توقة وحروب الجيل الرابع – الجزء الثاني

2014 08 31
2014 08 31

صورة الدكتور حسين توقهبقلم الدكتور حسين عمر توقه

حروب الأجيال الأربعة : 1: الجيل الأول . لقد ابتدأ الجيل الأول لهذه الحروب منذ الساعات الأولى لهجوم القوات اليابانية على  بيرل هاربر بتاريخ 7/12/1941  وفي اليوم التالي طالب الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الكونغرس الأمريكي بالموافقة على دخول الولايات المتحدة الحرب بجانب الحلفاء . ولقد بلغ تعداد قائمة الدول التي شاركت في الحرب 117 دولة . 59 دولة شاركت بشكل مباشر  من خلال جيوشها النظامية  في القتال الفعلي . منها 50 دولة في جانب الحلفاء 17 دولة  خاضت المعارك الحربية . ومنها 9 دول في جانب المحور 7 دول منها خاضت المعارك الحربية . أما بقية الدول فلقد شاركت بشكل غير مباشر  إما من خلال إرسال جنود  للقتال في صفوف أحد الطرفين  دون إعلان الحرب على الطرف الآخر  أو السماح بإستغلال أراضيها  لصالح أحد الأطراف .  ولقد شهدت الحرب العالمية نهايتها في أوروبا بتاريخ 7/5/1945  حين تم التوقيع على  وثيقة الإستسلام الألماني ولقد بلغت الحرب ذروتها مع اليابانيين  بتاريخ 6/8/1945 بإطلاق السلاح النووي من القاذفات الأمريكية على مدينة هيروشيما  ثم تلاها إطلاق قنبلة نووية ثانية  على ناغازاكي بتاريخ 9/8/1945  وبعد ستة أيام  من تفجير القنبلة النووية على مدينة ناغازاكي أي بتاريخ 15/8/19435  أعلنت اليابان استسلامها لقوات الحلفاء  وتم توقيع وثيقة الإستسلام بتاريخ 2/9/1945  ولقد تسببت القنبلة النووية على هيروشيا بمقتل 140 ألف شخص  ومقتل 80 ألف شخص في مدينة ناغازاكي ولقد توفي في نهاية عام 1945 ما يزيد على 110 ألف شخص  متأثرين بالجروح والحروق الإشعاعية  . ويقدر الخبراء ضحايا الحرب العالمية الثانية بأنها أكثر من  50 مليون  قتيل بينما تشير بعض الدراسات  لبعض الباحثين إلى وقوع  62  مليون قتيل  مما يجعل الحرب العالمية الثانية أكثر الصراعات  العسكرية دموية  على مر التاريخ . 2: الجيل الثاني . من الصعب جدا تحديد الفترة الزمنية الفاصلة بين أجيال الحروب ولا يوجد حد فاصل بينها فقد تتداخل الأحداث مع بعضها البعض وتمتد لفترة زمنية  غير واضحة المعالم وهو ما حدث فعلا  بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية  وما تبعها من بروز خلافات بين الحلفاء وظهور سياسات مختلفة وانقسامات  من أجل  الحصول على أكبر قدر من  المكتسبات  وهو ما تعارف على تسميته بالحرب الباردة حيث ظهرت الندية  بين القوتين العظيمتين  الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي في ظل غياب حرب معلنة أو مباشرة بينهما . رغم أن هذه الفترة قد شهدت حروبا مدمرة  في أجزاء مختلفة من العالم  مثل الحرب الأهلية الكورية التي استمرت منذ عام 1950 حتى عام 1953 والحرب الفيتنامية  التي بدأت  منذ عام 1965 بإرسال قوات عسكرية وشن غارات جوية  على فيتنام الشمالية من قبل الولايات المتحدة وانتهت عام 1975 بإتحاد فيتنام الشمالية والجنوبية  وإنتهاء الغزو الأمريكي . وقمع الثورة المجرية عام 1956 من قبل الإتحاد السوفياتي وفي عام 1968 قامت قوات حلف وارسو بإقتحام تشيكوسلوفاكيا  لقمع ثورة ربيع براغ . وقيام الإتحاد السوفياتي بالتدخل العسكري في أفغانستان عام 1979 حتى عام 1989 . إلا  أن الكثيرين من المخططين الإستراتيجيين في الولايات المتحدة قد اتفقوا على  تحديد فترة الحرب الباردة اعتبارا من نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 وإنتهاء بإنهيار الإتحاد السوفياتي عام 1991 . لقد شهد الجيل الثاني من الحروب تقسيم العالم إلى معسكرين شرقي   وغربي واستطاع الإتحاد السوفياتي من ضم جمهوريات ومناطق جديدة تحت كنفه حيث أصبح الإتحاد السوفياتي يضم  ست عشرة دولة اتحادية عام 1956 . كما شهد العالم خلال هذه الحقبة ظهور الأحلاف العسكرية والتجمعات السياسية المختلفة ومن أبرز هذه الأحلاف وأقدمها  معاهدة المساعدة المتبادلة بين الدول الأمريكية  والمعروفة بإسم ( الريو )   وتم توقيع هذه المعاهدة  عام 1947 في ريد دي جانيرو في البرازيل  ومن ثم  معاهدة جنوب شرق آسيا     ( حلف السيتو )  وتم التوقيع عليها عام 1954 من قبل الولايات المتحدة ونيوزيلندا وبريطانيا وفرنسا والباكستان  وتايلاند والفلبين  وهدف هذا الحلف هو الوقوف في وجه المد الشيوعي في جنوب شرق آسيا وجنوب غرب  المحيط الهادى  وفي عام 1955 تم توقيع حلف بغداد  من قبل  كل من العراق وتركيا وبريطانيا والباكستان  وإيران  ودخلت الولايات المتحدة الحلف كمراقب   ولقد انسحب العراق من الحلف  إبان إعلان الثورة  بتاريخ 14 /7/ 1958  ومع إندلاع الثورة الإسلامية في إيران تم حل الحلف عام 1979 . إن ما يهمنا هنا هو استعراض ثلاثة من أهم التحالفات  التي برزت على سطح الأحداث العسكرية والسياسية  عبر الجيل الثاني للحروب 1:  حلف شمال الأطلسي . بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية قامت الولايات المتحدة بتقديم  الكثير من المساعدات   للدول الأوروبية من أجل مساعدتها في مواجهة الآثار الإقتصادية التي ترتبت على هذه الدول نتيجة الحرب العالمية الثانية لا سيما من النواحي الإقتصادية  ولكن هذه المساعدت لم تكن كافية في مواجهة  المد الشيوعي المتعاظم  لا سيما من النواحي العسكرية  وعليه  فلقد تم توقيع معاهدة شمال الأطلسي بتاريخ 4/4/1949 في واشنطن  وتم اختيار مدينة بروكسل عاصمة بلجيكا لتكون مقرا للحلف . ولقد تم إنشاء هذا الحلف من أجل مجابهة التوسع العسكري في قدرات  القوات السوفياتية  وتوحدها مع دول شرق أوروبا  ويتمثل الهدف الرئيس لحلف شمال الأطلسي  في حماية حرية وأمن الدول الأعضاء  ومجابهة أي تهديدات  أمنية لهم  من خلال الوسائل السياسية والعسكرية  بالإضافة إلى  حماية دول العالم بشكل عام وحفظ الأمن والإستقرار ويدعم الحلف الأطلسي القيم الديمقراطية   ويشجع الوسائل السياسية   والطرق السلمية  في حل القضايا التي تواجه الحلف  وفي حال فشل  الحلف بحل  النزاعات بالطرق السلمية  والجهود الدبلوماسية   فإنه يلجأ إلى الوسائل العسكرية  بموجب تفويض من الأمم المتحدة  أو في إطار منفرد  أو بالتعاون مع دول أو منظمات دولية أخرى . وقد تم التوقيع على هذه المعاهدة من قبل 12 دولة  وازداد العد إلى 16 دولة عام 1952 واستمر الإزدياد حت بلغ العدد  إلى 28 دولة بعد انهيار الإتحاد السوفياتي  . 2: حلف وارسو . معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المشتركين ( حلف وارسو ) هو منظمة عسكرية  سابقة لدول  أوروبا الوسطى والشرقية الشيوعية والإتحاد السوفياتي بإستثناء الدولة الشيوعية الوحيدة التي لم تنضم لهذا الحلف وهي يوغوسلافيا .  أسست هذه المنظمة  عام 1955  لمواجهة التهديدات الناجمة  عن أعضاء حلف شمال الأطلسي ( الناتو )  وكرد فعل مباشر لإنضمام ألمانيا الغربية إلى حلف الأطلسي . وتنص المعاهدة  على أهمية التعاون المشترك بين دول الحلف دون التدخل في أي من الشؤون الداخلية لدولة من دول الحلف  واحترام سيادتها واستقلالها  رغم أنه تم خرق  هذا النص أكثر من مرة  في الثورة المجرية وربيع براغ  ولقد انسحبت ألبانيا  من الحلف بعد وقوع الخلاف بين الصين والإتحاد السوفياتي  وانضمت رسميا عام 1968 إلى النظام الشيوعي الصيني وتم حل الحلف رسميا  في شهر يوليو 1991 بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي . 3: حركة عدم الإنحياز تعتبر حركة عدم الإنحياز واحدة من نتائج الحرب العالمية الثانية  ونتيجة مباشرة للحرب الباردة  التي تصاعدت بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي . ولقد تأسست حركة عدم الإنحياز  من 29 دولة  وهي التي حضرت مؤتمر باندونغ  عام 1955 وهي نتاج عملي لنظريات ومبادىء ثلاثة من زعماء العالم في تلك الحقبة هم  رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو  والرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس اليوغوسلافي  جوزيف بروز تيتو  وفي عام 1961 في العاصمة اليوغوسلافية   تم إلإتفاق على إنشاء  حركة عدم الإنحياز  على شكل منظمة  تجتمع سنويا  ولقد شهدت تلك الحقبة إنهيار النظام الإستعماري  ونضال شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية  من أجل الإستقلال  والحفاظ على السلم والأمن الدولي ومن الجدير بالذكر أن  عدد أعضاء حركة عدم الإنحياز   عام 2012  قد وصل إلى 118 دولة  . أبرز ملامح الجيل الثاني من الحروب : لقد بلغت ذروة  هذه الحرب الباردة إبان أزمة الصواريخ  السوفياتية في كوبا  وبلغت مراحلها النهائية  في السباق المحموم في حرب النجوم والذي خصص من أجله الرئيس الأمريكي  رونالد ريغان مبلغ 26 مليار دولار . في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البشرية  التي شهدت سباقا مجنونا في مجال التسلح النووي  والحصول على أكبر قدر ممكن من الرؤوس النووية  ففي عام 1987 على سبيل المثال بلغ تعداد الصواريخ  السوفياتية العابرة للقارات 1398 صاروخ  وبلغ عدد الصواريخ البعيدة المدى 520 صاروخ  وعدد الصواريخ التي تطلق من الغواصات السوفياتية  982 صاروخ وبالمقابل فلقد  بلغ عدد الصواريخ الأمريكية العابرة للقارات  1045 صاروخا تحمل 2145 رأسا نوويا  بالإضافة 641  صاروخ تطلق من القواعد البحرية   وتحمل 6656 رأسا نوويا بإلإضافة  إلى 260 ًاروخ  يتم إطلاقها  من الطائرات القاذفة  وتحمل 4080 رأس نووي . لقد كان السيناريو القائم  أنه يمكن مهاجمة الولايات المتحدة  من الإتحاد السوفياتي  ودول حلف وارسو  ومن الطائرات والغواصات والقواعد المختلفة في العالم  بواسطة الصواريخ الإستراتيجية الحاملة للرؤوس النووية . وسوف تقوم الولايات المتحدة خلال دقائق  بمحاولة التصدي ومنع  الصواريخ السوفياتية  من وصول الأراضي الأمريكية والمدن الأمريكية  بواسطة شبكات الدفاع الجوي الإستراتيجي   والعمل على تدمير باقي الصواريخ في قواعدها قبل الإنطلاق . من هنا انطلق مفهوم الضربة الأولى  أي أن تكون إحدى الدول هي البادئة بالهجوم النووي  وأن رد الدولة الثانية هو ما يعرف بالضربة الإنتقامية . فلو افترضنا أن الإتحاد السوفياتي  قد تمكن فعلا من  إطلاق صواريخه   وتمكن بعض من هذه الصواريخ من الوصول إلى  كل من نيويورك  ولوس أنجيلوس  وهيوستون  فإن عدد الضحايا لهذه الضربة الأولى سوف يصل  إلى 15 مليون نسمة  قد يرتفع إلى 20 مليون  في اللحظات الأولى  . ولكن الضربة الإنتقامية التي تكون  القيادة العليا في الولايات المتحدة قد أطلقتها  وتكون قد دمرت أربع مدن سوفياتية  وقتلت ما يزيد على  25 مليون نسمة  وقد يرتفع العدد إلى 30مليون نسمة خلال اللحظات الأولى . من هنا برز لدى القادة في المعسكرين الشرقي والغربي  المفهوم الإستراتيجي      الدمارالمؤكد المتبادل MUTUAL ASSURED DESTRUCTION (MAD) وتم استخدام السلاح النووي في مجال الردع  ولم يتم استخدامه  فعلا في أي من المواجهات العسكرية وبقيت السابقة الأمريكية في  قصف هيروشيما وناغازاكي السابقة الوحيدة في تاريخ العالم في إستخدام الأسلحة النووية . وانتهت هذه المرحلة  عام 1991 بإنهيار الإتحاد السوفياتي وتفتيته وتقسيمه إلى جمهوريات .

باحث في الدراسات الإستراتيجية والأمن القومي