بمناسبة إفتتاح مشروع العبدلي

2014 06 09
2014 06 09
134بقلم  . د. مراد الكلالدة عمّان مدينة قديمة، ولها طابع خاص تشكل من الواجهات الحجرية لمبانيها، ولكنها قادره على إستيعاب مشروع يعطيها طابعاَ عصريا مثل مشروع العبدلي … هذا جزء مما صرّحت به لقناة فرانس 24 بالأمس، وستذاع المقابلة مساء اليوم الاثنين في التاسعه مساءً، فلكم القيل والقال بمناسبة هذا الحدث المهم.

علينا أن نقر بأن الدولة الأردنية حديثة النشأة بالمقارنة مع جاراتها من الدول التي شهدت تواتراً في أنظمة الحكم في نفس البقعة المكانية مثل مصر والمغرب وسورية والعراق والجزيرة العربية. ولا يخفى على أحد بأن المملكة الأردنية الهاشمية هي نظام جيوسياسي، بمعنى أنها تكونت نتيجة لتوافقات بين الدول الكبرى، ولكن ما يهمنا هنا هو ما انجزته هذه الدولة الفتية في المجال العمراني خلال فترة قصيرة من الزمن.

عمّان، وهي المدينة التي إختارها الملك المؤسس عبد الله الأول عاصمة للملكة توسعت إنطلاقاً من وسط البلد المحيط بالقلعة والمدرج الروماني الذي يعود تاريخ إنشاءه الى قرابة الفي عام وذلك إكراماً للإمبراطور مادريانوس الذي زارها سنة 130 ميلاديه.

إن هذا الإختيار هو قرار إستراتيجي حكيم، على الرغم من التحدي الكبير الذي فرضه على المخططين من حيث الطبيعة الجبلية للمدينة، فالقلعة تتربع على جبل، والمدرج مسنود بسفح جبل الجوفة، وذلك بسبب الأهمية التاريخية لكلا الموقعين اللذين تخللهما نهر مياه (السيل) فهل هناك من إختيار أفضل في ظل محدودية البدائل، لا أظن ذلك.

لقد توسعت المدينة بتسارع مَهول في ظل محدودية الإمكانات المالية، فإنتشرت المساكن على الجبال المجاورة، غرباً بإتجاه جبل الحسين واللويبدة وجبل عمان وشرقا بإتجاه جبل القصور والجوفة والتاج والنظيف (وهذه هي جبال عمّان السبعة) ومن ثم أخذ العمران بالإنتشار الأفقي وفي جميع الإتجاهات كما نراه حاليا، فتداخل النسيج الحضري Urban Fabric لعمان مع الرصيفة والزرقاء شرقاً، ومع صويلح والسلط وماحص والفحيص غرباً، فأين عمّان وأين وسطها التجاري Commercial Center بعد هذا التوسع.

لقد نجحت الإدارات المتعاقبة لأمانة عمان في التقليل من التباين العمراني الذي يشكل إنعاكساً لواقع إجتماعي طبقي في جميع دول العالم فما زال هناك الغني والفقير، لا بل أن الفجوة بينهما تتسع مع دخول الرأسمالية مراحلها المتقدمة بحيث اصبح 1% من الأثرياء يملكون 40% من الأصول العالمية، ونحن في الأردن لسنا بمنأى عن ذلك، إن لم نكن نحتفظ بالنسخة المشوهة من الرأسمالية الإقتصادية. هذا النجاح تمثل في الحد من الإستقطاب الحضري Urban Polarization وكان لإختيار موقع مباني الأمانة برأس العين الأثر الكبير في خلق التواصل الحضري بين شرق عمّان وغربها، كما أن إيجاد أقطاب نمو في الجنوب منها (مطار الملكة علياء) وبعض الجامعات في الشمال، قد ساعد في الإنتشار المنتظم للتحضر Urbanization فهل فقدت عمّان وسطها مع هذا الإنتشار.

إن التفكير بإعادة النشاط التجاري لعمان الى وسطها هو تفكير تخطيطي سليم، فالمدن تنشأ لحاجة إقتصادية، وإن تسابق الناس للحصول على مَوطي قدم فيها هو تنافس إقتصادي بالأساس واليكم المثال التالي من خارج المفهوم التقليدي للتنافس التجاري المعروف.

يتوزع عدد من الفنانين على مجموعة من المدن بالتساوي فإذا صدف تدفق  influx  فنانين على واحدة من هذه المدن فستتحسن بيئتها الفنية لأن الفنانين سيتعرضون لمزيد من الأفكار واساليب الإنتاج، كذلك يمكنهم التشارك في المحترفات Studios ومحلات الطباعة والقرطاسية. وهذا الصف من الفنانين سيستقطب آخرين من المناطق الأخرى مشكلين تجمع للإنتاج الفني في المدينة Concentration of artistic production وإذا ما طبقنا هذا المفهوم على سائر المهن، فإننا سنرى أن تجار السيارات مثلاً يحبون ان يتجمعوا في شارع واحد، على الرغم انهم متنافسين فيما بينهم، وكذلك الوضع في سوق الذهب والخضار، وقد تطرق علم الإقتصاد الحضري لذلك وعرّف موضوعه بالتقاطع بين الجغرافيا والإقتصاد.

إن فكرة خلق وسط تجاري في عمان تعود للملك عبد الله الثاني، ولا أذكر ذلك تملقاً لست بحاجة له، ولكن إنصافاً لحاله حضرية ستكون أمام الإختبار في السنوات القادمة، وهذا موضوع تنفيذي لطالما ابتعد عنه جلالة المغفور له الملك الحسين إبن طلال الذي أناط الأمور التنفيذية بالحكومات، وتفرغ ليكون حكماً بين السلطات الثلاث. أما وقد عُرف عن جلالة الملك عبد الله الثاني رغبته في تنفيذ المشاريع التنموية مثل منطقة العقبة الإقتصادية الخاصة، أو مشروع كادبي، ومشروع الكلية العسكرية في برقش، أو مشروع العبدلي موضوع مقالتنا هذه، فإن جلالته يضع أفكاره أمام إحتمالية الفشل أو النجاح، وهذا تحدي كبير لطالما حاول الزعماء الإبتعاد عنه، لوجود إحتمالية الفشل التي قد تواجه أي مشروع إقتصادي وخاصة في منطقة مصنّفة ذات خطورة إستثمارية عالية.

لقد قامت فكرة المشروع على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص بإستغلال الأراضي التي كانت تشغلها القيادة العامة للقوات المسلحة والأمن العام ومساحتها 350 دونم في منطقة تلاقي جبل الحسين واللويبدة وجبل عمان والشميساني، وهي بالفعل وسط عمّان، لتكون أحد المناطق الثلاث المخصصة للمباني العالية وفقا لمخطط عمّان الشمولي.

والحق يقال أنه لم يكن بالإمكان إستقطاب مستثمرين عالمين يقومون بضخ مئات الملايين، إن لم يكن هناك مغريات تشدهم إلى ذلك، فقد كان الموقع بمثابة قطعة السكر الذي تتسابق عليه الشهوات، وقد نجحت الدولة بالموازنة بين تحقيق النشوة للمستثمرين، وبين الحفاظ على ملكية الأراضي والدخول كشريك وفق لإتفاقيات يمكن وصفها بالعادلة في ظل المعطيات الإقتصادية المعقدة.

وبالطبع، فإن المطور Developer قد درس المساحة المتاحة، وحاول ان يستغل كل متر فيها ولجأ الى إستغلال الإمتياز المعطى لها بالتوسع العامودي لتأمين أكبر مساحات إشغال ممكنه، وعمل على تنويعها بين المكاتب والشقق والمتاجر وتوّجها بالمعلم الكبير (فندق روتانا) الذي سيعطي عمّان بصمة جديدة وربما تصبح عمّان رهينة لضخامة هذا العمل مشكلاً هويتها Identity التي لم نعتد عليها، فهل فقدت عمّان هويتها بوسطها التجاري الجديد.

وللإجابة على هذا السؤال الهام، يجب ربط العمارة بالناس سواء كانوا مستخدِمين للإشغالات المعروضة أم متأثرين بوجودها كتشكيل حضري على الأرض، أو مراقبين لهيبتها التي فرضتها فخامة المباني وجودة التشطيبات والفراغات المنظمة المحيطة بها.

إن المشروع سيفرض حضورة في المملكة، وسيعيد تشكيل الوسط التجاري لعمّان على حساب المناطق التجارية الأخرى، بما يزيد من التحديات في مجال البنية التحتية التي تشهدها العاصمة، ومن اهمها شبكة الطرق المحيطة الغير مُعدّه من حيث الأبعاد والتشكيل لمثل هذا النوع من المشاريع.

أما وقد أصبح المشروع حقيقة جاثمة على الأرض، وعنانها في السماء، فما لنا نحن المواطنين الا ان نرحب بالمشروع، آملين أن يحقق الهدف المرجو منه بالنسبة للدولة الأردنية، وهي أن يصبح العبدلي مركز مالي وإقتصادي مهم في المنطقة بما ينعكس على الأفراد وعوائلهم من زيادة في الوظائف وإرتفاع في الدخل ليقلص الفروقات الطبقية بين الناس، حتى يتسنى للأردنيين التسوق في الوسط التجاري الجديد لعمّان وليس مجرد النظر اليه بحسره وغضب.

133