تداعيات الازمة السورية على الاردن
تحليل د. سهام حلوة

2013 06 17
2013 06 17

WP_20130616_020لقد تناولت في هذه الورقة بُعدا قلَّ تناوله من قبل الباحثين والمراقبين رغم أهميته وتأثيره الكبير على الساحة الأردنية.

فالانعكاسات السياسية للأزمة السورية على الإقليم بشكل عام وعلى الأردن بشكل خاص تطرق لها الكثير من الباحثين، بغض النظر عن التناقضات والاصطفافات والفرز التصنيفي لكل القوى الفاعلة في المنطقة، وقد أُشبعت هذه الأزمة دراسة وتحليلاً بكليتها وبشكل يجعل أي إضافة عليها عبارة عن مراكمة لموقف قديم.

من هذا المنطلق تطرقت إلى موضوع التأثيرات الاجتماعية والإنسانية لهذه الأزمة على الهيكل التكويني الديموغرافي للأردن، كدولة وحاضنة رئيسية للإرتدادات الإنسانية في هذه الأزمة الإقليمية.

من هذه المرتكزات سنتناول التأثيرات التفاعلية البينية بين الجالية السورية اللاجئة، والمجتمعات المحلية الأردنية في أماكن تواجدها الجغرافي، وفي تأثيراتها على مجمل المجتمع الأردني. فقد أدى اللجوء المفاجئ والكثيف والتدفق الغير منظم إلى إرباك وصدمة في آن واحد للمجتمعات المستقبلة لهذا التدفق، مما انعكس بشكل مباشر وغيَّر من النمط والسلوك التقليدي لهذه المجتمعات. المقصود هنا المجتمعات المحلية التي لم تكن قد استعدت سيكولوجياً لاحتواء هذا التدفق، خصوصاً أنها لم تكد تلتقط أنفاسها من تدفقات اللجوء السابقة خصوصاً الأزمة العراقية. فارتبكت ولم تستطيع تنظيم ذاتها بشروطها الذاتية فخضعت لفوضى الاستقبال وانتهجت بعض الأسر أنماطاً محددة من أشكال الدفاع الذاتي عن مستقراتها السلوكية أي التقوقع والانعزال التام عن الأزمة (الارتداد إلى الداخل)، وأخرى اندمجت دونما تحصين مع عملية الاندماج.

المؤثرات الرئيسية التي أثرت على الاستعداد النفسي والسيكولوجي في المجتمعات المحلية الأردنية بحيث أصبحت تشكل معضلة حقيقية:

أولاً: إن مجموع المساعدات التي كانت تقدمها الجمعيات الخيرية، المحلية منها والإقليمية والمتخصصة والدولية تأثرت تأثراً مباشراً بوجود اللجوء السوري مما انعكس بشكل مباشر على نسبة  المساعدات التي كانت تقدم للاسر الأردنية الفقيرة، ولتدارك ذلك الوضع فقد اشترطت الحكومة الأردنية بالاتفاق مع المؤسسات الخيرية الدولية تخصيص 20% من حجم المساعدات الخاصة باللاجئين السوريين للأسر الأردنية الفقيرة ورغم هذا الإجراء فقد بقيت المساعدات المقدمة للأسر الأردنية في تقلص وتراجع، هذا الجانب وضع الشريحة الأكثر تعاطفاً مع اللاجئين السوريين وهم الفقراء بمواجهة مباشرة مع اللاجئين السوريين مما رفع مستوى الحساسية والتوجس بدرجة تصل لحد الرفض للجوء السوري الذي ينعكس بتبعياته على مصالحها المباشرة، فإذا ما نظرنا للصورة بدقة نجد أن التعاطف والتسامح وكرم الضيافة التي راكمتها العادات والتقاليد والدين والحسّ القومي على مرّ السنين قد تعرضت لانتكاسة مفاجئة وفي فترة زمنية قياسية، ولنا أن نتخيل مدى التغيير الذي حصل على مفهوم الوعي الجمعي لشريحة واسعة من المجتمع الأردني والذي هو على تماس مباشر مع موجات اللجوء (إذا ما وضعنا في الاعتبار أن 48% من الطبقة الوسطى في الأردن تتجه نحو خط الفقر).

ثانياً : إن موجات اللجوء السوري وخصوصاً في الشمال وبتخصيص اكثر محافظة المفرق تأثرت تأثر مباشراً بهذه الموجات وآثارها السلبية على المجتمع المحلي وخاصة على سوق العمل فقد حلت العمالة السورية الوافدة الغير منظمة محل العمالة الأردنية بشكل عام وخصوصاً في منطقة المفرق التي احتوت مراكز الإيواء الدولية (مخيم الزعتري) مما أضاف عبئاً سيكلوجياً جديداً على الأسر الأردنية التي فقد ابنائها وظائفهم لصالح العمالة لسورية الماهرة والرخيصة جداً والملتزمة ودمثة التعامل.

هذا فيما يخص التأثير في المجتمعات المستضيفة للاجئين السوريين ولكن هذا البُعد  لم ينحصر في المجتمعات المحلية المضيفة وإنما توسع على مستوى الوطن كله، كما انعكس بآثاره السلبية على فرص تشغيل الأردنيين والتي هي ضئيلة أصلاً، وكانت متأثرة قبل الازمة السورية بمشكلة العمالة الوافدة (المصرية مثلاً) مع أنها كانت مؤطرة بقانون ينظم عملها، رغم ذلك لم تكن الحكومة الأردنية قادرة على الإحاطة بمجمل مشاكلها، فما بالكم حين يضاف لهذه المشاكل توافد عمالة ماهرة ورخيصة دون قانون ناظم لتشغيلها لحفظ حقوق أبناء الوطن.

هنا أيضاً تمدد وتوسع مستوى الاستياء الشعبي والمجتمعي من هذه العمالة والذي يحتم على الحكومة اتخاذ إجراءات سريعة لتنيظم وجود هذه العمالة وآليات تشغيلها، وتوجيهها نحو القطاعات التي لا لا ترغب بها العمالة الأردنية أصلاً مثل قطاع الزراعة ورعي الأغنام واستصلاح الأراضي.

ولو نظرنا إلى إحصاء بسيط فقد فقد الأردنيون 38 ألف فرصة عمل خلال عام 2012 و 27 مليون دينار عمل لم يتم تحصيلها، وضياع الدخل لبعض الاسر الأردنية المتكسبة من العلاقات التجارية مع سوريا وتحولها نحو دعم اللاجئين السوريين. ومن جانب آخر فقد استفاد السوريون من الدعم الحكومي على المواد المدعومة من الدولة، وهذا شكل ضغطاً إضافياً على موارد الدولة المالية وانعكس بدوره على الأسر الأردنية التي تستفيد من هذا الدعم بشكل غير مباشر أي أن الحكومة بدأت بالبحث عن مصادر تمويل جديدة وكالعادة كان جيب المواطن الأردني هو الحلقة الاضعف (رفع أسعار المشتقات النفطية والكهرباء مؤخراً).

نظام التكفيل

لم يتوقف الكثير من الباحثين عند مسألة هامة وهي نظام الكفيل والذي اقرته الحكومة الأردنية. والذي سمح بإدخال جماعات من اللاجئين السوريين للمدن الأردنية سواء لصلة القربى أو لأهداف إنسانية وقد كانت المبررات المعلنة للحكومة الأردنية هو التخفيف من أعباء اللجوء السوري الاقتصادي.على مؤسسات الدولة والجمعيات الأردنية المتخصصة ، والجانب الآخر من التبريرات هو التمازج الديموغرافي بين الجنوب السوري والشمال الأردني، أما الجانب الحقيقي فهو منظومة العادات والتقاليد (بصد المستجير واغلاق الباب دونه ) إن هذه المعالجة من الحكومة لهذه الازمة دون الأخذ بعين الاعتبار تبعياتها على مجمل المجتمع والاقتصاد الأردني على حد سواء. نَقَل السلبيات المرافقة لهذا اللجوء من سياقها الطبيعي إلى ظواهر يجب معالجة نتائجها واحتواء تداعياتها قبل استفحالها في المجتمع من خلال فرض شروط صارمة وأكثر وأقوى على نظام التكفيل بما يضمن بقاؤها ضمن الاطار المنطقي في بوتقة الاستثناءات الفردية ، وليس كظاهرة طبيعية لا تغير ولا تبدل من الواقع شيئ.

لا يوجد مبرر للحكومة الأردنية كي تتغاضى عن نطام الكفالة بحجة أنه تجربة فريدة خاضعة لظروف مرحلية يمكن تجاوزها. والسبب أن الدولة الأردنية تعتبر من أكثر دول المنطقة تعرضاً لارتدادات الأزمات السياسية الاستثنائية والغير مسبوقة في الأقليم، فقد تعرضت لموجات اللجوء منذ تاسيس الدولة الأردنية (اللجوء الفلسطيني واللبناني وحربي الخليج الأولى والثانية والعراقي ثم السوري أخيراً) .

لذا كان من الضروري بمكان منذ اندلاع الازمة ان تقوم الحكومات الأردنية المتعاقبة باستحداث  خلايا إدارة أزمة مستدامة لا تقتصر أهدافها على التعامل مع السلبيات الاقتصادية فحسب وإنما الانتقال إلى تطوير أدواتها لتطال البُعد الاجتماعي والنفسي الذي يتعرض له المجتمع الأردني بكل تجاذباته من أدنى إلى أعلى وبالعكس. إن من أخطر وأكبر الظواهر المتعلقة والمرافقه لأزمة اللجوء هي جرائم الإتجار بالبشر وأهمها الرق الابيض، وهنا لا أريد أن استرسل في الابعاد الاجتماعية والسلوكية والنفسية للأسر الأردنية وخاصة المرأه والأطفال، فقد تناولت وسائل الإعلام كثير من هذه الجرائم بدون تحفظ، ولكنها لم تتناول جانبها المؤثر على المنظومة القيمية الأردنية فهذا مبحث يتطلب دراسة مستفيضة ومتخصصة ومتأنية ووشفافة وواعية ليس هذا مكانها. الجانب الآخر والذي لا يقل خطورة هو الجانب الأمني فقد انتقلت التشوهات الهيكلية والبنيوية والتي أصابت المجتمع السوري إلى المجتمع الأردني. هذه التشوهات الاجتماعية والنفسية والعقائدية التي رافقت الأزمة السورية ونعني بها الاصطفاف السياسي أو المذهبي أو العرقي أو الأيديولوجي والتي لن يُلمس تأثيرها على المدى القريب ولكنها ستكون حجر أساس للكثير من الأزمات القاتلة على المدى البعيد. نستخلص مما سبق حاجتنا لما يلي: 1-    العمل على إبرام اتفاقية دولية خاصة مع منظمات الإغاثة الدولية المعنية باللاجئين السوريين من أجل رفع سقف الإعانات المقدمة للأسر الأردنية المتضررة من 20% إلى 50%. 2-    تحميل المنظمات والجهات الدولية التكاليف الحقيقية لاستضافة اللاجئين وعدم الإقتصار على التكاليف التي تقدم لدعم تخفيف الأعباء عن الموازنة الأردنية. 3-    تحديد مرجعية واحدة لشؤون اللاجئين وهي الهيئة الخيرية الأردنية للإغاثة والتنمية والتعاون العربي الإسلامي. 4-    اتخاذ اجراءات سريعة لتنيظم وجود العمالة السورية وآليات تشغيلها، وتوجيهها نحو القطاعات التي لا ترغب بها العمالة الأردنية اصلاً، مثل قطاع الزراعة ورعي الاغنام واستصلاح الأراضي. 5-    استحداث هيئة مستدامة لإدارة شؤون اللاجئين بشكل يضمن استقرار عملها وديمومته تتداخل في تشكيلها كل المؤسسات المعنية حتى نتخلص من العمل الموسمي والمفاجئ. 6-    إعادة الدراسة لنظام الكفيل للتخلص من تبعاته السلبية على الأسرة والمجتمع الأردني وعلى اللاجئين أنفسهم. 7-    معالجة المشاكل التي استفحلت في المجتمع الأردني من خلال برامج مسؤولة محلية ودولية. 8-    التوجه للجامعات من أجل عمل دراسات بحثية لإيجاد الحلول للمشاكل النفسية والسلوكية والاجتماعية المترتبة على هذه الأزمة، ووضع حلول استباقية للمشاكل المتوقعة من جرّاء تداعياتها. 9-    إقامة مراكز دعم نفسي للمجتمع المحلي في مناطق الإيواء، ونشر الثقافة النفسية المتعلقة باستقبال اللاجئين الذين تعرضوا للصدمات. والتوعية بكيفية التعامل معهم. 10-    توجيه الاهتمام لدعم والعناية بالبنى التحتية التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على التعليم والصحة وغيره من الجوانب التي تمس أمن وسلامة المجتمع. 11-    ايجاد مشاريع تنموية تشغيلية في مناطق الشمال. 12-    العمل على البدء بحملة وطنية شاملة تهدف إحصاء عدد اللاجئين السوريين في المملكة علما بأن هناك 72% منهم غير مسجلين.

إن أهم ما أردت طرحته في هذا المجال، هو أن تراكم وتكرار الأخطاء في التعامل مع الأزمات الإقليمية وعدم الاستعداد المسبق لتداعياتها قد وضع الوعي الاجتماعي الأردني بين تناقضين.الأول: ما أشرنا إليه من طبيعة هذا الوعي الذي إنغمس بالهمِّ القومي وإغاثة المستجير وكرم الضيافة والعادات والتقاليد والتي ميزت هذا الوعي على مدار التاريخ، وانعكاس الظواهر السلبية للأزمات الإقليمية وأبعادها الاجتماعية على المجتمع الأردني من جهة أخرى. هذا التناقض بدأ ينحو منحاً سلبياً؛ أي أن الوعي المجتمعي بدأ يأخذ وضعاً غاية في الخطورة كالسؤال المطروح (إلى متى سنبقى ذائبين في البُعد القومي وإلى متى سنبقى الوعاء الذي يجب عليه احتواء كل أزمات الإقليم)، وهنا مكمن الخطورة لأن ذلك يرسخ مفهوم (الخلاص الفردي) وهذ بالتأكيد يضعف الدور الإقليمي للدولة الأردنية في المحصلة النهائية ذلك أن فعالية كفاءة أي نظام إقليمي ليست سوى محصلة إسهامات وحداته المكونة له وتفاعلاتها البينية إذ بقدر ما يكون إسهام كل منها في العمل المشترك كبيراً وتفاعلاتها البينية إيجابياً بقدر ما يكون النظام فاعلاً ومؤثراً في محيطه، ويمتلك المنعة إقليمياً ودولياً. أما حين يغدو (الخلاص الفردي) هو الخيار الاستراتيجي للمواطن الأردني فالشيء الطبيعي أن نفقد القدرة على تقديم الاستجابة الفاعلة في مواجهة التحديات، حتى وإن توفرت لها الإدارة المتميزة ذات الكفاءة العالية. ولهذا السبب بالذات تقدمت لكم بهذه الورقة على أمل أن نبقي الوعي الجمعي الأردني ايجابياً وإستثنائياً والاستثناء أيها السادة لا يعمم.