المياه نعمة وعندنا نقمة – د. مراد الكلالدة

2014 11 04
2014 11 04

200x180نعم … هي أمطار الخير التي كشفت العيوب الهيكلية التي تعاني منها البنية الفوقية والتحية في الأردن، فهل لنا أن نستمع لبعضنا البعض لكي نضع يدنا على الوجع.

إن الطريق عصب الحياة، ومنه يتم الوصول الى الأراضي المخصصة للإستعمالات المختلفة، السكنية والتجارية والصناعية وحتى الزراعية، وذلك لأن الطريق يؤمّن أرضية صلبة تمكّن المركبات من إختصار الزمن اللازم لقطع المسافة ذاتها لو لم يكن هناك طريق. كما أن الطريق ينظم حركة وسائط النقل المختلفة عن طريق التقاسم الزماني والمكاني للمساحة بما يرفع من كفاءة المدينة وبالتالي رفع الانتاجية، فهل هناك أسس معينة تتبع عند تصميم الطرق والساحات بمستوياتها وانواعها المختلفة.

بالتاكيد هناك أسس تتعلق بتصنيفات الطرق من حيث العرض والسرعات المسموح بها عليها والمواصفات الفنية لجسم الطريق وطبقاته، ولإنحناءات الطريق وميولها، فكيف ذلك.

يلاحظ السائق بأن المسير على الطريق المستقيم يختلف عن المسير على الطريق المنحني الى جهة اليسار أو اليمين، حيث ترتفع حافة الطريق الخارجية عن الحافة الداخلية بنسب معينة تكون مرتبطة بالسرعة، وهذا ما يطلق عليه اسم الرفعة أو Super Elevation بما يمنع المركبة من ان تقذف خارج المسار بفعل قوة الطرد المركزية، فماذا لو اخطأ المصمم في حساب الارتفاع العمودي عند الإنحناءات او اخطأ في مكانها أو مركزها. بالتأكيد ستكون هناك عواقب وخيمة تؤدي الى خروج المركبات عن المسار وبالتالي الخسارة في الممتلكات والأرواح.

قضية الطرق تتعقد عندما يقرر المخططون إستعمال هذه المساحة المعبدة لخطوط الصرف الصحي وأنابيب مياه الشرب وكوابل الإتصالات والكهرباء الارضية وخطوط الغاز، فهل تستوعب الطرق كل هذه الشبكات التي نسميها بالبنية التحتية.

الجواب هو نعم بتحفظ، لأن الهندسة هي تقديم الحلول الأنسب بكلفة معقولة، وهو ما نطلق عليه اسم الهندسة القيمية Value Engineering فلماذا لا نخصص مسار إضافي الى جانب الطريق لإستيعاب البنية التحتية هذه، اليس هذا هو الحل الأمثل. الجواب بالتأكيد أفضل، وهو ما يتم العمل به في المناطق الجديدة حيث يتم تخصيص أكتاف خدمة تقع خارج حرم الطريق، فلماذا لا يتم العمل بهذا النظام في الأردن.

للجواب علاقة بالكلفة المادية، وخير مثال على ذلك كمن يستعمل السيارة الشخصية لنقل الركاب والأغراض المنزلية واحياناً يستعملها البعض لجر عربة إضافية كقاطرة ومقطورة، كل هذا يتم للتقليل من الكلفة عن طريق الإستعمال متعدد الأغراض. الطرقات في الأردن ضيقة بشكل عام، لأن الطرق العريضة تستهلك مساحات أكبر من الأراضي الحضرية، وهي مستغلة الى اقصى درجة بشبكة مزدحمة بالبنية التحتية، حيث يشعر السائق بذلك لكثرة أغطية المناهل فيها، فبعضها للمجاري والأخرى للإتصالات وغيرها، فما دخل مياه الأمطار بالطرقات.

تسقط المياه من السماء على الأراضي المعبدة وغير المعبدة، بحيث تمتص الأرض الترابية نسبة منها وتسيل المياه بعد تشبع التربة على شكل سيول بإتجاه المناطق المنخفضة الى أن تستقر في الأودية والأنهار والبحار. وفي المناطق الحضرية، أي المبنية منها، تمنع الأسطح الخرسانية أو المعبدة من وصول المياه الى الأرض الطبيعية، فيتم إسالتها الى الطرق المحاذية بحيث تبدأ بالإنسياب بإتجاه الأسطح الأكثر إنخفاضاً، فما هو السبب الذي يحول دون تحول الطرق الى انهر جارية.

إن السبب بذلك هو وجود قنوات تصريف مياه تحت اسطح الطرقات تكون مهمتها توفير مسار إضافي للمياه بحيث يتم إبعادها عن سطح الطريق، وكذلك تجميعها لتصب في اماكن محددة كالسدود بحيث يتم ضخها الى محطات التنقية لإستعمالها كمياه للشرب او للري وحسب الخطط الموضوعة لذلك. وتحظر القوانين الأردنية ربط مزاريب المياه بشبكة المجاري بسبب محدودية الطاقة الإستيعابية وحفاظاً على الثروة المائية التي نحن في اشد الحاجة الى كل قطرة مياه منها.

إن شبكة المياه تحت الأرضية معقدة ومكلفة وتتطلب أخذها بعين الإعتبار عند تصميم الطريق، لأن الميول تحسب بالسنتميتر وأقل احياناً، وتتعقد المسألة عند تزامنها مع الميول والإنحناءات الأفقية والعامودية، ولذلك فإننا نلاحظ وجود مصارف للمياه السطحية على جوانب الطرقات، فما هو السبب في إغلاق هذه المصافي أو المصارف، ولماذا نشاهد أغطية المناهل مفتوحة وتتدفق منها المياه بدلاً من ان تصرفها.

السبب في ذلك هو القدرة الإستيعابية لشبكة تصريف المياه تحت الأرضية من حيث أقطار المواسير المستخدمة، ومن حيث وضعها الإنشائي أو إهتراءها أو إنسدادها الجزئي أو الكلي من ناحية أخرى وفي أماكن وسطية يصعب الوصول اليها أثناء عملية التحضير للموسم الشتوي، ولو كانت هذه الشبكات واسعة وعريضة كتلك الموجودة في بعض الدول، لتمكن عمال الصيانة من السير فيها وتسليكها حسب الأصول.

إن من المعروف أن المصمم يعمل وفق إفتراضات معينة لمعدل الهطول المطري الذي يسقط على مساحة معينة catchment area ويحاول أن يصرف المياه عن سطح الطريق بكلفة معقولة، ولو توفرت للمهندس الأردني الموارد المالية الكافية لقام بإنشاء عبارات صندوقية تحت الطرقات كتلك الموجودة في المدن الكبيرة في العالم، ولما واجهتنا مشاكل السيول وتجمع المياه وارتفاع منسوبها مما يؤدي الى تعطل الحياة العامة وخسارة في الممتلكات والأرواح، فهل الخلل في شح الموارد أو في سوء توزيعها والفشل في إدارتها.

في الحقيقة أن الإجابة فيها من هذا وذاك، حيث تمنع محدودية الموارد المالية من التوسع في عرض الطرقات وتستثني تخصيص طرق خدمة تستوعب البنية التحتية وتمكن من صيانتها الدورية بدون تعطيل السير على الطرق، وهذا يدفع بالمخططين الى إستعمال المساحة المعبدة لجميع خدمات البنية التحتية، فما تحت الطريق هي شبكات معقدة للصرف الصحي والتزويد بمياه الشرب والكهرباء والاتصالات والغاز وشبكة تصريف مياه الأمطار، فهل نعذر أمانات المدن والبلديات بسبب هذا الوضع المعقد.

جوابنا على ذلك هي نعم مشروطة، لأن الظروف الجوية الإستثنائية تتطلب تعاون المواطن مع الجهات القائمة على تشييد هذه الشبكات وديمومتها، ولكننا في الوقت نفسه نطلب من الجهات المخولة بموجب القانون بالإشراف على إعداد التصاميم الهندسية للطرق وشبكات البنية التحتية المختلفة وعلى إحالة أعمال التنفيذ على المقاولين المختصين وعلى تكليف الإستشاريين بالإشراف على تنفيذ هذه الأعمال بإجراء مراجعة حقيقية لهذه المحطات المهمة، لأنه ليس من المعقول أن تعاني الطرقات والأنفاق والجسور الحديثة من المشاكل نفسها التي تعاني منها المناطق ذات البنية التحتية المهترئة. كما أن على الدولة أن تعمل على صيانة هذه الشبكات لأنها في الطريق الى الهلاك التام لو استمر الضغط عليها بهذا الشكل المتزايد للنمو السكاني المنفلت.

قد يقول قائل بأنها شبكة متصلة، يؤدي الإنسداد في مقطع منها، الى عدم التدفق في المقطع التالي، ولكننا نشاهد حالات تم فيها إنجاز تقاطعات وطرقات بمصنعية سيئة واضح الظاهر منها للعيان، فما أدراك بما هو مخفي، والمخفي أعظم.

إنها منظومة متكاملة تبدأ بإعادة النظر في تصنيف المكاتب الهندسية من قبل نقابة المهندسين وأسس تأهيلها من قبل وزارة الأشغال العامة والإسكان، وكذلك هو الحال عند شركات المقاولات، والأهم هو ضبط الإشراف الهندسي لضمان التنفيذ السليم وفقاً للمواصفات العامة والخاصة السليمة، وبما ينسجم مع كودات البناء الوطني الأردني، الذي كنا نحن في الأردن السبّاقين في إعدادها، ولكننا تراجعنا في السنوات العشر الأخيرة، وهذا ما علينا أن نبحث فيه، من خلال عملية إصلاح حقيقي توصل خيرة الخيرة لمواقع التشريع والرقابة والتنفيذ، فهل نحن فاعلون.