تمكين المرأة اقتصاديًا – أحمد ذيبان

2013 09 17
2013 09 17

215 لا يزال هناك جماعات متشدّدة، ترى في تمكين المرأة اقتصاديًا وسياسيًا، خروجاً عن المألوف ويتعارض مع أحكام الشريعة الأسلامية، وتمييزًا وعنصرية ضد الرجل، وتهديدًا بإلغاء قوامة الرجل وتهميش لدور المرأة باعتبارها زوجة وأمًا، وهناك معيقات عديدة لها علاقة بالتشريعات والقرارات السياسية والثقافة والأعراف الاجتماعية، تمعن في تهميش المرأة وإقصائها عن المشاركة في الحياة العامة، والاندماج في النشاط الاقتصادي، وحتى النساء العاملات يشكين من تمييز وظيفي واضح ضدهن، في الترقيات والدورات التدريبية ومستويات الرواتب والعلاوات.

رغم ذلك هناك تغيرات جوهرية، حدثت خلال العقود الماضية في عالمنا العربي، حيث طرأت تحولات ثقافية واجتماعية إيجابية لصالح تمكين المرأة، مكنت عديد النساء من الحصول على التعليم والارتقاء في سلّم الحياة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإداريًا، وتقلّد مواقع متقدّمة بينها وزيرات وبرلمانيات، ومبادرات في الحقل الاقتصادي، وناشطات في منظمات أهلية وتطوعية ونقابية، لكن هذه النماذج لاتزال تشكل نسبة ضئيلة.

على أن ذلك لا ينفي وجود عناصر نسائية متطرّفة وغوغائية، تضر بقضية المرأة أكثر مما تفيد، ويمكن للمراقب أن يرصد بعض الأصوات النسائية في مصر اليوم، انخرطت في الصراع السياسي الدموي، وانحازت بصورة عمياء ومستفزة إلى جانب الانقلابيين، وفي عمليات إقصاء الآخر، وعلى سبيل المثال نسب إلى الفنانة المصرية بوسي في سياق تأييدها لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي قولها “لو الإله اللي بعبده يجي بالانتخابات كنت اخترت السيسي، واللي قال إن سيدنا محمد أشرف الخلق، كان غلطان لأنه مشافش الفريق عبد الفتاح السيسي”!، فكم هي مستفزة للمشاعر الدينية والإنسانية ومثيرة للتقزّز هذه الكلمات!، هذا نموذج لمرأة وصلت إلى أقصى درجات التمكين!.

لكن هذه الحالة تندرج ضمن الاستثناءات، ولا تمثل النساء المكافحات في سبيل تمكين المرأة إيجابيًا، ومع ذلك فثمة وجه آخر للصورة، حيث غالبية النساء في عالمنا العربي، ما زلن يعانين الكثير من التهميش والإقصاء والتمييز في مختلف مجالات الحياة، الأمر الذي ينعكس سلبًا على وضع أسرهن، في ظل اتساع مساحات الفقر والعوز.

وفي سياق الأرقام التي تنشرها جهات دولية، تبدو الصورة قاتمة، حيث تشير أحدث الأرقام التي نشرها البنك الدولي، أن المعدل الحالي للزيادة في المشاركة الاقتصادية للمرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيستغرق “150”عامًا للحاق بالمتوسط العالمي الحالي”!.

وحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “2011”، فإن انخفاض معدل مشاركة المرأة العربية يرجع إلى عوائق وتحديات كبيرة تعرقل دخولها أسواق العمل، “تحديات مجتمعية تتعلق بالثقافة العامة والعادات والتقاليد”، حيث تشير البيانات إلى أن نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة في البلدان النامية هي 53 بالمئة، بينما تبلغ في الدول العربية نحو 26 بالمئة فقط !، ووفقًا لمؤشر الفجوة العالمية بين الجنسين عام 2012، فإن 8 من أصل 10 بلدان من أدنى البلدان، في المساواة بين الجنسين على صعيد المشاركة، في القوى العاملة “بناء على مؤشرات الدخل المكتسب”، هي من منطقة الشرق الأوسط، وتشمل “سوريا، باكستان،السعودية، اليمن، الجزائر، إيران، تركيا، المغرب، سلطنة عمان، والأردن”.

ورغم أن الأمم المتحدة شكلت لجنة مركز المرأة عام 1946، التي بدأت صياغة الاتفاقيات والمعاهدات التي تقوم على إقرار التماثل التام بين الجنسين، لكن الحراك الدولي في هذا السياق ازداد فعالية منذ مؤتمر بكين عام 1995، حيث ركزت مقرّراته على “تمكين المرأة وضمان حقها في حرية الفكر والضمير والدين والمعتقد”، ثم جاءت اتفاقية مكافحة جميع أشكال التمييز ضد المرأة “السيداو”، وبات مصطلح التمكين للمرأة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يروج في المحافل والدوائر الإعلامية. وأصبحت هذه القضية تحتل جدول أولويات العديد من المنظمات والهيئات الدولية، وبين المبادرات الإيجابية الجديرة بالتنويه، البرنامج الإقليمي لـ “تمكين المرأة اقتصاديًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” المعروف اختصارًا “أنا هنا”، الذي تتبناه وتدعمه “وكالة التعاون الإنمائي الألمانية”، بالتعاون مع شركاء محليين ، مثل الجامعات ومنظمات حكومية وأهلية وشركات قطاع خاص، ويهدف البرنامج إلى تحسين ظروف ادماج المرأة في العمل والالتحاق بالوظائف في مصر والأردن وتونس والمغرب .

ويقوم البرنامج، بتنفيذ مشروعات تدعم النساء في المناطق الريفية، في قطاعات فرعية مختلفة “نسيج، زيوت عطرية، فاكهة، أو منتجات ألبان” حيث تطور النساء مسارهن المهني ويقمن بإنشاء شركاتهن الخاصة، وتطوير منتجاتهن أو الدخول في أسواق جديدة”.

إن هذا البرنامج وغيره من المشروعات والمبادرات الهادفة إلى تعزيز دور المرأة في المجتمع، يتطلب دعم مختلف الجهات والقوى الاجتماعية والاقتصادية التي تؤمن بعدالة هذه القضية، مثل الإعلام ورجال الأعمال والشركات والبنوك والسلطات الرسمية والمحلية والمجتمع، سواء لجهة الدعم المالي والتسهيلات الإدارية، أو الدعم الإعلامي بهدف توعية المجتمع المحلي ، وحشد تأييد الجهات المعنية.