اليوم ذكرى نكسة حزيران

2015 06 05
2015 06 05
201465104RN540صراحة نيوز – يبددّ زهاء نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس، آمال الفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة على حدود العام 1967، بعدما قضم الاحتلال الإسرائيلي 60 % من أراضيها، و87 % من مساحة عاصمتها المنشودة.

وتعمّ فلسطين المحتلة، اليوم، تظاهرات شعبية غاضبة ضد ما آلت إليه أرضهم، في الذكرى الثامنة والأربعين “لنكسة” 5 حزيران (يونيو) 1967، وذلك إزاء وجود 160 مستوطنة في الأراضي المحتلة، منها 15 مستوطنة في القدس وحدها.

وتجوب المسيرات والفاعليات الميدانية في مختلف المدن والمحافظات الفلسطينية المحتلة، فيما تتجه جماهير الضفة الغربية صوبّ الحواجز العسكرية ومناطق الاحتكاك مع العدّو والأراضي المهدّدة بالمصادرة، تزامناً مع تنظيم الأنشطة الاحتجاجية في قطاع غزة ضد عدوان الاحتلال المستمر بحق الشعب الفلسطيني.

وأمام إشغال ستة مستوطنين حقائب وزارية معتبرة في الحكومة الإسرائيلية الحالية، يمثلون نحو 380 مستوطناً في الضفة الغربية، و200 آخرين في القدس، فإن التوسع الاستيطاني سيقوّض آخر مقومات “حل الدولتين” الذي يسعى المجتمع الدولي لنفاذه.

واعتبر مدير دائرة الخرائط والمساحة في بيت الشرق بالقدس المحتلة خليل التفكجيّ إن “المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة يعدّون عنصراً مضادّاً لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة”.

وأوضح  إن “هؤلاء يشكلون دولة، بذاتها، في الأراضي المحتلة، لاسيما عقب قرار سريان القانون الإسرائيلي عليهم، فيما يمثلون حوالي 350 ألف مستوطن، ممن يحق لهم الانتخاب، من إجمالي نحو 380 ألف مستوطن في الضفة الغربية، باستثناء القدس المحتلة”.

وأضاف إن “مقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتفاوض حول حدود الكتل الاستيطانية يستهدف إعطاء الشرعية والاعتراف الرسمي بالمستوطنات”.

وأوضح بأن “العصر الذهبي للاستيطان ابتدأ في عهد تأسيس السلطة الفلسطينية (في العام 1994)، حيث جرى تصعيد وتيرة الاستيطان تحت عنوان السلام”.

وأشار إلى أن “سلطات الاحتلال شرعت، منذاك، بتنفيذ المشاريع التي كانت مجمدة سابقاً، وشق الطرق الالتفافية، التي تم المصادقة عليها بالأمر العسكري رقم 50 لعام 1983، وتم تجميد تنفيذه حتى العام 1991″، (سنة انعقاد مؤتمر مدريد للسلام).

وزاد “من بعد دخول السلطة للأراضي المحتلة، عكف الاحتلال على تنفيذ القرار بمصادرة الأراضي الفلسطينية وترسيم الحدود مسبقاً”.

وبين أن “عدد المستوطنين قد ارتفع بشكل ملحوظ، من 105 آلاف مستوطن، قبل “أوسلو” (1993)، إلى 380 ألف مستوطن اليوم، في الضفة الغربية المحتلة، باستثناء القدس التي تضمّ حوالي 200 مستوطن”.

ورأى أن “الاحتلال، من خلال استلابّ مساحات الأراضي الفلسطينية وإغراقها بالمستوطنات والطرق الالتفافية، عدا السيطرة على مناطق الغور، يستهدف منع أي تواصل جغرافي بين الأراضي المحتلة، وبالتالي إحباط مساعي إقامة الدولة الفلسطينية المتصلة ضمنها”.

ويسيطر الاحتلال على 60 % من مساحة الضفة الغربية ضمن المناطق المسماة “ج” (الخاضعة للسيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية وفق تصنيف “أوسلو”)، والتي تتمتع بالموارد الطبيعية والاستثمارية والمائية، مقابل إبقاء السلطة محاصرة ضمن حوالي 40 % فقط، في منطقتي “أ” و”ب”، وهي مساحة المدن والقرى والمخيمات.

“تهويد” القدس المحتلة

استتبع الاحتلال إجراءاته العدوانية ضد الأراضي المحتلة بسياسة تهويد القدس، عبر الاستيلاء على 87 % من مساحتها لأغراض الاستيطان، منها 35 % تمت مصادرتها تحت ذريعة “المصلحة العامة”، وأكثر من 52 % منها باتت “مناطق خضراء” أو شوارع أو مناطق غير منظمة، مبقياً أقل من 13 % فقط بيدّ الفلسطينيين.

بينما امتدت تأثيرات جدار الفصل العنصري، الذي يلتف حول القدس المحتلة بطول يبلغ نحو 142 كم٬ مسنوداً بنحو 12 حاجزاً عسكرياً٬ في خنق المدينة المقدسة وتشتيت عائلاتها وتعقيد عملية الدخول إليها وتسهيل تطويقها وعزلها عن محيطها الفلسطيني٬ وتقسيمها إلى كانتونات صغيرة.

وقد ألحق الجدار أضراراً بالمقدسيين “تقدر زهاء مليار دولار جراء الخسارة المباشرة للمدخول، فيما من المرجح له إلحاق المزيد من الأضرار بتكلفة 194 مليون دولار سنوياً”، بحسب وحدة القدس في ديوان الرئاسة الفلسطينية.

وقد أنتجت سياسة الاحتلال العدوانية ضد المدينة المقدسة وضعاً اقتصادياً واجتماعياً مأزوماً؛ حيث بلغ معدل البطالة في محافظة القدس في العام 2013 حوالي 23,6 %، أما في فلسطين فبلغ معدلها 27,0 %، منها 22,4 % في الضفة الغربية و35,7 % في قطاع غزة.

في حين يعيش حوالي 75.3 % من مواطني شرق القدس و82.2 % من الأطفال تحت خط الفقر، وفق معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2014.

وقادت قيود الاحتلال القانونية والمالية الثقيلة إلى إغلاق أكثر من 250 محلاً ومنشأة تجارية، وضربّ الحركة السياحية، التي لا يتجاوز إسهامها في الناتج الإجمالي الفلسطيني حالياً حوالي 4 % فقط.

كما أغلق الاحتلال أكثر من 88 مؤسسة فلسطينية٬ منها 32 مؤسسة بشكل متواصل منذ العام 2011 وحتى الآن٬ و56 مؤسسة بشكل جزئي٬ وأجبر 33 مؤسسة على نقل مكاتبها ونشاطاتها إلى الضفة الغربية المحتلة.

وتهدف سياسة إغلاق المؤسسات المقدسية في القدس إلى حرمان المواطنين الفلسطينيين من حقهم في الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية والطبية والخدماتية ولإجبارهم على مغادرة مدينتهم.

ويرزح معظم الفلسطينيين في القدس تحت وطأة الضائقة السكنية، أمام القوانين والسياسات الإسرائيلية المعرقلة للحصول على رخصة بناء، والتكاليف الباهظة لنيلها، وإجراءات هدم المنازل، ما “يجعل المدينة المقدسة بحاجة إلى نحو 20 ألف وحدة سكنية لسد العجز المتراكم خلال السنوات السابقة”، وفق دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير.

بيدّ أن ندرة مساحة الأراضي الناجمة عن المصادرة الإسرائيلية المتوالية وتفتيت الملكية وسطوة “حارس أملاك الغائبين”، قد دفع بخمس المقدسيين إلى العيش في مباني غير قانونية مهددة بالهدم، للمحافظة على هويتهم المقدسية.

وتكون نتيجة ذلك الهدد ودفع الغرامات الباهظة، أو إرغام كثير من السكان بالهجرة تجاه الأطراف ما يوقعهم في النهاية تحت طائلة العقوبات، لأن الحياة خارج مركز ما يسمى “حدود بلدية القدس” يعني فقدانهم هويتهم المقدسية.

ويتسبب هذا الأمر في حدوث أزمة إنسانية عبر العيش في مساكن غير ملائمة وتفتقد للظروف الصحية المناسبة نتيجة السكن في مباني قديمة غير صحية، في ظل عدم ربط كثير منها بشكة الصرف الصحي٬ مقابل حاجة زهاء 50 % من شبكة المياه تقريباً للتأهيل٬ فضلاً عن ضعف قطاع الخدمات العامة.

وتعدّ سياسة هدم المنازل من الإجراءات العدوانية التي يتبناها الاحتلال في القدس للتضييق على المواطنين وتشريدهم وحملهم على مغادرة مدينتهم، والذي يتم بحجة البناء من دون ترخيص أو ضمن عقوبات جنائية.

وقد بلغ عدد المنشآت المهدمة عام 2014 حوالي 214 منشأة تشمل منازل ومتاجر وحظائر مواشي هدمتها جرافات الاحتلال أو ألزمت أصحابها بهدمها بشكل ذاتي، فيما بلغ عدد المنازل المهدمة لنفس العام حوالي 87 منزلا ما أدى إلى تشريد 196 فلسطينياً.

فيما يستكمل الاحتلال حلقة جرائمه ضد مواطني القدس عبر سحب الهويات المقدسية أو بطاقات الإقامة الزرقاء، التي تعدّ إحدى الوسائل التي يلجأ إليها لتغيير الميزان الديمغرافي في المدينة المحتلة.

وقد سحب الاحتلال منذ العام 1967 حتى العام 2013 حوالي 14,309 بطاقات، منها 241 هوية خلال عامي 2012 و2013.

وتبعاً لذلك؛ فقدَ آلاف الفلسطينيين المقدسيين حق “إقامتهم” في بلدهم القدس، بناء على الحدود الإدارية للقدس من وجهة نظر الاحتلال، وعليه يعتبر الفلسطينيون الذين يقيمون في ضواحي القدس فاقدي حق الإقامة، أسوّة بحال المواطنين المقدسيين الذين يقيمون في باقي محافظات الوطن، إضافة إلى الطلبة الذين يتلقون تعليمهم خارج فلسطين، وأولئك الذين يقيمون بشكل مؤقت في الخارج.

وأقدمت سلطات الاحتلال، مؤخراً، على خطوة تستهدف تفريغ القدس من أهلها، وذلك من خلال تحويل بطاقات الهوية الخاصة بالمقدسيين إلى “هويات مؤقتة”، تنتهي صلاحيتها عقب إنقضاء سقفها الزمني المحدد لتصبح بعدها بحاجة إلى تجديد.

وتتسبب إجراءات الاحتلال العنصرية، عبر الجدار والحواجز العسكرية المتنقلة والثابتة، في إرباك العملية التعليمية وعرقلة مسارها، من خلال تقييد حركة وصول الطلبة والمعلمين إلى مدارسهم، وتوقيفهم واحتجازهم مدة طويلة لتفتيشهم وتعريضهم لسياستها العدوانية أو منعهم من الدخول إلى المدينة أحياناً، وبالتالي عدم انتظام الدوام أو التسربّ منه.

ويضطر 20 ألف طالب مقدسّي لاجتياز الحواجز العسكرية يومياً من أجل الالتحاق بمدارسهم في الجانب الآخر من مدينتهم المحتلة٬ بعدما طردهم الاحتلال الإسرائيلي٬ مع زهاء 90 ألف فلسطيني٬ خارج جدار الفصل العنصري.

ولا يختلف وضع القطاع الصحي في القدس المحتلة عن سابقيه، إزاء تحديات وصول الفلسطينيين للخدمات الصحية، سواء القاطنين منهم خلف جدار الفصل العنصري٬ أو ارج حدود ما يسمى ببلدية الاحتلال.

وعلى الرغم من أن البنية التحتية في المدينة المحتلة تدخل في نطاق مسؤولية سلطة الاحتلال، إلا أن البلدية لا ترصد أكثر من 12 % من ميزانيتها العامة لها، ما تسبب في تعرض قطاع البنى التحتية للتآكل والانهيار، وتفاقم مشكلة انقطاع المياه لاسيما في الأحياء المقدسية الواقعة خلف الجدار العنصري، والتي تتنصل بلدية الاحتلال من تحمل مسؤوليتها حيالها بذريعة أمنية.

“جريمة حرب”

ولم يكتف الاحتلال بمعاول جرافاته القاضمة للأراضي الفلسطينية من أجل إقامة المستوطنات والطرق الالتفافية ضمنها، وإنما يعمد إلى “شرعنة” الاستلاب قانوناً، على غرار ما حدث مؤخراً عند إقرار “الكنيست” الإسرائيلي سريان قرار ضمّ المستوطنات في الضفة الغربية لكيانه المحتلة.

واعتبر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، أن ذلك القرار “جريمة حرب ستحاسب عليها سلطات الاحتلال أمام محكمة الجنايات الدولية”.

وقال، في تصريح أصدره أمس، إن “هذا القرار يشكل بداية لضم قرابة 50 % من الضفة الغربية للكيان الإسرائيلي، ما يكشف خطة الحكومة الحقيقية في تدمير خيار الدولتين، وتضييق الأمور على الشعب الفلسطيني وحرمانه من فرص التطور والنمو فيما يتعلق بالبناء والتوسع”.

وأضاف إن “العالم أجمع، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، يدرك تماماً أن نتنياهو لا يريد خيار الدولتين”.

من جانبه، أكد المجلس الوطني الفلسطيني “التمسك بثوابت إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس على كامل حدود الرابع من حزيران عام 1967”.

وشدد، في بيان أصدره أمس، على “مواصلة النضال الوطني ضد عدوان الاحتلال، الذي يمعن في إجراءاته التهويدية بحق مدينة القدس”، معتبراً أن “فلسطين، والقدس، تشكلان مفتاح الحرب والسلام في المنطقة في ظل اشتعالها بالحروب الداخلية”.

ودعا “المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته لجهة إنهاء الاحتلال العنصري”، حاثاً على “ترتيب البيت الفلسطيني وتصليب الجبهة الداخلية بإنهاء الانقسام وتعزيز عوامل الثبات والصمود لمواجهة التحديات المقبلة بمشاركة الجميع في إطار منظمة التحرير الفلسطينية”.

بدوره، قال عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” محمد اشتية إن “السلطات الإسرائيلية تسعى إلى تكريس الاحتلال للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، من خلال الاستيطان بهدف خلق وقائع تحول دون تحقيق حل الدولتين”.

وأضاف، في تصريح أمس، إن “المفاوضات تحتاج إلى إرادة سياسية صلبة وجادة لتحقيق الأهداف المرجوة منها”، مبيناً بأن “الأسرة الدولية تعلم سبيل إنهاء الصراع وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في العيش بأمن وكرامة في ظل دولة مستقلة أسوة بباقي شعوب الأرض”.

وأكد، خلال اجتماعه أمس في رام الله مع وفد برلماني برازيلي، إن “الشعب الفلسطيني يريد السلام ويبحث عنه منذ زمن، لكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لا تريد السلام وتضع العقبات أمام تحقيقه”.

الغد – نادية سعد الدين