الواقع الفلسطيني بين حرب التحرير وحروب التحريك!!

2016 06 09
2016 06 09

13401344_10210143749133406_1128724671_nيقال إن الحرب سياسة من نوع آخر ولكن عبر أصوات الطائرات وأزيز الرصاص، فالحرب هي نزاع مسلح متبادل بين دولتين أو أكثر من الكيانات السياسية غير المنسجمة، تأتي عادةً بهدف إعادة تنظيم الجغرافية السياسية للحصول على نتائج مرجوة ومصممة بشكل ذاتي. فقد قال المنظر العسكري البروسي “كارل فون كلاوزفيتز” في كتابه عن الحرب أنها “عمليات مستمرة من العلاقات السياسية، ولكنها تقوم على وسائل مختلفة.” كما تعرفها الموسوعة الحرة (ويكيبديا) هي صراع يتضمن استخداماً منظماً للأسلحة والقوة البدنية، من قبل الدول أو المجموعات الكبرى الأخرى، وغالباً ما تحتل الجيوش المتحاربة الأراضي التي يمكن أن تربحها في الحرب أو تخسرها؛ ولكل حرب قيادة جماعية أو شخصية التي يمكن أن تستسلم أو تنهار بانهيار قواتها فتكون نهاية للحرب. ومن جهة أخرى تعتبر الحرب سلسلة من الحملات العسكرية التي تشن بين جانبين متضادين، تتضمن نزاعاً حول السيادة على الأرض أو المصادر الطبيعية أو الدين أو الأيدولوجيات أو أي أسباب أخرى قد تكون دافع نحو اندلاع المعاركة.

ورغم أهمية هذه الأنواع من الحروب التقليدية، هناك نوع آخر من الحرب ظهر خلال الفترة الأخيرة، وهي حروب التحريك التي تهدف لتحريك الأوضاع القائمة عبر افتعال حروب قصيرة ومحدودة، لا يكون الهدف منها التحرير كما هو الحال في كل الحروب التقليدية، وإنما تكون بهدف خلق آفاق جديدة تجبر كل الأطراف على التعامل مع الواقع خاصة في ظل انسداد الأفق أمام الأوضاع السياسية أو الاقتصادية أو حتى الاجتماعية.

ظهر هذا النوع من الحروب عام 1973م، عندما بدأت القوات المصرية حرب أكتوبر المجيدة، والتي كانت بهدف تحريك الأوضاع السياسية وفتح نافذة أمام دخول مصر في التسوية السياسية، فقد أجمع كثير من علماء السياسة أن حرب أكتوبر المجيدة، قد دخلها الرئيس المصري الأسبق أنور السادات بهدف تحريك الأوضاع السياسية وليس تحرير الأرض، فقد سعى الرئيس المصري الراحل لتحريك القوى الدولية عبر عبور القوات المصرية لخط برليف وإجبار القوى الدولية على التعاطي مع الوضع الجديد، لذلك انغرس العالم والأمم المتحدة ومجلس الأمن في الأوضاع بالشرق الأوسط منذ اللحظة الأولى لبدء المعارك بين القوات المصرية والجيش الإسرائيلي والذي تمثل في إصدار مجلس الأمن الدولي القرار338 الذي يدعو لوقف إطلاق النار وتطبيق قرار مجلس الأمن السابق رقم242، وكان من نتائج تلك الحرب وضوح محدودية القوة العربية على المستوى السياسي والعسكري، فقد أدت هذه الحرب في نهاية الأمر لتحريك الأوضاع السياسية عبر توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد1979م، وخروج مصر بثقلها السياسي والعسكري والاستراتيجي من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي.

أما على صعيد الثورة الفلسطينية فقد تكرر استخدام هذا النوع من الحروب أكثر من مرة؛ فالثورة الفلسطينية المعاصرة قد انطلقت عام 1965 بهدف تغيير قواعد اللعبة، وإجبار العالم والقوى المؤثرة على التعاطي مع حقوق الشعب الفلسطيني، خاصة بعد محاولات التنكر لهوية الشعب الفلسطيني السياسية وحقوقه المشروعة في إطار النظام السياسي العربي، وهذا ما أكده “صلاح خلف أبو إياد” نفسه عندما قال: “أننا كنا ندرك أن هذه الرصاصات التي نطلقها تجاه إسرائيل لن تؤدي لتدمير دولة الاحتلال ولكن سوف تعمل على تغيير الواقع وإجبار العالم على التعاطي مع الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني”.

ومرة أخرى حاول الزعيم الراحل ياسر عرفات استخدام هذا النوع من الحروب (حروب التحريك) للضغط على إسرائيل عبر انتفاضة الأقصى عام2000م، بعد فشل مؤتمر كامب ديفيد للسلام، وظهور التعنت الإسرائيلي في المفاوضات، حيث حاول أبو عمار الضغط على إسرائيل عبر القيام بانتفاضة شعبية تحولت لانتفاضة مسلحة لاحقاً، بهدف تحريك الوضع السياسي والضغط على إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية للرضوخ للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إلا أن فصائل المقاومة الفلسطينية استلمت زمام الأمور وصعّدت الأحداث ضد إسرائيل فخرجت الأوضاع عن السيطرة وتحولت لمواجهة مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي، فكانت نتائجها كارثية على المستوى السياسي والشخصي بالنسبة للزعيم ياسر عرفات.

وتكرر هذا الأمر خلال السنوات الماضية أكثر من مرة، خاصة في قطاع غزة بعد سيطرة حركة حماس عليه بالقوة صيف عام2007م، فقد سعت الحركة لتكرار حرب التحريك مع إسرائيل وذلك بهدف تحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة.

حدث ذلك بداية من حرب عام2008م، والتي سعت من خلالها الحركة لتغيير الأوضاع في القطاع عبر فتح مواجهة عسكرية مع إسرائيل عبر إطلاق الصواريخ على التجمعات الإسرائيلية المحاذية للقطاع بهدف إجبار إسرائيل على رفع الحصار وفتح المعابر، فجاءت النتائج عكس ما خططت له الحركة. وتكرر السيناريو نفسه بعد ذلك أكثر من مرة، خاصة عام 2014م، عقب دخول حركة حماس في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل تحت شعار (رفع الحصار وفتح المعابر)، فقد سعت الحركة إلى هذه المواجهة الدامية مع الجيش الإسرائيلي هرباً من الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الموجود في غزة، بهدف تحريك الأوضاع السياسية بغية فتح آفاق جديدة أمام الحركة، خاصة بعد سقوط الإخوان المسلمين في مصر وعزل مرسي، وإغلاق السلطات المصرية معبر رفح بشكل كامل ورفض التعامل مع حركة حماس بشكل تام، بسبب اتهام السلطات المصرية للحركة بالتدخل في الشأن الداخلي المصري.

وعليه يمكن القول إن الحرب هي الحرب رغم اختلاف أهداف ورؤى الأطراف الداخلة والمتداخلة فيها، وأيضا رغم اختلاف المساعي والنتائج المرجوة منها، وعلى الرغم من كل ذلك تظل الفروق الجوهرية بين حروب التحرير وحروب التحريك الحد الفاصل بين الحرب التكتيكية والحرب الاستراتيجية أو بين الحرب الشعبية طويلة الأمد التي يتم فيها تسخير كافة الإمكانيات المادية والبشرية وبين حرب الاستنزاف التي يتم فيها استنزاف طاقات الشعب الفلسطيني عبر جولات من المواجهة غير محسوبة النتائج في التعامل مع القضية الفلسطينية، فالأولى تسعى لتحريك الأوضاع السياسية عبر فوهة البندقية لتحقيق أهداف سياسية قد تتحقق وقد لا تتحقق، بينما تسعى الثانية لتحرير الأرض والإنسان من براثن الاحتلال عبر فوهة البندقية.

أ. منصور أبو كريم مدير دائرة البحث العلمي والدراسات مركز رؤية