تدمر

2015 08 28
2015 08 28

Jameel-Al-Nimriيوم الثلاثاء الماضي، نشر تنظيم “داعش” مشاهد تدمير واحد من أجمل وأشهر المعابد في مدينة تدمر. مشاهد توجع القلب، بينما مجرمو “داعش” ينقلون المتفجرات ويبثونها في أركان البناء الذي ينوف عمره عن ألفي عام، ليتحول في ثوان إلى ركام، ولا أحد يوقف هذا العمل القذر المجنون. هم موجودون هناك وفي مناطق أخرى تزخر بإرث عظيم، “يبصقون” في وجه العالم كله ببث مشاهد تدمير معالم حضارية لا تقدر بثمن.

وتدمر بالذات كانت عاصمة آرامية عربية، بلغت أوج ازدهارها في عهد الملكة زنوبيا. وأنقل هنا مقاطع من موسوعة “ويكيبيديا”: “كانت من أجمل المدن وأكثرها تطورا بمبانيها الفخمة وشوارعها وتنظيمها. وآثارها تدعو للتأمل والدهشة والفخر بعظمتها وضخامتها. وكانت من أهم المدن التجارية وأكثرها ازدهارا، والقوافل الواردة إليها لا تتوقف ليل نهار. ويمر منها طريق الحرير التاريخي. وازدهرت تدمر خصوصا في عهد الملكة زنوبيا، ونافست روما وسيطرت على المنطقة من حدود آسيا الصغرى في الشمال إلى حدود مصر في الجنوب”.

لقد نال تدمر ما نال غيرها بفعل عوامل الزمن. لكن مثل غيرها، لم يقدم أحد على تدمير شواهد تاريخية فيها بقصد التخريب. وأيا كان الإحساس بأهمية العمران، فلم يكن هناك عداء تجاه المعالم الأثرية، حتى من طرف الغزاة المتعاقبين. وفي تاريخ الإسلام على مدار 15 قرنا، ومع كل أنواع السلطات والحكام حتى عصرنا، لم يظهر مثل هذا التقصد لآثار القدماء في منطقة غنية بكل هذا الإرث من جميع العصور؛ وذلك حتى مجيء “داعش” الذي وصل إلى أبواب تدمر وحبسنا الأنفاس وهو على بعد كيلومترات منها، وسط نداءات من المسؤولين هناك لإنقاذها. ولو كان هناك ما يكفي من المسؤولية الأخلاقية، لتحركت الدول والجيوش من ساعتها لإنقاذها. لكن تدمر، مثل كل شبر في سورية والعراق، ومثل كل الضحايا من أفراد وجماعات، تتقدم على المسؤولية الأخلاقية تجاهها وتجاههم حسابات السياسية والربح والخسارة.

لا يمر يوم من دون أن ينافس “داعش” نفسه بعمل يوجع القلب ويدمي الروح، ويفجر بركانا من الغضب. ففي اليوم السابق لهذا المشهد رأينا مشهد تدمير دير عمره 1500 عام في بلدة القريتين، مباشرة بعد احتلال “داعش” لها. وقبل ذلك كان مشهد عالم الآثار ومدير آثار تدمر السابق، البالغ من العمر 82 سنة، يعلق مقطوع الرأس على عامود!

ليس “داعش” فريدا في التاريخ من حيث الوحشية واستباحة الدماء، لكنه يتفوق بصورة خاصّة في الخسّة والنذالة. ورأينا الفضيحة المخزية للبغدادي نفسه الذي حجز الشابة الأميركية كايلا مولر رهينة، وظلّ يغتصبها حتى إعلان وفاتها. وكان يمكن أن تدفن الحقيقة معها لولا الصدفة التي عرّفت العالم بقصتها. هذه الفتاة الطيبة تطوعت للذهاب إلى سورية مع “أطباء بلا حدود”، وخطفها “داعش” من أمام المستشفى. وقد بقيت متماسكة ومتمسكة بالأمل، ترعى الطفلات الأزيديات كأم لهن، حتى تمكنت اثنتان من الهرب، فروتا قصة مولر التي تطابقت مع رواية زوجة أبو سياف التي قبض عليها التحالف بعد قتل زوجها.

إن كل واحد من أفعال “داعش” يكفي وحده لاستنفار الواجب الإنساني لوقف هذا التنظيم عند حدّه والالتزام باستئصاله. ولو تركنا كل سبب سياسي وأمني، فإن المسؤولية الأخلاقية وحدها كانت تلزمنا بالمشاركة بهذا الجهد وبما نستطيع. وكنت أرى في الحجج والمبررات السياسية والأمنية للنأي بأنفسنا تنازلا أخلاقيا فظيعا لا يمكن قبوله. ومع كل يوم، يتأكد أن المسؤولية الأخلاقية وحدها تفرض علينا وعلى غيرنا استئصال هذه الآفة من الوجود.

جميل النمري – الغد