بعد البدء ببناء جسور الثقة

2016 10 28
2016 10 28

img_0125_cropمع توقف المنحة الخليجية نهاية العام الحالي، بحكم انتهاء المدة المحددة لها، والتوقعات بعدم تجديدها لسنوات مقبلة، تبرز معضلة جديدة للحكومة، تتمثل في توفير مخصصات للنفقات الرأسمالية المعنية بتمويل المشاريع التي تسهم في زيادة معدلات النمو، والضرورية، بدورها، لتوفير المخصصات اللازمة لتمكين الحكومة من القيام بواجبها تأمين الخدمات الرئيسة للمواطنين.

ومن ثم، يبدو أساس هذه المعضلة في اعتماد الحكومات، خلال السنوات الماضية، على المنحة الخليجية لتوفير الموارد المالية الضرورية لتغطية كلف المشاريع المختلفة؛ سواء المشاريع المستمرة أو تلك الجديدة. إذ قُدرت المنحة سنويا بحوالي 750 مليون دولار، كان الأردن يحصل عليها من السعودية والإمارات والكويت، عقب استنكاف قطر على سداد التزاماتها.

السؤال اليوم: كيف ستتمكن الحكومة من تعويض غياب المنحة، وبالتالي استمرارها في تغطية النفقات الرئيسة؟

حتى اللحظة، لا تتحدث الحكومة بهذه المسألة، رغم أهميتها. إلا أن ما يتوفر من معلومات يؤكد أن حجم بند المنح الباقي بلا أدنى شك، سيكون أقل مما عرفته سنوات سابقة في موازنة العام المقبل التي لم تنشر أرقامها حتى الآن، ويتوقع إعلانها من قبل الحكومة مع انعقاد مجلس الأمة، للسير في إقرار القانون، تبعا للمبدأ الدستوري القاضي بعرضها على المجلس قبل نهاية العام.

أما الحديث المعلن، فهو أن الحكومة خصصت مبالغ للإنفاق الرأسمالي، لم تفصح عن قيمها. والخشية، نتيجة تناقص معدلات النمو والإيرادات المحلية، أن ينعكس جزء من هذا الإنفاق بتفاقم نسب العجز وقيمته المطلقة.

هذا على المدى القصير. لكن المشكلة تغدو أكبر وأعمق على المدى الأبعد، بالنظر إلى المؤشرات المالية التي تؤكد أن القصة ستستمر لسنوات. وهو ما يعني بالنتيجة تآكل قدرة الحكومة على توفير مخصصات الإنفاق الرأسمالي في ظل تنامي المديونية والعجز، بل استفحال الأزمة بتضخم بند النفقات الجارية؛ من رواتب وتقاعد وخدمة الدين وأقساطه، إذ يقلل ذلك الموارد الضرورية للحكومة لتعظيم وزيادة الإنفاق الرأسمالي على أهميته، لتحقيق النمو والتنمية.

هكذا، تكون بدهية ضرورة البحث عن حلول مختلفة، عبر التفكير بطرق جديدة، لتوفير الخدمات وتمويل المشاريع التي تشبع الحاجات المتزايدة بتزايد النمو السكاني، في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية وسواها.

إزاء العجز المالي وضعف قدرة الاقتصاد على توفير الموارد، يبرز طرح محدد، لكنه ليس جديداً، يقوم على مبدأ ترك إنشاء المشاريع المستقبلية التي تتولاها الحكومة عادة في مختلف القطاعات، للقطاع الخاص. أي أن يتولى هذا الأخير إقامة المشاريع وتمويلها، بالتعاقد مع الحكومة، وفقاً لمبدأ: البناء والتشغيل، والتأجير عقب ذلك.

ومبرر اللجوء لهذا الأسلوب؛ “البناء والتشغيل والتأجير”، أنه يخفف الأعباء المالية على الخزينة من ناحية، ويمكّن من إنشاء المشاريع التي تعمد الحكومة إلى استئجارها من القطاع الخاص المنفِذ.

وكونه أسلوبا مطبقا بنجاح في دول مختلفة، إذ يساعد على تحقيق كفاءة الإنفاق، فإنه يغدو مسألة يلزم البدء بمناقشتها أردنياً لتحديد الموقف منها، لاسيما أنه يعني تخلي الدولة عن دور كبير لصالح القطاع الخاص، ناهيك عن أن تطبيقه من دون أسس ومعايير صارمة محددة، سيجعله بابا جديدا للفساد والإفساد.

إذن، التحول للمبدأ السابق يحتاج حوارا طويلا لضمان إقناع الناس به، تجنبا لردود الفعل السلبية، وذلك بالسعي إلى إيضاح أن تغيير الآلية لا يعني تخلي الدولة عن دورها في توفير المشاريع الرأسمالية، بل وحرصها أيضا على ضمان نتائج أفضل من الإنفاق المرجو؛ على صعيد الأولويات، وتقليص الهدر، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة.

الإقدام على هذه الفكرة ممكن، لكن ليس في الفترة الحالية التي تشوبها معطيات تصب تحديداً في انعدام الثقة بين الحكومة والمواطن. ومن ثم، تكون البداية إنشاء جسور قوية من الثقة، وهو ما لم نشرع به بعد!

الغد – جمانة غنيمات