الوطن غالي …

2016 08 06
2016 08 06

Abdulrahman Badran 2016-1 (1)علم العليم وعقل العاقل إختلفا، من منهما فى الورى أحرز الشرف، العلم قال أنا الذى قد حزت غايته، والعقل قال أنا الرحمن بي عرف، فأفصح العلم إفصاحا وقال له، بأينا الرحمن فى تنزيله إتصف، فعلم العقل أن العلم سيده، فقبل العقل رأس العلم وانصرف.

صباح السبت 16 من الشهر الفائت ذهبنا كعادتنا للحلاق التركي للاستعداد لأسبوع عمل جديد، وكانت أخبار ما يجرى في تركيا من محاولة إنقلاب كسر أمام إرادة الشعب التركي العملاق مازالت تتصدر الأخبار هنا وهناك، بادرنا لسؤال الحلاق إن كان أحد قد تضرر من أهله ومعارفه بسبب تلك الأحداث، خصوصاً بعدما سقط ما يزيد عن 1500 شخص فقدوا أرواحهم أو أصيبوا نتيجة لهذا الانقلاب، وجاء جواب الرجل سريعاً وواثقاً: الحمد لله لم يصب أحد، لكن ما المشكلة لو أصبنا جميعاً وفقدنا أرواحنا لأجل بلادنا فكلنا فداء للوطن، الوطن غالي ويستحق منا التضحية أليس كذلك؟ وأعاد السؤال منتظراً منا الإجابة، قبل أن نجيبه بالتأكيد ونحن مندهشين في الحقيقة من عظمة مثل هذا الشعب المستعد لفداء وطنه بكافة أطيافه ومستوياته وبدون أي تردد، لكن الاندهاش سرعان ما سيزول عندما نتذكر على سبيل المثال لا الحصر كيف ضحى 90 ألف جندي من هذا الشعب من أفراد الجيش التركي العثماني بحياتهم في معركة جاليبولي ما بين العام 1915 و1916م في الحرب العالمية الأولى لأجل هزيمة الجيوش البريطانية والفرنسية والأسترالية والنيوزلندية مجتمعة ومنعها من إستعمار تركيا مكبدين الجيوش المهاجمة ما يزيد عن 50 ألف ضحية وعشرات الآلآف من المصابين.

ولا نكتب هذه السطور هنا للمغالاة في مديح قيادة بعينها مهما كانت متميزة وناجحة فالقيادات تذهب وتبقى الشعوب، ولكن القائد صاحب القوة والحكمة والحرص على القرب من شعبه من خلال المصداقية والشفافية ونظافة اليد يفرض إحترامه على أكبر قوى العالم بدون شك، في المقابل نستغرب ممن ينشغلون إلى اليوم في متابعة كل شاردة وواردة تخص قيادة وشعب تركيا ويتركون ما يهم بلادهم ورفعتها وحمايتها من كل المخاطر والتحديات، والأغرب أن نجد من يمتدح القيادة والشعب في تركيا ليل نهار وعندما يتعلق الأمر ببلده يبدأ بكيل الاتهامات والشتائم ولعن الواقع الذي ينسى بأنه جزء أصيل منه، ولعل هؤلاء ينسون بأن أكثر ما يميز الأتراك قيادة وشعباً هو إحترامهم لكل إنسان مخلص صادق في الحرص على وطنه وأهله مهما إختلف معهم أو عنهم، فتجدهم يتحدثون للجميع بابتسامة نقية وكلهم مستعد لفداء وطن واحد إسمه “تركيا”، بغض النظر عن الدين أو المذهب أو اللون أو الشكل أو الملبس أو الفكر أو أي تفصيلات أخرى.

وهذا من أجمل المعاني التي نحتاج لتعزيزها في مجتمعنا الأردني خاصة وكافة مجتمعاتنا العربية عامة، خصوصاً وبلادنا تستقبل الانتخابات النيابية في الشهر القادم، والوطن يحتاج أيادينا جميعاً في هذه العملية جنباً إلى جنب مع أصواتنا، وبكل مصداقية وشفافية لتسخيرها في إختيار الصادقين في خدمة الوطن وأهله، لا أن نبدأ بعقد الحملات للتخوين وتخويف الشعب من المشاركة وإحباطه بأنه لا فائدة من التغيير، فان أردنا تغيير واقع الأوطان لا بد أن نبدأ بتغيير ما بأنفسنا لأننا ببساطة أصل واقع أوطاننا، متى ما غيرنا ما بداخلنا من قناعات وإقتنعنا بأن بأيدينا وتصميمنا وإرادتنا يكون التغيير سيكون عندها حتماً التغيير للأفضل باذن الله تعالى.

كلنا يمتلك العقل ولكن ذلك لا يكفي لنعلم بأن الوطن غالي ونعمل لأجله، بل يحتاج معه للعلم بالوطن وسطور تاريخه وتضحيات أهله ما سيقودنا عندها لمعرفة قيمة وطننا والايمان به، وسيساعدنا على وضع أيدينا في يده لحفظه وحمايته والعمل على رفعته في كافة الأوقات والظروف، وقد رأينا في بداية هذه السطور كيف قبل العقل رأس العلم وانصرف.

م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران