بقلم عيسى محارب العجارمة : إعادة الاكتشاف الاستراتيجي للعلاقات المصرية-الخليجية

2013 10 01
2013 10 01

570أعادت ثورة 30 يونيو الدفء للعلاقات المصرية الخليجية، ولم يعكس ذلك فقط مقدار الدعم الخليجي لمصر الذي بلغ 12 مليار دولار من السعودية والإمارات والكويت، والذي جرى الإعلان عنه قبل مضي عشرة أيام على عزل الرئيس مرسي، وإنما أيضا رسائل التهنئة الحارة من جانب القيادات الخليجية للرئيس عدلي منصور، وللفريق عبد الفتاح السيسي، والزيارة الإماراتية على مستوى عال لمصر، والتي امتنعت طيلة سنة حكم مرسي.

كان الفتور هو أبرز ملمح للعلاقات خلال السنة الماضية، لكن على الرغم من فتور العلاقات الرسمية، فقد كانت العلاقات على الصعيد الشعبي معبرة، ومن يؤرخون لهذه الحقبة سوف يتوقفون كثيرا أمام هذه السنة التي برز فيها عمق العلاقات على الصعيد الشعبي. وكان أبرز دلائل ذلك السلوك العفوي المصري بعد أزمة السفارة السعودية بالقاهرة، ومواقف المصريين من تصريحات بعض قادة الإخوان المعادية لدولة الإمارات. والأجدر أن فترة حكم الإخوان لمصر جددت علاقات مصر بالخليج بأكثر من أي حقبة سابقة.

أولاً: حكم الإخوان.. وإعادة الاكتشاف الاستراتيجي لمصر:

على مدى العقود الماضية، سارت العلاقات المصرية الخليجية وفق النمط الاعتيادي، وأُخذت كمعطى موروث، من دون تقديرات شاملة للقيمة الإستراتيجية المضافة من جانب كل طرف للآخر. وعلى الرغم من توثيق العلاقات في فترة حكم الرئيس مبارك وتكرار مقولة أن أمن الخليج خط أحمر، فإن الخليج لم يدخل في أعماق الفكر الاستراتيجي المصري، ولم تدخل مصر في عمق الفكر الاستراتيجي الخليجي، وقد ظل كل منهما في مدار استراتيجي وأمني شبه منفصل، ثم جاء حكم الإخوان وأدخل كل طرف في المدار الاستراتيجي للآخر، وهو ما يمكن أن يحدث أكبر تحول في مفاهيم الأمن الاستراتيجي الخليجي والمصري على حد سواء، فخلال العقود السابقة، ركنت رؤى الأمن القومي على الجانبين إلى مفاهيم اكتسبت طابعا إنشائيا من فرط تكرارها دون أن تتعرض للاختبار الحقيقي، إلا في حالات محدودة ومؤقتة دفع إليها ظهور خطر استراتيجي طارئ مثل حالة الغزو العراقي للكويت 1990 – 1991. وجاء حكم الإخوان بمثابة “تجربة” أو “بروفة” لما يمكن أن يكون عليه الحال لو جرى افتقاد المعطى الاستراتيجي الموروث في العلاقات الذي لا يجري إدخاله في حسابات المعادلة.

لقد ظل الخليج معطى مضافا للأمن القومي المصري، وظلت مصر كذلك بالنسبة للخليج، باستثناء فترات محدودة، ونشأت حالة من “الأمن المجاني”، في ظل تراجع تكاليف الأمن تحسبا للأخطار الواردة من الآخر إلى الصفر. وظل ذلك إلى أن جاء حكم الإخوان ورفع كلفة الأمن الخليجي من ناحية مصر إلى مراتب فاقت كل جبهات الأخطار الإستراتيجية الأخرى على الخليج. وتحولت مصر من أن تكون ضمن الجوار الآمن، إلى الجوار الناشط والخطر، وازدادت تهديدات الأمن إلى أقصى مدى، وتولد عن ذلك إحساس ليس فقط بخسارة الرصيد الاستراتيجي، وإنما أيضا بتحوله إلى خانة مهددات الأمن المكلفة، وهي مهددات من النوع الذي يصعب تعويضه بالإنفاق على الأمن باقتناء مزيد من السلاح أو إبرام مزيد من الاتفاقيات الأمنية.

تركت تجربة الرئيس عبد الناصر آثارا سلبية على العلاقات الخليجية مع مصر، خصوصا مع صك مفهوم الرجعية العربية والأنظمة المحافظة، ونشأ صدام بين عبد الناصر ودول الخليج عبر عن نفسه في الحرب في اليمن، التي تواجهت فيها مصر والسعودية. وقد رسخت هذه الفترة التحفظ الخليجي نحو مصر، الذي عمق من التأثير الخليجي النفسي نحو مصر بعد سقوط النظام الملكي، وترك بصماته على الحقب التالية. وإلى حد كبير، فقد صححت حرب أكتوبر جزءا من معادلة العلاقات، وأقامت مجموعة من الروابط الجديدة، بعد أن وقفت دول الخليج إلى جانب مصر، واتخذت قرار حظر تصدير النفط الذي كان أحد أهم مرتكزات النصر في حرب أكتوبر. ولكن مع تضخم ثروة النفط تأسس نموذج في العلاقات توزع فيه مركز القيادة بين مصر والسعودية.

وأتت اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام 1978 و1979 لتبعدا مصر عن العالم العربي، ولتضعاها في مدار أمني منفصل عن الأمن الخليجي، وأصبح لكل منهما مدار أمني منفصل مع الولايات المتحدة، وعملت الأخيرة على تعميق هذا الانفصال، ولكن حرب الخليج الأولى 1980 – 1988 والغزو العراقي للكويت 1990 وحرب تحرير الكويت 1991 ثم حرب تحرير العراق 2003 ساعدت على تسريع عودة العلاقات المصرية الخليجية مجددا، وأدت هذه العقود إلى إحداث قدر من التنسيق الأمني الحذر بين الجانبين، ولم يؤد الدور القومي الذي اضطلع به كل من الجيشين المصري والسوري في حرب تحرير الكويت 1990 – 1991 إلى الدخول مع دول الخليج في علاقات أمن استراتيجي أكثر، وكان أبرز مؤشر على ذلك فشل إعلان دمشق الذي وقع في 1991.

ومع تفجر الثورات العربية 2011 تعرض ما تحقق على مستوى التنسيق الأمني في عهد مبارك إلى التهديد؛ بالنظر إلى قلق دول الخليج التلقائي من الثورات وبحكم تجربتها مع ثورة 1952؛ وعمق من ذلك أن التفاعلات الداخلية في مصر جنحت في بعض الأوقات ضد المكاسب التي تحققت في علاقات مصر بالخليج، وكان أبرز مؤشر قضية المحامي أحمد الجيزاوي مارس 2012 التي وضعت علاقات مصر بالمملكة تحت الاختبار، ولم تمض الأزمة دون بعض الإساءات الصحفية والفضائية التي كادت أن تدفع بالعلاقات على الجانبين إلى التوتر، واستدعت المملكة على أثرها سفيرها بالقاهرة، وانتهت الأزمة بذهاب وفد شعبي ورسمي مصري إلى الرياض، عاد على أثره السفير السعودي.

وجعلت تفاعلات الثورة وحكم الإخوان دول الخليج في حالة من الترقب؛ وإلى حد ما ظلت خلال فترة حكم المجلس العسكري حريصة على النأي بذاتها عن تفاعلات الداخل المصري. وكانت أوضاع ما بعد الثورة جديدة على الصعيد الداخلي في مصر، فباعتبارها تجربة لثورة قامت على مبادئ بينها الحرية، لم يبرز التمييز بين الحرية ونوعية العلاقات التي تتعلق بالأمن القومي، وبدت مصر في مرحلة عدم قدرة على فرض معايير الأمن القومي بمفاهيم المرحلة السابقة، ومن ثم جزء من علاقات الخليج مع الشأن الداخلي المصري والقوى السياسية في مصر مر لعدم القدرة على الفصل بين حدود الأمن القومي وضرورات الحرية التي تقتضي السماح بنوعية جديدة من العلاقات بين الخارج الرسمي الخليجي والداخل الشعبي المصري.

ثانياً: ماذا ربحت دول الخليج بسقوط حكم الإخوان؟

كان وقوع مصر في قبضة حكم الإخوان يعني تغيرات إستراتيجية هائلة في المشهد الإقليمي والداخلي مؤثرة على دول الخليج يتمثل أهمها فيما يلي:

(1) في المشهد الاستراتيجي الإقليمي:

– التحالف ألإخواني الأمريكي: ظلت نقطة تميز دول الخليج على مدى العقود الماضية، تتصل بعلاقتها وشراكتها الخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية في قضايا الأمن الخليجي، وهو ما عزز استقلال أمن الخليج عن الأمن العربي، وقد جعل ذلك منطقة الخليج بمنأى ومأمن من صراعات الأنظمة الراديكالية وموجات الحروب الإقليمية التي اجتاحت المنطقة. ومع قدوم جماعة الإخوان بمفاهيمها غير الواضحة بشأن السيادة والدولة الوطنية وبنظرتها بعيدة المدى للخلافة الإسلامية التي تجب كيانات الدول القائمة، فقد انخرطت في علاقات مع الولايات المتحدة على حساب سيادة الدولة. وقد هدد ذلك بإمكان حلول دويلات الإخوان محل الدول الخليجية في شراكات إقليمية جديدة مع الولايات المتحدة، وهو ما كان أكبر مهدد للتحالف الخليجي الأمريكي. فمنذ سنوات تسعى مراكز التفكير الأمريكية إلى تطبيع العلاقات مع الجماعات الإسلامية وإدماجها في العمل السياسي وإخراج نسخ إسلامية ليبرالية وطبعات معتدلة من الإسلام السياسي يمكنها التعامل مع الغرب، وكان مجيء الإخوان إلى الحكم عبر انتخابات ديمقراطية بديلا يتوقع له أن يشكل أساسا لتحالف أمريكي جديد في المنطقة يستقر لعقود. وكان يفترض أن يقوم هذا التحالف الجديد على مفاهيم ومبادئ مختلفة عن مبادئ ومفاهيم التحالف الخليجي الأمريكي. وربما يجري توظيفه ضد التحالف القديم مع الأنظمة الملكية. وأتت ثورة 30 يونيو لتعيد المشهد إلى المربع رقم 1 ولتعيد تأكيد أهمية دول الخليج للولايات المتحدة وقدرتها على الإمساك بمقاليد الإقليم العربي وتوجيه خطواته وإيقاعه. فبسقوط حكم الإخوان تراجع الإسلام السياسي وأصبح على القيادة الأمريكية إعادة استخدام ذات المفاتيح الرسمية للمنطقة بآلياتها الرسمية القائمة، وظل التحالف مع دول الخليج هو عماد الاستقرار الإقليمي.

– تطوير العلاقة مع إيران: بينما تعرضت علاقات مصر بدول الخليج العربية خلال السنة الماضية للتدهور تنامت علاقاتها بإيران. وفي بداية حكمه سعى الرئيس مرسي إلى مغازلة السعودية، فصرح خلال زيارته للمملكة في يوليو 2012 أن السعودية هي “راعية مشروع “الإسلام الوسطي السني”، وأن مصر هي “الحامية لهذا المشروع، وعلى غرار نظام مبارك أكد الرئيس مرسي وبعض مسئولي إدارته أن أمن “الخليج خط أحمر”، وأنه جزء من الأمن القومي المصري. لكن ذلك لم يترجم عمليا على الأرض، واتسمت رسائل الإخوان لدول الخليج بالتعارض وعدم الاتساق، واتخذ النظام من السياسات ما أكد رغبة القيادة في الاقتراب من إيران أكثر، ففضلا عن زيارة الرئيس لإيران في أغسطس 2012، وزيارة الرئيس الإيراني لمصر في فبراير 2013، قام عدد من المسؤوليين والسياح الإيرانيين بزيارة مصر، وقامت مجموعة من الوفود المصرية بزيارة إيران.

ومن غير المعروف ما إذا كان الرئيس مرسي والجماعة قد استهدفوا من ذلك الضغط على دول الخليج للتعامل معهم، أم أن ذلك أتى كجزء من أجندتهم الخاصة، لكن بكل حال، فقد برزت عقبات في الطريق مع إيران، جعلت الرئيس مرسي يتحول في الأيام الأخيرة لرئاسته عن سابق سياساته إزاء الجمهورية الإسلامية، وبرز ذلك في تحول موقفه بالإعلان عن دعم مصر “شعبا وقيادة وجيشا” للثورة السورية وهجومه على حزب الله وقيادته، وهو ما مثل اتجاها مغايرا لتوجهه السابق، كما اتضحت عراقيل لوجستية وفنية إزاء السياحة الإيرانية، وتراجعت التقديرات بشأن العائد منها، وعزز من ذلك أن رغبة الرئيس في إحكام تحالفه مع السلفيين بالداخل وحاجته إليهم دفعته لاسترضائهم من خلال قطع طريق العلاقات مع إيران وإعلاء نبرة العداء للشيعة. وكان من شأن مسار التطور في علاقات مصر بإيران لو استمر الإخوان قيام محور إيراني مصري يجعل الخليج واقعا تحت ضغط مباشر فيما يتعلق بالنفط وممرات الطاقة. ويتضح بعد سقوط حكم الإخوان أن إيران لم تبال كثيرا بسقوط مرسي، وأنها ربما استدركت مخاطر الإخوان، وكان اتصال وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي بوزير الخارجية المصري نبيل فهمي في 23 يوليو أبرز دليل على اعتراف إيران بالواقع المصري الجديد، وهو أمر يتضح بالمقارنة بالموقف التركي.

– التبعية لتركيا العثمانية: مثلت تركيا الحاضنة الأساسية لتيارات الإسلام السياسي في السنوات الأخيرة, وقدمت النموذج الرئيسي للحكم الإسلامي المعتدل، الذي تمتزج فيه قيم الإسلام بتقاليد العلمانية، وعلى مدى السنة الماضية توطدت العلاقات بين إخوان مصر ونظرائهم في حزب العدالة والتنمية التركي، وإلى حد كبير فإن الإخوان بقناعاتهم الأيديولوجية بشأن الخلافة الإسلامية وقراءتهم الخاصة للتاريخ العثماني، قدموا للأتراك نفوذا بلا ثمن في المنطقة العربية، وقد برز ذلك في زيارات العديد من المسئولين الإخوان إلى تركيا. وعلى الرغم من أن دول الخليج تحتفظ بعلاقات وثيقة مع تركيا، وهي علاقات يدعمها الانتماء إلى المذهب السني، والتوافق حول الموقف من العراق وإيران وسورية والتحالف مع الولايات المتحدة والغرب، إلا أن الطابع الإسلامي الحركي لتركيا أردوغان وتبنيه جماعة الإخوان المسلمين طرحت الشكوك في الموقف التركي على الصعيد الخليجي. وكان من شأن تمكن الإخوان في مصر أن يجعل دول الخليج محاصرة بين المثلث الإسلامي الأكبر المحيط بالخليج من كل جانب (مصر وإيران وتركيا). ولا شك في أن موقف أردوغان المعارض لعزل مرسي صب في خانة تأكيد قناعات دول الخليج بخصوص العلاقات الخاصة لتركيا مع الإخوان. وكان التحالف ألإخواني التركي القائم على أيديولوجية إخوانية بخصوص الخلافة الإسلامية ومصلحة تركية في العثمانية الجديدة يعارض الحضور السعودي الخليجي في مركز القيادة الإقليمية في العالم العربي، ويفتت دول المنطقة بين تحالفات ضارة بالخليج.

– انتزاع قطر من الخليج: كانت قطر السند الرئيسي لحكم الإخوان في مصر ومختلف دول الثورات العربية. ومن الصعب الإحاطة بكل أهداف السياسة القطرية في دعمها الإخوان المسلمين في ظل اضطراب علاقاتها بدول مجلس التعاون الخليجي، إلا في سياق ما يحققه لها ذلك من إحساس بالتميز في المحيط الخليجي من خلال سياسات نشطة تبحث عن المكانة والمكاسب بغض النظر عن مصادر التوتر للخليج. وكان مثيرا ولافتا استمرار قطر في دعم الإخوان، وتواصل الزيارات البينية على أعلى مستوى بين القاهرة والدوحة، في الوقت الذي اعتبرت فيه السعوية والإمارات والكويت الإخوان خطرا عليها. وقد ظل التحالف القطري مع الإخوان أكبر عائق نحو تبني موقف خليجي جماعي تجاههم، ولكن جرى استيعاب الموقف القطري في الوسط الخليجي بشكل متوازن. وبسبب أوضاع إقليمية وقطرية قررت الدوحة في النهاية العودة للبيت الخليجي، وقرر الأمير العودة بإمارته إلى المربع رقم 1، وتسليم حكم الإمارة لنجله الأمير تميم. وقد أحكم ذلك الطوق حول حكم الإخوان في مصر، فأدى انتهاء الدعم القطري مع بداية احتجاجات ميدان تقسيم في تركيا إلى اختفاء أهم مصدرين لدعم الإخوان في الوقت نفسه، وأدى سوء العلاقة مع إيران إلى انتفاء الدعم المتوقع. وهكذا عادت التوجهات الرئاسية لحكم الإخوان إلى نقطة الصفر بعدما وثبت وثبات بدا عليها قدر من الطموح عام 2012.

(2) في المشهد السياسي الداخلي:

– تصادم الشرعيتين: كان أكبر تهديد يمثله حكم الإخوان المسلمين على دول الخليج هو التهديد الخاص بالشرعية السياسية، فوجود أنظمة حكم بأيديولوجيا إسلامية، وقيام دولة دينية ثيوقراطية في المنطقة العربية، مع تبنيها لمفاهيم خاصة بالخلافة والأممية الإسلامية، من شأنه التأثير على الوضع الداخلي في دول الخليج، وأن ينازع دول الخليج على أرضية الشرعية الإسلامية ذاتها، وخصوصا مع وجود بعض التيارات الدينية في دول الخليج ممن تبنى فكر الإخوان وبعضها عقد البيعة مع مرشد الجماعة، أو تيارات ليبرالية لا تتعاطف مع الإخوان، ولكنها كان من المتوقع أن تدعم حكم الإخوان لما يمثله من تحدي لأنظمة دولها، وهو ما يأتي من باب العداوة وليس الموالاة. ومن شأن نشأة شرعية إسلامية بجوار شرعية الدول الخليجية التي ترتكن على القيم الإسلامية أيضا، أن يثير إشكاليات قد تصل إلى تصادم أو صراع الشرعيتين.

وعلى جانب آخر، طرح الخطاب السياسي للإخوان تحديا على المؤسسات الدينية الرسمية في دول الخليج بالقدر نفسه الذي طرحه على مؤسسة الأزهر. وعلى الرغم من علاقاتهم بالخليج وفضل الخليج عليهم منذ الستينيات، فقد تورط الإخوان في العداء للخليج. ومن غير المعروف الأسباب التي ولدت هذه العداوة أو الكراهية، فالمسار التاريخي للعلاقات يؤكد الانسجام الإخواني مع الواقع الخليجي، وقد حظي الجيل الأول من الإخوان الذين هاجروا للخليج بالعمل والمكانة، ولكن الجيل الأحدث الأكثر تسييسا أبعد الجماعة عن العمل الدعوي وقربها إلى العمل السياسي، وهو ما أسهم في إبعادها عن الحاضنة الطبيعية لها في الخليج، ويعود بعض أسباب ذلك أيضا إلى إخوان الداخل في دول الخليج الذين قادت رغبة التنظيم الأم في استرضائهم في مواجهة أنظمة بلادهم إلى دخول الجماعة في مواجهة مع الأنظمة.

وانعكس توتر العلاقة بين قطر ودول الخليج على العلاقة بين دول الخليج والإخوان؛ فقد ظل الدعم القطري للإخوان وللتيارات الإسلامية وعبر قناة الجزيرة مصدر حساسيات من جانب دول المجلس، واستخدمت قطر الإخوان أحيانا كأحد أدوات تكريس مكانة نظامها في الخليج، وكانت الفتاوى الدينية من الشيخ القرضاوي أحد أسباب التوتر بينه وشيوخ المؤسسة الدينية السعودية. وتمثلت الشرارة الأولى التي مثلت أول تصادم فعلي بين نظامين خليجيين في الخلاف الذي فجره الشيخ القرضاوي بتهجمه على شيوخ الإمارات في مارس 2012، والذي رد عليه قائد عام شرطة دبي ضاحي خلفان بالتهديد برفع مذكرة للانتربول الدولي لاعتقال الشيخ، منتقدا هجومه على الإمارات لترحيلها وافدين سوريين، بينما لم ينتقد حكومة قطر التي قامت بسحب جنسيات مئات من مواطنيها من قبيلة بني مره وطردتهم الى الصحراء. ففي هذا الخلاف أقحم قيادي إخواني نفسه على خط المواجهة بين القرضاوي وخلفان، موجهاً تهديدا مضادا بتحرك العالم الإسلامي بأسره ضد الإمارات، للذود عن الشيخ يوسف القرضاوي. وبشكل عام، فقد أثبت حكم الإخوان خلال السنة الماضية، أنهم لم يكونوا يشكلون خطرا أمنيا وحسب على دول الخليج بحكم علاقتهم بإخوان الداخل، وإنما خطرا عقديا وتهديدا أساسيا لشرعية أنظمة الحكم الخليجية؛ فقلب العقيدة المركزية الإخوانية مؤسس على قدر من الريبة بشأن ثروات الخليج. وخلال السنة الماضية تحدث الكثيرون عن ما أسموه “الهلال ألإخواني”، وعن سعي الإخوان للسيطرة على بلد خليجي وإعلانه إمارة إخوانية يجري الإنفاق منها على مشروع الخلافة الإسلامية.

– تقارب الإخوان والسلفية: على المدى القريب، لم يكن هناك مخاوف أو تحديات فعلية في الخليج من حكم الإخوان، فعلى الرغم من استمرار المناوشات اللفظية بين قائد عام شرطة دبي وبعض قيادات الإخوان إلا أن هذه المناوشات كان بالإمكان استيعابها، وكان الخوف في الخليج من النوايا والأجندة الإخوانية المستبطنة بعيدة المدى، فعلى مدى السنة الماضية لم يطرح الإخوان خطرا حالا على دول الخليج، وربما كان وجودهم على رأس الحكم عاملا للتسكين والمهادنة من قبل إخوان الداخل بالخليج، فوجود الإخوان على رأس السلطة في مصر قيد حركتهم كجماعة إقليمية عابرة للوطنية، وكما قيد الإخوان سلوك حركة حماس، واستجابت الحركة لهم، ففيما يبدو فقد أثروا في حركات الإخوان بالخليج، وعلى سبيل المثال فإن الإخوان لم يتخذوا أي خطوات انفعالية فيما يتعلق بالقبض على ما أسمي خلية الإخوان في الإمارات، وباستثناء زيارة عصام الحداد عقب الأزمة مباشرة وزيارات غير رسمية للشاطر، بدا الإخوان وكأنهم غير معنيين بالمعتقلين، ولم يجعلوها قضية كبرى في علاقتهم بالإمارات، بالتأكيد كانت هناك جهود سرية لإطلاق سراحهم، لكن الأساس أن الإخوان لم يجعلوا من هذه القضية سببا في تدمير علاقاتهم بالخليج. وعلى الرغم من إشارات الرئيس مرسي المتعددة عن “أصابع” تلعب في مصر(في إشارة إلى الإمارات بالأساس)، فإنه لم يتخذ أي إجراءات.

ويؤدي سقوط حكم الإخوان إلى قدر من التوافق بين الإخوان والجماعات السلفية، بما فيها الجهادية الأكثر راديكالية، ومن شأن ذلك إقدام الإخوان على التنازل أمام السلفيين، حتى يضمنوا بقائهم إلى جوارهم، ومن شأن ذلك أن ينتج نسخا هجينا، وربما أكثر تطرفا من الإسلاميين. ومن المرجح أن يزكي ذلك من فكر المؤامرة وسط الفروع الإخوانية والجماعات السلفية، وهو أمر اتضحت بعض ملامحه في كتابات عدد من أنصار التيار الإسلامي في دول الخليج، والذين اعتبر أكثرهم ما حدث في مصر انقلابا عسكريا ومؤامرة على الإسلام السياسي ورفضا لوجود الإسلاميين في الحكم. وعلى مستوى التيارات الليبرالية في الخليج، فإن سقوط حكم الإخوان من المفترض أن يدخلها في مرحلة من التوافق مع أنظمة الخليج لأنها وقفت إلى جانب الثورة الشعبية التي قادها الشباب والليبراليون، بما لذلك من معاني في الداخل إزاء سطوة التيار السلفي المتشدد، وإزاء التيار الليرالي المدني في مصر الذي سوف يعتبر وقوف الخليج إلى جانب الثورة المصرية عونا مهما لنجاح هذه الثورة. ويمكن تصور نشأة تحالفات ليبرالية مصرية خليجية مجتمعية، كما سوف تتراجع انتقادات الليبراليين في مصر لأوضاع حقوق الإنسان في الخليج. وعلى صعيد التيارات الإسلامية، فسوف تبقى لفترة مستنكرة دعم دول المجلس للنظام الجديد ومباركتها خطوة الجيش الذي أسقط وفقا لها المشروع الإسلامي، لكن نجاح تجربة الحكم الجديدة في مصر في إعادتها الأوضاع إلى الاستقرار وإعادة دولاب العمل بالدولة ستفرض نفسها. وما ستخرج به التجربة سيكون له تأثير مهم على دول الخليج.

– العنف والأمن: إذا كان المشهد السابق يشير إلى الاتجاه التوافقي في علاقة مصر بالخليج، فإن المشهد الآخر هو المشهد التصادمي العنيف في مصر، والذي يعني دخولها مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، وعدم تطبيق خريطة المستقبل التي وضعها الجيش بنفس آجالها الزمنية، والاضطرار لتمديد هذه الفترة. فإذا استحكم مشهد العنف في مصر وتردت الأوضاع الأمنية أكثر، فإنه من المحتمل أن يترك آثارا شديدة على منطقة الخليج أيضا، فهناك تداعي من قبل الجماعات السلفية وعلى رأسها القاعدة لسيناريو العنف، وهو ما قد يجدد شباب جماعات القاعدة والسلفية الجهادية في عديد من الدول الخليجية، ولهذه الدول تجربة مريرة مع هذه الجماعات بعد 2001. وإذا استمر وضع القلاقل في مصر سوف تنشأ جماعات تحتية تغذي العنف بالخليج، وتنتقم لموقف دول الخليج من إجهاض “المشروع الإسلامي”. إن استمرار وضع القلق الداخلي في مصر سوف يغذي نزعات الرفض والمقاومة والاحتجاج بالخليج، وسيقوي التيار الإسلامي العنيف، في ظل مربعات عنف لها امتدادات إقليمية، وسوف تتدعم مشاعر المظلومية في الخليج على أثر تعميق الشعور بإجهاض المشروع الإسلامي ودور أنظمة بلدانهم في ذلك. وهو أمر تبرز بعض مؤشراته الآن. وبالمقابل يمكن لذلك أن يعمل على توثيق العلاقات بين الأجهزة الأمنية على الجانبين، ونقل الخبرات والتجارب وزيادة التعاون الاستخباراتي. ويرجح ذلك احتمال مرور منطقة الخليج ومصر وباقي المنطقة العربية بفترة جديدة من الصراع الداخلي، وبداية اتخاذ خطوات ضد الجماعات والجمعيات والمنظمات الخيرية بالخليج، في فترة شبيهة بفترة ما بعد 11 سبتمبر.

– الشيعة بالداخل الخليجي: تراوح شيعة دول الخليج العربية بين موقفين: الأول أن عداء أنظمة دول الخليج لحكم الإخوان يؤدي إلى تقارب طبيعي بين الشيعة والإخوان، وأن سياسات نظام الإخوان نحو التقارب مع إيران واقتراب موقف الرئيس مرسي من الموقف الإيراني بشأن الأزمة في سورية يؤدي إلى مزيد من تقريب الشيعة من الإخوان، كما أن مقارنة الشيعة بين موقف الإخوان وموقف السلفيين في مصر المعادين تماما لما يطلقون عليه الرافضة (يقصدون الشيعة)، هو أمر يصب أيضا في مصلحة تقارب شيعة الخليج مع الإخوان. لكن الموقف الثاني هو أن الإخوان طبقا للشيعة هم فصيل من الفصائل السنية المتشددة، وهم يستبطنون عداء للشيعه كباقي الفصائل السنية، وربما لم يأخذ د. محمد مرسي ذلك في اعتباره خلال زيارته للسعودية وتأثير تصريحه السلبي على شيعة الخليج. وبشكل عام فقد اطاحت وقائع الأيام الأخيرة لحكم الرئيس مرسي بكل ما حققه مع الشيعة طوال العام، حيث تراجعت السياحة الإيرانية واتخذت قرارات بوقف الرحلات البينية، وانقلب الرئيس على موقفه معلنا تأييده الجهاد في سورية وعدائه لحزب الله وحسن نصرالله، وأخيرا جاء حادث اغتيال الشيعة المصريين الأربعة على وقع الخطابات الدينية في ظل وجود الرئيس في مؤتمر نصرة سورية لتقضي على كل تقارب للإخوان مع الشيعة في الخليج.

. ثالثاً: مستقبل العلاقات المصرية الخليجية.. فرص جديدة:

يتضح مما سبق أن خطوة الجيش والثورة المصرية الثانية في 30 يونيو أديتا إلى ترابط جيوبوليتيكي كبير بين الخليج ومصر، فالتطورات في مصر ستكون ذات صدى وتأثير هائل في مستقبل الخليج، وهو ما يجعل نجاح مصر المدنية نجاحا للخليج وفشلها بالغ التأثير في مستقبله. وسيكون الائتلاف الإقليمي الجديد هو بين الخليج والتيار المدني في مصر (بكل أطيافه الليبرالي واليساري واليميني والناصري). وهناك ما يشبه تشابك واشتباك في المسرح الاستراتيجي بين مصر والخليج.

ويتضح أن الوضع الداخلي في مصر سيكون هو العامل الحاسم في مستقبل علاقات مصر بدول الخليج، وهو ما يشير إلى أكبر تغيير في معادلة العلاقات بين الجانبين، مع ترجيح دور العامل الداخلي لأحد أطراف المعادلة في تحديد طبيعة العلاقات. لقد أصبحت دول الخليج طرفا رئيسيا في الشأن الداخلي المصري بعد إقدامها علانية على مساندة قرار المؤسسة العسكرية ودعمها النظام الجديد بعد 30 يونيو، ولا فرق في ذلك الآن بين دعم الإمارات والسعودية والكويت للثورة الجديدة، ودعم قطر لثورة 25 يناير ولحكم الإخوان. وهكذا أدى حكم الإخوان إلى أن يكرس وضعية الأمن القومي المصري كجزء من معادلات الأمن الخليجي، ودخول الوضع الداخلي في مصر ضمن معادلات أمن الخليج.

وعلى خلاف فترة الإخوان التي هددت بإقامة علاقة شراكة بالولايات المتحدة، تنافس المكانة الخاصة لدول الخليج وتمثل قلب التحالف الأمريكي الجديد في المنطقة، فإن سقوط حكم الإخوان يؤسس لبروز تحالف إقليمي بين مصر والخليج بمعزل عن القوة الأمريكية، ويوازن تراجع الثقة في التحالف الأمريكي مع دول الخليج والتحالف الأمريكي مع مصر، ومن شأن ذلك تجسير الثقة بين مصر ودول الخليج بعد سنوات من الشكوك (في الستينيات) لم تنهها عقود من إجراءات بناء الثقة (في الثمانينيات والتسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة)، ويقوم التحالف المصري الخليجي الجديد على أسس من الثقة التي تؤكدها تجربة الإخوان التي “أعادت الاكتشاف الاستراتيجي” بين الخليج ومصر. فلقد طرحت الثورات شكوكا حادة لدى الخليجيين إزاء الحليف الأمريكي، حينما فوجئوا بمواقفه المؤيدة للتغيير ولم يتردد في تأييد الإطاحة بحليفه حسني مبارك. وهذه التجربة صدمت الخليج في الولايات المتحدة، ولم يرغب الخليجيون في الوقوف كثيرا عند ذلك والمعاتبة الواسعة للحليف الأمريكي، لكنهم استوعبوا الدرس جيدا، وعملوا على التصدي له بأسلوبهم الخاص، وفقد وقفوا ما يقرب من ثلاث سنوات في حالة فتور إزاء النظام الجديد في مصر رغم دعم الأمريكان له. ولم يترددوا في تقديم الدعم بعد 30 يونيو رغم التردد الأمريكي، ويمكن القول أن موقف دول الخليج في تقديم الدعم لمصر كان أكثر ما ضغط على الأمريكيين في تعديل سياستهم بشأن مصر بعد 30 يونيو وهو ما دفعهم إلى إقرار استمرار تدفق المعونة، حينما أدركوا ضآلة القيمة المادية للمساعدة التي يقدمونها قبالة ما تسلمته مصر من دعم خليجي.

الأمر نفسه فيما يتعلق بمصر بعد 30 يونيو، فقد كان الموقف الأمريكي من الأحداث في البداية أميل إلى موقف الإخوان، وتكشف وقائع المحادثات بين قيادات الإخوان والسفيرة الأمريكية عن انخراط واضح من الإدارة في الشؤون الداخلية لمصر بشكل كبير، يشير إلى تجاوز حدود التعامل بين الدول. وقد عبر عن ازدياد السخط على الولايات المتحدة كم الشعارات والهتافات ضدها في الميادين واللافتات الكبيرة في ميدان التحرير التي وجهت إهانات للرئيس أوباما وللسفيرة آن باترسون. ولم يكن ما أعلن عنه مؤخرا من بدء حملة شعبية تهدف إلى جمع توقيعات من المواطنين، لتفويض الرئيس عدلى منصور بإصدار قرار جمهوري بتأميم الشركات الأمريكية بمصر لتصبح شركات مساهمة مصرية وتجميد أموالها إلا مؤشرا على ذلك. وعلى الرغم من أنه من الأرجح ألا يتخذ قرار من هذا القبيل بغض النظر عن التوقيعات، إلا أن ذلك يشير إلى تزايد حجم الشكوك التي أحاطت بالموقف الأمريكي في مصر في الأشهر الأخيرة.

هكذا تقف العلاقات المصرية الخليجية أمام فرصة جديدة لبناء تحالف من نوع جديد، لا تدفع إليها الرغبات فقط، وإنما المصالح والظروف المهيئة، والتي تقوم على أرضية مشتركة من ضعف الثقة بالحليف الأمريكي، ولا تزال لكل من الخليج ومصر علاقاته وحاجاته للولايات المتحدة، لكن الاستياء منها بلغ القدر الذي يدفع إلى ضرورة بناء علاقات بينية في بعض النواحي للتعويض عن تراجع الروابط الخاصة لكل منهما معها. ويقوم الائتلاف المصري الخليجي الجديد في المنطقة على مناهضة اتجاه العنف المحتمل من جانب الإخوان ومناهضة الموقف الأمريكي، وهي فرصة لمصر والخليج معا. ويظل الخيار المفضل لدول الخليج في مصر عودة الدولة الوطنية المحكومة بقبضة من سلطة قوية تضبط تفاعلات الداخل حتى لا تؤثر على الإقليم المجاور. ولكن لإدراك أن هذا الوضع يصعب تحققه، فإن من المرجح أن تعمل دول الخليج على تأييد بديل واقعي. بالتأكيد لن تنظر دول الخليج بعين الارتياح إلى العنف وتدهور الأوضاع في مصر، خصوصا لما يمثله استقرارها من قيمة أساسية للخليج -وفي ضوء الإدراك الخليجي الجديد للحليف الأمريكي-، ولكن عدم الاستقرار في مصر هو أمر وفقا للرؤية الخليجية يكرس معاني سلبية الثورات في المنطقة العربية، وهو أمر يصب في مصلحة أنظمة الخليج.

وإزاء هذا الوضع الإشكالي لدول الخليج في مصر، من المرجح أن تعمل هذه الدول على إستراتيجية من أربعة أركان على النحو التالي:

أولا: التأكد من عدم تكرار تجربة حكم الإخوان: كان حكم الإخوان لمصر بمثابة كابوس لدول الخليج، لذلك ظلت على مدى العام الماضي تدير علاقاتها مع مصر بمنطق أقل الخسائر والاحتفاظ بالأصول؛ فلم تصرح بامتعاضها من حكم الجماعة، وتحاشت أي تصريح يفيد بذلك. وعلى الرغم من الاشتباكات والإساءات اللفظية بين قائد عام شرطة دبي وبعض قادة الإخوان، فإن أحدا من دوائر الحكم والسياسة في الإمارات لم يتورط في أي تصريح ضد مصر أو حتى ضد المسئولين من الإخوان. وعلى النهج نفسه أيضا سارت المملكة السعودية فلا نجد أي تصريح من أي مسئول بها يحمل أي إساءة لمصر على مدى العام الفائت، وقد بدا البلدان كأنهما تركا مصر إلى تفاعلاتها الخاصة، وهو موقف اتسم بأعلى قدر من الحكمة. ولكن من خلال التصريحات السعودية والإماراتية بعد 30 يونيو يمكن اكتشاف مدى الإحساس بإزاحة ثقل كبير جثم على صدر الخليج خلال هذه السنة. ولم يشأ كل من الملك عبد الله بن عبد العزيز أو الشيخ خليفة بن زايد أن يخفيا ذلك، فكانا صريحين في رسالتيهما لتهنئة الرئيس عدلي منصور، واللتان كانتا في اليوم التالي لعزل مرسي مباشرة، فاعتبر الملك عبد الله أن: “رجال القوات المسلحة أخرجوا مصر من نفق يعلم الله أبعاده وتداعياته”. أما الشيخ خليفة فأكد متابعته: “بكل تقدير وارتياح الإجماع الوطني الذي تشهده بلادكم الشقيقة والذي كان له الأثر البارز في خروج مصر من الأزمة”.

وسوف تتحسب دول المجلس جيدا لمسار مصر الجديد، ومساحة الإخوان في معادلة الحكم الجديدة، ورؤية الدولة في معالجتها لمشكلة الإخوان، بالتأكيد لا تفضل دول الخليج مسار العنف، ولكن مواجهة الدولة المصرية مع الإخوان الآن أفضل لهم من رؤية تكرار تجربة الإخوان ثانية. فمن شأن تكرار التجربة أن تسفر عن علاقات يسودها العداء الفعلي، فبالنسبة للإخوان فإنهم لن ينسوا دور دول المجلس في إجهاض حكمهم، وفي أنها كانت أول من اعترف بوضع الحكم الجديد الذي أطاح بهم من السلطة. ومن ثم فإن عودة الإخوان معناها الدخول في حقبة من الصراع المفتوح والمعلن بعدما كان صراعا مبطنا ومتسترا بالأقنعة.

ثانيا: وجود المؤسسة العسكرية في القرار المصري: كان حضور الجيش في السياسة أحد أهم ركائز استقرار الدولة المصرية رغم الهزات العنيفة منذ ثورة 25 يناير، ويمثل الوجود القوي للجيش في المعادلة السياسية أحد البواعث على طمأنة دول الخليج بخصوص مصر، فما عليه رجال المؤسسة العسكرية من استقامة وانضباط هو أمر يجعل هذه المؤسسة محل ثقة خليجية في ظل واقع مصري مضطرب، وهو أمر لم يعتد صانع القرار الخليجي على التعامل معه، حيث اعتاد التعامل مع صانع قرار مركزي وحيد في مصر. كما أن موقف المؤسسة المنضبط في التعامل مع الرئيس مبارك، وخلال فترة حكم مرسي، هو أحد الأمور التي عززت مكانة المؤسسة العسكرية المصرية وسمعتها كمؤسسة وطنية احترافية.

وفي هذا السياق، سوف تظل دول الخليج تفضل ضمان بقاء الجيش في المعادلة على الأقل إلى أن تستقر صيغة الحكم المدني في مصر، وإلى أن تستقر الأوضاع السياسية على نحو يضبط إيقاع التفاعلات الداخلية، ويحول دون تأثيرها في الإقليم المجاور. ويرتبط بذلك أنه لفترة مقبلة ستظل إدارة العلاقات المصرية الخليجية بالأساس من اختصاص جهات الأمن القومي المصرية بالأساس. وسوف تظل دول المجلس تسعى للاطمئنان من أن ما تضخه من أموال في مصر يمر عبر قنوات موثوق بها ويحقق الأهداف. لقد كان مصدر الخوف الأساسي في الخليج من اندماج الحكم الإسلامي بالمؤسسة العسكرية، وتبديل نهجها الاحترافي بنهج يخدم أيديولوجيا إسلامية، مع تغيير عقيدة الجيش الخاصة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. كان الخوف الخليجي من توافق الأيديولوجية الدينية مع العقيدة العسكرية ليؤلفا تشكيلة أخطار جديدة. وهو خطر كان من الممكن حدوثه في حالة تولي الإخوان الحكم وتمكنهم من اختراق المؤسسة وصبغ العقيدة العسكرية للمؤسسة بال أيديولوجيا الإسلامية.

ثالثا: تقليص حجم التيار الليبرالي في معادلة الحكم الجديدة: أو على الأقل تقليص قدرة هذا التيار على التواصل مع الوضع الداخلي بالخليج. فعلى الرغم من أن القوى المدنية والليبرالية ليست بخطورة الإخوان المسلمين على دول الخليج، إلا أن هذه القوى ليست خالية من الأخطار والتهديدات تماما. إن علاقة دول الخليج بالتيار المدني في مصر لم تختبر، على خلاف التيار الإسلامي متمثلا في الإخوان أو القومي متمثلا في عبد الناصر، فالتيار الليبرالي هو الوحيد الذي لم يحكم في مصر منذ ثورة 23 يوليو. وذلك يجعل علاقته بالخليج محاطة بقدر من الغموض، هناك قدر من التوافق وعناصر التشابه بين الخليج والتيار الليبرالي في مصر؛ فدول الخليج قائمة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية على أسس منفتحة وليبرالية إلى حد كبير، ويجمعها بالتيار الليبرالي علاقاتها الوثيقة مع الغرب والولايات المتحدة والتوجه الرأسمالي، كما أن ضعف التيار الليبرالي وضعف قواه التنظيمية، ووجود العديد من العثرات أمامه من جانب التيارين القومي والإسلامي، يقلص من قدرته على طرح أخطار أو تهديدات على الخليج. وبحكم طبيعة الجيوش وعقيدتها فإنه من المفترض أن لا يؤدي تولي التيار الليبرالي إلى تهديد دول الخليج، لأنه يؤمن بالوضعية الاحترافية للمؤسسة العسكرية والقناعات الخاصة بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، كما أنه يؤمن بقدسية الأوطان والحدود. ولكن يبقى أنه من شأن تولي التيار الليبرالي الحكم في مصر أن يطرح خطرين أساسيين، هما: الأوضاع الخاصة بحقوق الإنسان في دول الخليج وربما رفع مطالبات إقليمية بها، وثانيا بناء دولة نموذج للديمقراطية الإقليمية ترفع من سقف المطالب الداخلية بالخليج. ولكن يحجم من ذلك طبيعة الوضع الداخلي في مصر، وطبيعة التوليفات والتركيبات المدنية التي لن تجعل التيار الليبرالي في مكانة مماثلة لوضعية الإخوان. كما أن وجود التيار القومي في المعادلة يوازن الكفة مع الليبراليين، وعلى أثر سقوط حكم الإخوان تقارب التيار القومي مع الخليج سواء فيما يتعلق بتقديره التاريخي لدور المؤسسة العسكرية أو فيما يتعلق بتجربة حكم الإخوان. فقد أدى فشل تجربة الإخوان وتهديدها للخليج إلى التقريب بين القوميين ودول مجلس التعاون الخليجي.

رابعاً: توليفة حكم مدني/ ديني/ عسكري: على الرغم من وجود تفضيلات خليجية بين الحالات الثلاث السابقة، وإذا كانت عودة الدولة السلطوية المركزية بالنسخة السابقة صعبة، وإذا كانت عودة حكم الإخوان غير مرغوبة أو ممكنة، وإذا كان الحكم العسكري الصارخ لن يحظى بالرضا في مصر الجديدة، وإذا كان الحكم الليبرالي المطلق غير محتمل، فإن التطور على أرض الواقع في مصر يجعل الأكثر تفضيلا لدول الخليج، هو توليفة نموذج للحكم تجمع بين الطيف المدني، والطيف الديني، والطيف العسكري، على أن تكون رأس الحربة فيها العسكر، أو على الأقل تكون علاقات دول الخليج في سياقها بمصر مضمونة بإطار يضمنه الجيش.

وفي كل الأحوال سوف تظل دول الخليج لفترة تتعامل مع مصر بقدر من الترقب؛ فهي لن ترمي بثقلها خلف أي نظام، أو تثق في نظام، لا ترضى عنه المؤسسة العسكرية.

المصدر :-.    د. معتز سلامة مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية