلى هذا النهج بشكل تدريجي، حيث عرض لهذا الأمر بكل وضوح، بحيث يتم التدرّج في هذا النهج، مع ضرورة الاستمرار في تطوير هذه التجربة، استنادا إلى ما تفرزه نتائجها، بحيث نأخذ الإيجابيّ منها ونعظمه، ونحاصر السلبيّ منها، وصولا إلى نضوج نظام الحكومات البرلمانية، باعتباره أولوية مهمة للتطوير الديمقراطي.

رؤية الملك الاصلاحية تمثل ترسيخا للنهج الديمقراطي على المضي قدما بالمسيرة الديمقراطية، مثلما أنها تأتي في إطار التوجه الإصلاحي والديمقراطي، الذي هو محطّ اهتمام جلالته ومتابعته المستمرة، وتقدم دعما مطلقا للعملية الديمقراطية في البلاد، ما يؤكد أن جلالته يولي العملية الديمقراطية الأهمية الكبرى.

قطع الملك قول كل خطيب، في موضوع الحكومات البرلمانية وتوزير النواب، عندما انحاز إلى الواقعية السياسية، حين أكد ضرورة استمرار مسار الإصلاح التدريجي، الذي يضمن أعلى درجات التوافق، ويحترم تعددية الأفكار والطروحات، لجميع القوى وأطياف المجتمع، وهو ما سيضمن ديمومة وفاعلية مسيرة الإصلاح، ويعززها من خلال تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تقوم كل سلطة بدورها المطلوب.

سؤال الملك للنواب عن الأولوية… هل هي دخول النواب في الحكومة، أم تحديث ومأسسة عمل المجلس، لنجاح تجربة إشراك النواب في الحكومات البرلمانية؟ هو جوهر هذا الأمر، والأولوية وفق هذا المنطق، هي لاستكمال مسيرة الإصلاح ، وإنجاز التشريعات والقوانين الناظمة للحياة السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.

إنّ المطلوب من مجلس النواب، العمل الحثيث من أجل تجسيد تطلعات وطموحات الأردنيين، في المستقبل الأفضل ، في أن يأخذ المجلس النيابي دوره في الرقابة ، لتقديم الإجابات لكل المواطنين.

بالإضافة إلى أهمية دور المجلس، في إنجاز برامج الإصلاح الوطنية ، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتهم الرسمية، تمثل دافعا قويا وحافزا كبيرا ، نحو مزيد من الإنجازات، ومواجهة التحديات، من خلال التعاون بين كافة مؤسسات الدولة لتجاوز التحديات، وذلك بترسيخ نهج الشراكة، والتعاون من خلال العمل المؤسسي، المبني على التعاون بين الجميع، لما فيه خير وخدمة الوطن، بحيث يستوعب الجميع أدوارهم، وفقا للدستور والقانون، بما يعزز من قدرة الأردن، على المضي قدما في مسيرة البناء والإنجاز.

المطلوب أن يتم تعزيز نهج التشاور والشراكة، بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، نحو علاقة تكاملية، وفقا للشراكة الحقيقية بين السلطتين، خصوصا وأن هناك مسؤوليات تنتظر الطرفين، في ما يتعلق بالتشريعات والقرارات، التي لها علاقة بحياة المواطنين.

بالإمكان الجزم، أن لقاء الملك أول أمس مع النواب، جاء لمنع وصول العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لحالة انسداد، وبالتالي جاء اللقاء باعتباره انحيازا وحرصا ملكيا، لترسيخ الدستور بالفصل بين السلطات، وترجمة توجهات ورغبة الشعب، صاحب المصلحة، في عدم توزير النواب في هذه المرحلة، وأن الأولوية لإعادة ترتيب البيت الداخلي في البرلمان، من خلال إعداد نظام داخلي للمجلس، يمأسس لدور الكتل البرلمانية ويرسخها، إضافة إلى انجاز التشريعات، خاصة تشريعات الإصلاح الاقتصادي . (الدستور)