بين المولد والميلاد

2015 12 25
2015 12 25

Jameel-Al-Nimriتزامن العيدين (اليوم عيد الميلاد المجيد، وأول من أمس كان عيد المولد النبوي الشريف)، وفّر مناسبة لكل الكلام الطيب عن القيم المشتركة والعيش المشترك.

وإلى جانب الخطاب الرسمي الاحتفالي، ازدحمت مواقع التواصل الاجتماعي بالمعاني نفسها. واختار البعض السخرية اللاذعة من التكفيريين وإغاظتهم، بتوجيه التهاني الحارة للمسيحيين، رداً على أصحاب الفتاوى المعروفة بتحريم تهنئة المسيحيين بأعيادهم.

أحيانا، أخشى أن الخطاب الرسمي وشبه الرسمي، وخطب المناسبات التي تردد الكلام نفسه عن النموذج الأردني التاريخي والمستمر في العيش المشترك، ونهج الوسطية والاعتدال، وقيم المحبة والرحمة والتسامح، وأسس المواطنة المتساوية كما يقررها الدستور، وامتداد ذلك من الإنشاء الذي تعاظم التركيز عليه في الأزمنة الأخيرة؛ أخشى أنه مع كثرة الترداد يعود أقل إقناعا وفعالية مثل كل خطاب رسمي في أي مجال.

وأحيانا، يبدو الخطاب ضد التطرف والإقصاء، والدعوة للاعتدال والتسامح وقبول الآخر، والتأكيد على خيار الدولة المدنية القائمة على المواطنة المتساوية بغض النظر عن الدين أو الجنس أو المنابت والأصول، مرتبطا ويقوم على اعتبار وجود مواطنين من دين آخر (المسيحيين) بغض النظر عن نسبتهم العددية. وأنا لا أرى أن هذا الاعتبار هو الأساس، فلو كان المجتمع كله على نفس الدين، بل والمذهب نفسه؛ أي مسلما سنّيا خالصا ليس فيه فرد واحد من دين أو مذهب مختلف، فإننا نحتاج إلى مفهوم عصري معتدل للدين، ونحتاج إلى فصله عن السياسة والصراع على السلطة، كما هي الحال في كل مكان آخر ومع أي دين آخر، فمن يدفع ثمن التطرف الديني والمشروع السياسي للدولة الدينية هم عموم المواطنين.

وغالبا، فإن المسلمين في عصر غلبت عليه العودة الكاسحة إلى التدين، أو ما يطلق عليه “الصحوة”، يميلون إلى الأخذ بالفكرة السلفية-الإخوانية التاريخية “الإسلام دين ودولة”، والتي قامت على تعبئة فعالة مديدة، انتهى ليشارك بها كل الشيوخ ورجال الدعوة وأساتذة الدين والمناهج، وليس الإسلام السياسي وحده، وتقوم على فرضية وجود نموذج مثالي للدولة وجد في العصور الأولى للإسلام، ودولة الإسلام هذه هي الحل، وهي ما ينبغي العودة إليه. وعندما يكون قد تم تعبئة أجيال كاملة على هذه الفكرة الوهمية، يضع الناس كل أشواقهم للانعتاق والعدالة والصلاح والكرامة والعزّة لهويتهم الثقافية، وراء هذه الفكرة. وعندما ينبري البعض يريد استعجالها باستخدام أقصى ما يمكن من القوّة والعنف والتضحية، سيجد تعاطفا أكيدا يغرف من القاعدة الأساسية الواسعة للتدين السلفي. ويمكن لهؤلاء أن يفكروا بالطريقة التالية: لماذا نحرم أنفسنا من هذا الخيار من أجل أقلية محدودة جدا يضمن الإسلام، على كل حال، أمنها وسلامتها؟!

وهذا ما يجب أن يتضح، ليس من أجل أي فئة أخرى؛ بل من أجل الأغلبية نفسها يجب الاقتناع بمفهوم الدولة المدنية المعاصرة، وأن الفئات المتطرفة لا تحمل أي مشروع سوى استعباد الناس باسم الدين، وإقامة أكثر الأنظمة قسوة واستبدادا ودموية (وفي النهاية بالطبع، فشلا). والله لم يعجز عن أن يصنع بهذه الأرض ما يشاء من دون فزعتهم الدموية: “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ” (هود، الآية 118)؛ “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ” (يونس، الآية 99)؛ “… فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ” (الرعد، الآية 40).

جميل النمري الغد