اليمن وآفاق الصراع ومناخ الخوف

2015 04 07
2015 04 07

9الانشغال في المآل اليمني، وفي تداعياته على المنطقة، ليس من باب الخوض في مشروعية الحدث الراهن أو عدمها، فالأسئلة المهمة منها: كيف ستتعامل دول الإقليم مع الواقع الجديد؟ وكيف يمكن استعادة اليمن “الدولة”، وكيف ستتم إعادة البناء، وهل تكفي العملية العسكرية الدائرة، والتي أوشكت على إنهاء أسبوعها الثاني، لإعادة الوضع لليمن إلى ما قبل اندلاع الحرب وانهيار الدولة؟

وهل يريد الحوثيون عودة علي عبدالله صالح المتحالف معهم اليوم، أم أنهم يبحثون عن حق قديم، أو معادلة سياسية وتنمية غائبة وهوية جامعة، بعدما أضحى اليمنيون شذر مذر في وطنهم، وبعدما ثبت العجز عن إنفاذ المبادرة الخليجية لتحيل واقع اليمن بعد ربيعه القصير إلى زمن جديد يُخلص البلاد من تأخره وتخلفه ونمو الإرهاب فيه وعلى حواف شواطئه، كما تطرح تجربة الحكم الذي انتهى بالرئيس علي عبدالله صالح متحالفاً مع الحوثيين بعدما حاربهم مدة طويلة مدى قدرة الرئيس اليمني عبد ربه هادي منصور وفريقه على تحمل المسؤولية المقبلة؟

سكان اليمن اليوم يزيدون على أربعة وعشرين مليوناً، وفيه مكونات متعددة، والزيدية تعيش وعاشت إلى جانب السنة الشوافع قروناً من الزمن، وفي اليمن تهيمن القبيلة على المجتمع بقوة وتحضر كلما لزمت السلطة ذلك، والحوثيون المنتسبون للمذهب الزيدي، لا يمثلون الفكر القريب للمذهب مع السنة وحسب، بل إنهم يُؤمنون للكثيرين، إمكانية استعادة دولة الإمامة التي غابت منذ الثورة التي أسقطت الإمامة العام 1970 وحينها لجأت أسرة حميدين للمملكة العربية السعودية، وكان الأمل أن يخرج اليمن بعد الثورة إلى باب الدولة الحديثة، لكنه انتهى بجيشه ودولته إلى سلطة القبيلة مرة أخرى.

استجابة للأصدقاء من العالم العربي، وفي اليمن وكما هو الحال عندما نادينا في كل الأزمات السابقة التي عصفت في المنطقة، بدءا من احتلال العراق 2003 وحتى الراهن اليمني، فإننا نؤكد على أن الحرب الدائرة يجب أن لا يكون سقفها الدعوة للحل السياسي وحسب، فجلّ بلدان الربيع العربي(ليبيا وسورية والعراق واليمن) تتكرر فيها نفس المقولة “الدعوة للحل السياسي”؟ في الوقت الذي انتهت فيه الدول إلى بيئة حاضنة للتطرف والنزعات الانفصالية ودمار مؤسسات الدولة.

لذا، ولأن الحل السياسي أضحى مقولة تلازم صراعات المنطقة، أو أمنية مبتغاة بعد كل ما لحق بالدول والمجتمعات من دمار، نقول بضرورة الاهتمام بالحل الإنساني واستعادة الكرامة والتقاضي وإحلال العدالة، والبدء بالإعمار وفق منهجية واضحة، وحديثنا اليوم عن اليمن وأهلها ليس ترفاً أو نقاشاً يصاحب طبول الحرب، بل يأتي في ذات السياق، سياق الالتزام الذي دعونا فيه منذ سنوات قريبة إلى عقد اجتماعي عربي جديد وحالة بناء جديد ومدرسة فكرية جديدة تعظم المشترك وتنهي الانقسام، وتتجاوز التصنيفات الراهنة التي وضعت الأمة بين ثنائيات: الدين والدولة، المذهب والإمارة، السني والشيعي، الرافضة والسلفية أو داعش والقاعدة.. وغيرها، وهذه الدعوة لأجل اليمن وأهله، ومن واجب الأدب والمسؤولية أن أكتب هذه السطور لكي لا يحل الصمت تجاه ما يحدث في اليمن، فيصبح السكوت موازيا لمشهد انهيار الدولة وتشريد الآلاف وقتل الأبرياء وتدمير الممتلكات والتراث.

وعند الحديث عن اليمن والتدخل العسكري يجب أن نلحظ في تاريخ اليمن عدة لافتات عسكرية، تتصل بالحروب التي دخلتها البلاد، وانتهت بها إلى واقعها الصعب اليوم، والتي قوضت أركان ما تمّ الوعد به من قبل الثورة والثوار في مختلف مراحل التاريخ اليمني المعاصر.

هذه الحروب تبدأ مع المقاومة اليمنية للوجود العثماني، والذي سيطر على مدن محدودة، وبقيت الأرياف والمرتفعات خارج سلطته خلال فترتيه، الأولى: وهي فترة إيالة اليمن بين عامي 1539 – 1634، والثانية وهي ولاية اليمن بين عامي 1872 -1911، إذ ظلت سلطة الإمبراطورية العثمانية الحقيقية محصورة في زبيد والمخا وعدن طيلة فترة وجوده، أما المرتفعات الشمالية حيث صعدة اليوم، فلم تكن مستقرة وتعرض العثمانيون لهجمات متكررة من قبل الأئمة الزيدية والقبائل، وفي زمن ثقافي طويل مع التهميش والفقر، وجدت في صعدة بيئة حاضنة للشعور بهوية مستقلة.

وبين هاتين الفترتين بدأت بريطانيا نفوذها في اليمن باحتلال جزيرة بريم في مدخل البحر الأحمر سنة 1799م، ولأهمية عدن كمفتاح البحر الأحمر قامت عام 1839م باحتلالها بعد مقاومة عنيفة من السكان.

وحين حاول العثمانيون ضم صنعاء للمرة الأولى عام 1849 تعرضوا لخسائر فادحة، فخسروا 1500 جندي خلال محاولة فاشلة، فاضطروا للاستسلام للإمام يحيى في النهاية عام 1911 ؛ لأن مشايخ القبائل في المرتفعات الشمالية كانوا يهاجمون الأتراك باستمرار، ووقعت اتفاقية بين الأتراك والإمام يحيى بصيغة هدنة في صلح دعان 1911، وفي الأثناء كان الإمام يحيى حميد الدين يحكم المرتفعات الشمالية، ونصت الاتفاقية على أن يحكم الإمام المرتفعات الشمالية/ الزيدية حكماً ذاتياً ويبقى الأتراك في المناطق الشافعية أي المناطق الوسطى، فيما بقيت عدن محكومة من الإمبراطورية البريطانية.

هذه الوضعية في الصراع على الحكم في اليمن، تركت آثارها حتى اليوم، لا بل تبدو الظروف الراهنة لا زالت محكومة بالتقسيم الذي قررته تلك الحقبة، عدن والجنوب، الشمال والإمامة، والمنطقة الوسطى بصنعاء وجاراتها من الشوافع، هو مصير رسمه التاريخ ولا زال مؤثراً حتى اليوم.

الحرب الثانية والتوغل العسكري الثاني الذي شهده اليمن، حين تدخل جمال

عبد الناصر دعماً للرئيس عبدالله السلال من خلال غطاء جوي عام 1962، آنذاك كان جمال عبد الناصر يقول: “ثورة اليمن ثورتنا” فدفع بجيش مصري بلغ تعداده 70 ألف جندي وهو ما يمثل ثلث الجيش المصري حينئذٍ، وكانت مصر تعدُّ دعم الأردن والسعودية للنظام اليمني آنذاك شكلاً من أشكال التحالف بين الرجعية العربية ودولة الإمام في اليمن، والتي قامت 1918 وانتهت 1970 بسقوط المملكة المتوكلية، وإعلان الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية، ومع ذلك لم تقد تلك الحرب “ثورة سبتمبر” اليمن إلى مرافئ الدولة الحديثة العصرية، بل انتهت به إلى واقع أكثر سوءاً، وورثت دولة الثورة صراع العصبيات والهويات القبلية والدينية.

وفي المحطة الثالثة للصراع في اليمن، يأتي نزاع صعدة أو حروبها الست مع دولة الثورة، ودولة الوحدة التي كرسها اتفاق 1994 الذي وقع في عمان بجهود أردنية وسعودية، آنذاك وقف الأردن والسعودية مع وحدة اليمن ولا زالا، لكن الوحدة لم تنجز وعودها وظلت التنمية والفقر والبطالة وغياب العدالة وسطوة القبيلة تشكل أبرز معضلات الدولة، وأكثر أسباب توترها.

بدأت حروب صعدة بمعارك بين حكومة علي عبد الله صالح من جهة، وحركة أنصار الله المعروفة باسم “الحوثيين”، كانت البداية في تموز (يونيو) 2004 عندما اعتقلت السلطات اليمنية حسين الحوثي بتهمة إنشاء تنظيم مسلح داخل البلاد، ومع أن القتال كان في محافظة صعدة إلا أنه انتقل إلى الجوف وحجة وعمران، وهي اليوم مع حرب عاصفة الحزم، تغطي اليمن كلها، وتحيل الدولة إلى بؤرة صراع، وفي كل يوم يقتل العشرات ويجرح المئات.

لكن يبدو أن الحروب ضد الحوثيين لا تحدّ من قوتهم، بل تكسبهم المزيد من المؤيدين، على الأقل هذا ما حدث في حروبهم مع الرئيس اليمني السابق وحليفهم اليوم، والتي امتازت بغطاء جوي لقصف صعدة وما حولها، مع تمدد عسكري ومشاركة قبلية دفع بها الشيخ عبدالله الأحمر، وعلي محسن الأحمر، وتيارات دينية حاولت جميعها السيطرة والقضاء على تلك الحركة في مهدها، والتي مصدرها البيت الهاشمي الذي ارتبط بعلاقات مع الأسرة الهاشمية في الحجاز منذ القدم، وتعرضت في هذه الحروب أسرة بيت بدر الدين الحوثي للاستهداف فقتلت ابنه الحسين والعديد من أفراد أسرته، وبالتالي تعاطف المشهد اليمني معها وحققت الحركة التي سكنت صعدة والمرتفعات الشمالية قروناً المزيد من الانتشار.

ومثلما استعانت الدولة العثمانية بجدي الحسين بن علي لتحقيق الأمن والطاعة في عسير ضد ثورة محمد بن علي الإدريسي عام 1910، وكان التدخل لدفع القبائل لطاعة الدولة العثمانية آنذاك، فإن التخوم اليمينة الشمالية ظلت تؤكد أنها بوابة الصراع مع الشمال، الذي اشتبك مع الجار السعودي في أكثر من مواجهة، وكان تدخل السعودية عدة مرات لحفظ أمنها واستقرار حدودها.

لكن، ومنذ حروب صعدة في تموز 2004 لم يكن مطلوباً من اليمن وجيشه أكثر من حفظ الأمن والبقاء على الاستقرار والحدّ من نمو الإرهاب على أرضه وهو إرهاب راح ضحيته المئات، أو حفظ أمن البحر الأحمر الذي تعرض للكثير من الحوادث، لكن الجيش الذي انهار أمام قوة الحوثيين بشكل مفاجئ، ظل يحمل معه أسراره التي لم تخفها هشاشة البناء والتأسيس وضعف الوعي بمسألة الدولة وتدخل القوى الخارجية.

ومنذ أن فرضت المبادرة الخليجية في الثالث من نيسان (إبريل) 2011 لتهدئة الثوار الشباب، ولترتيب نظام نقل السلطة في البلاد، والتي انتهت بالانتخابات الرئاسية في شباط (فبراير) 2012. وبوصول عبد ربه هادي منصور رئيساً انتقالياً، انتظر الجميع من الحكم الجديد تحديد المستقبل اليمني والمرحلة الانتقالية، لكن الصراع والخلاف ظل سيد المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى اتفاق السلم والشراكة الوطنية الذي وُقع في 21 أيلول (سبتمبر) 2014 لتسوية الأزمة بين الحوثيين والسلطات والمكونات السياسية.

بيد أن العودة للحوار والتخلص من عقد الصراع، تحطمت وأفرغت من مضمونها برغم جهود المبعوث الأممي جمال بن عمر، والذي حاول جمع الفرقاء الذين لم يلتقوا على تقاسم الأدوار بقدر ما التقوا على إظهار قوتهم لبعض وقوة حلفائهم في الخارج، فخسر اليمن ربيعه وانتهى إلى ما هو عليه اليوم، وزاد الأمر احتقاناً ومذهبية، وكانت عملية تفجير مسجدي بدر والحشوش بصنعاء في 21 آذار (مارس) 2015 التي أودت بـ 142 قتيلاً، بينهم المرجعية الديني للحوثيين إمام جامع بدر، المرتضى زيد المحطوري، وهو أحد مراجع المذهب الزيدي في اليمن، إضافة إلى 351 جريحاً، والتي تبنتها داعش، بداية لتدويل الصراع والتدخل الدولي، الذي قادته المملكة العربية السعودية للتدخل بشكل مفاجئ على رأس تحالف إقليمي، في محاولة لاستعادة التوازن في الإقليم.

اليمن اليوم، يسير في نفق من الصراع الذي يدور على أراضيه جواً وبحراً، وهو بقدر ما يحتاج للحسم السريع وتقصير أمد الصراع، بحاجة أكثر لإيجاد حلول تحترم الذات اليمنية، وتقدم الأمن الانساني والسياسي والاقتصادي والبيئي وتعزيز الكرامة الإنسانية، وعاصفة الحزم بحاجة إلى مبادرة سياسية للبناء، وإعادة إطلاق قوة المجتمع وفق احترام الجميع والابتعاد عن تصنيفات المذهب والعقيدة واحترام مكونات المجتمع، واقتناع أطراف المشهد السياسي أنّ أمن اليمن واستقراره هو مطلب إقليمي، لا يقتصر على اليمن وحده، بل يمتد لكل الخليج ودول البحر الأحمر.

لقد شهد اليمن نحو ثماني حروب في آخر ست سنوات، لم تنته إلا بالمزيد من تعزيز الانقسام، والحل يجب أن يكون جزءا من حلول إقليمية لترسيخ الاستقلال المتكافئ والمتكامل لشعوب ودول الإقليم، لبناء عتبة إنسانية لاستقرار الإقليم الاندماجي الموضوعي، فاليمن جزء من معادلة إقليمية، لكنه بلد ذو خصوصية، لذلك لا يمكن إبداع الحلول له من خارج رحمه اليمني الخالص، والذي يجب أن يكون حلاً يتعهد بإقامة نظام من العدالة والكرامة في صعدة ويحقق لها التنمية الحقيقية، مع السماح بالتقاضي واستعادة الحقوق، وعلى واضعي الحل أن يعودوا لكل المبادرات والتفاهمات منذ وثيقة “العهد والاتفاق” في عمان كانون الثاني (يناير) 1994، على أن تنتهي تلك العودة والمراجعة والجهود بعقد مؤتمر دائم الانعقاد بهيئة إقليمية، وأن يعاد تأهيل القوى المجتمعية واستثمار الكفاءات ورصد الأموال لتجفيف منابع الإرهاب، والفراغ الذي يولد اليأس، لإحلال مفهوم الطب الوقائي في اليمن بدلا من الطب العلاجي.

ختاماً أعود وأقول، إن مدخلي للحديث عن اليمن الراهن، هو صلات قوية وقديمة بين أسرتي وأجدادي الحسين بن علي

وعبد الله بن الحسين وأشراف اليمن، وعلماء المذاهب الإسلامية ونخبها وقادتها، ويضاف لذلك مسؤوليتي الأخلاقية كمثقف عربي يرى أن الحل المطلوب للخروج من واقع التصنيف المذهبي والثنائيات يكمن في نظرة تكوينية تؤدي إلى الشورى إضافة إلى الحل السياسي، الشورى التي يلتقي بها الجميع كقوة اجتماعية تعمل لأجل المصالح العمومية، وبناء المجتمع وتعزيز قدرات الأفراد فيه والتعلم بالقدوة، المقرون بالتجديد في الفكر الإسلامي، والذي عُدّ الإمام الشوكاني أحد أبرز رجاله في تاريخ اليمن الحديث، مع إعداد مواطنين فاعلين مستعدّين للنّهوض دفاعًا عمّا يؤمنونَ به، ومن أجل بناء مجتمعات سليمة بعيدة عن مناخ الخوف والكراهية.

الأمير الحسن بن طلال