تغريدة مغترب – احمد محمود سعيد

2014 01 04
2014 01 04

72هي تغريبة اكثر منها تغريدة والتغريب حسب معجم المصطلحات العربية المعاصر مشتقّة من مصدر غرّب والمعنى القانوني نفي الشخص من البلاد دون تحديد مكان لإقامته وحسب معجم المصطلحات الفقهيّة غرب فلانا أبعده ونحاه . واصطلاحا هو بحسب المعنى الأخير وهو عقوبة لبعض الجنايات .

وكلمة مغترب حسب المعجم تطلق على شخص يتخلى عن مواطنة بلده الأصلي ليصبح مواطنا في بلد آخر .

وما الذي يجمع بين التغريبة والمغترب هي الغربة وبطلها الغريب اي هو المختلف وليس الاصيل وبالتالي ان اخذ جنسيّة الوطن الجديد يصبح مواطنا منتميا واذا لم يأخذ الجنسيّة وهي الحالة الاكثر انتشارا يبقى غريبا في موطنه الثاني مغتربا عن وطنه الاول .

وإذا سألنا انفسنا ما الذي يجعل الانسان ان يتّخذ قرارا بنفي نقسه بعيدا عن وطنه هل هي فقط لقمة العيش ام لتحسين الحالة الماليّة لتغطية التزامات معيّنة ام البحث عن استثمار مفيد فقد تكون احدى تلك الاسباب وقد لا تكون أيّا منها فماذا تكون الأسباب ؟؟؟؟

في الماضي كانت الارض هي مصدر رزق الانسان ومعيشته فلم يكن يغادرها فقط لأنه يحبّها ولكن لأنها سبب استمرار عيشه هو وابنائه من بعده اي هي استمرار لوجوده فوق الارض وتحتها .

الثورة الصناعية هي انتشار وإحلال العمل اليدوي بالمكننة وقد شهدت بلدان أوروبا الغربية خلال القرن الثامن عشر نهضة علمية شاملة فتنوعت الأبحاث والتجارب لتشمل مختلف فروع العلم وأدّت إلى اختراعات واكتشافات مهمة كانت السبب المباشر في قيام الثورة الصناعية خلال القرن التاسع عشر ثورة كان لها الأثر البالغ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية سواء في أوروبا أو خارجها.

كانت بريطانيا أسبق دول العالم في تحقيق النهضة الصناعية , فمنذ منتصف القرن الثامن عشر حيث انطلقت الثورة الزراعية التي أدت إلى تحسن المستوى المعيشي لسكان الأرياف فتزايد إقبالهم على استعمال المعدات الزراعية المتطورة واعتماد جانب من مدخراتهم في تطوير المشاريع الصناعية, كما أدت الثورة الزراعية وإدخال الآلات وطرق الاستغلال الحديثة إلى سيطرة الملكيات الكبيرة والاستغناء عن نسبة هامة من العمال الزراعيين فتوفرت بذلك يد عاملة رخيصة وكثيرة العدد للمصانع.

وبالإضافة إلى ما حققته الثورة الزراعية تجمع لدى بريطانيا رصيد ضخم من المال من تجارتها الواسعة مع مستعمراتها وظهرت فيها المصارف التي شجعت على بعث العديد من المشاريع الصناعية, وقد تمتعت بريطانيا باستقرار داخلي بعيدا عن مخاطر الحروب القارية الأمر الذي ساعد على استمرار نموها الاقتصادي وبروز العديد من الاختراعات الجديدة التي ضمنت لها التفوق على بقية منافسيها.

كانت أخلاق العمل الحميدة كقيم الموثوقية، والادخار، والتواضع، والصدق، والمثابرة والتسامح، أحد أسباب نشأة الثورة الصناعية ولأن بريطانيا العظمي كانت لا تغيب عنها الشمس لسعة الاراضي والشعوب التي تحكمها فقد انتقلت آثار تلك الثورة الصناعيّة لأرجاء العالم المختلفة ونحن من هذا العالم .

ونتيجة تطوّر المكننة الزراعيّة فقد تم الاستغناء عن كثير من العاملين في الزراعة واستحوذت الشركات الكبيرة وذات رؤوس الاموال الكبيرة على تطوير هذا القطاع بل وقد نخلّى الكثير من اصحاب الملكيّات الصغيرة عن استغلال اراضيهم في الزراعة لإرتفاع كلفة الانتاج والتسويق والنقل وصعوبة التصدير احيانا لتأثره بالظروف السياسيّة بين الدول وبالتالي خفّ ارتباط الفرد بارضه واصبح يفتّش عن مصادر رزق اسهل واسرع وإن كانت اقل ربحا فلجأ بعضهم للصناعة او التجارة ولجأ الكثير من القادرين على العمل والإنجاز الى الوظائف في القطاعين العام والخاص باعتبارها اكثر امانا للحياة الاسريّة ونظرا للزيادة المهولة في عدد السكان سنويّا خاصّة في الدول النامية ونظرا لتراجع الحريّات بشكل عام وحيث ان الفاسدين انهكوا اقتصاديّات تلك الدول وفي ظل غياب العدالة والمساواة بين المواطنين في تلك المجتمعات لجأ الشباب بشكل عام الى البحث عن وظائف خارج اوطانهم خاصّة في الدول التي بحاجة لأيدي عاملة ماهرة وغيرها لتطوير وتنفيذ برامجها وخططها التنمويّة كدول الخليج العربي وامريكا .

كمااشارت التقديرات الى ان قيمة تحويلات المغتربين العاملين في الخارج قد وصلت الى 3.6 ملياردولار بنهاية العام الماضي 2013.

وهناك مساهمة كبيرة للمغتربين الأردنيين العاملين في الخارج في التنمية الاقتصادية في الأردن من خلال تحويلاتهم الدورية التي تحول الى الأردن ، فهي تساهم في دعم ميزان المدفوعات الأردني ، ودعم احتياطي البنك المركزي من العملة الأجنبية، ورفع مستوى الثقة بالدينار الأردني كعملة ادخار واستثمار، وتعزيز موارد البنوك الأردنية لتتمكن من توظيف جزء كبير منها في تقديم قروض للقطاعات الأقتصادية المختلفة مما يزيد من حجم المشاريع الأستثمارية ويقلل من حجم البطالة.

وبالرغم من قناعة المغتربين الاردنيين ان الفساد ينخر في معظم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والوظيفية إلاّ انهم يتأملون ان تبذل الحكومة جهودا اكبر لإصلاح الإقتصاد دون الإعتماد على جيب المواطن ووضعه المعيشي المرهق اصلا وان تقلّل الفجوة بين مداخيل العاملين في الدولة بمختلف الدرجات وكذلك توخّي العدالة والمساواة في اعطاء الفرص للجميع في التعليم والتوظيف والنأي عن الشلليّة والإنتقائيّة وذلك لزيادة ثقة الاردنيّين وخاصّة المغتربين منهم  في الإجراءات الحكوميّة المختلفة مع وجود وزارة لهم في الاردن .

ويبقى خوف المغترب خاصّة في كبره ان يموت غريبا في غير وطنه وبين اهله واحبّائه او ان ينتهي عمله في الاغتراب ويضطر للعودة لوطنه خالي الوفاض ويعايره ابناء جلدته ويقولون له كأنك يا ابو زيد ما غزيت اي لا فيك ولا في غربتك .

وكل ذلك بسبب اهمال الحكومات بوضع الخطط والبرامج والربط بين مخرجات التعليم العالي وحاجة سوق العمل والموارد البشرية المتاحة وبرامج التدريب وتنمية القدرات وتوزيع فرص العمل بعدالة حسب الكفائة والأحقّيّة .

ولا يمكن اتهام المنتقد بايجابية للإجراءات والقرارات الحكوميّة بانّه يقصد احباط برامج الإصلاح او التقليل من جهود بعض الوزراء والنوّاب والأعيان وغيرهم من متّخذي القرار او اتّهام الداعين لاجتثاث الفساد والفاسدين ومحاكمتهم ومحاسبتهم بانهم يقصدون اغتيال الشخصيات الوطنيّة بل ان ذلك يصب في مساعدة الحكومة وزيادة الوعي والحس الوطني بهذا الشأن ويدرج تحت خطّة الاصلاح الشامل .

وتعريبة المغتربين تتطابق مع ما قالته  ميسون بنت بحدل

لَبَيْتٌ تخفِقُ الأرواحُ فيه    أحبُّ إليَّ من قصرٍ مُنيفِ

وأصواتُ الرياحِ بكل فَجٍّ    أحبُّ إلي من نَقْر الدُّفوفِ

ولُبْسُ عباءةٍ وتقَرُّ عيْني    أحبُّ إليَّ من لِبْسِ الشُّفوفِ

وأكْلُ كُسَيْرَة في كِسْرِ بَيْتي    أحبُّ إليَّ من أَكْلِ الرَّغيفِ

حمى الله الاردن ارضا وشعبا وقيادة من اي مكروه وجعله ملاذا لكل الاردنيين والعرب والمغتربون منهم الاكثر حاجة لذلك الملاذ  الهاشمي.