ثقة نيابية وليست شعبية

2016 11 15
2016 11 15

13082128_1002751613105481_443297096_nكيف أُسقطت طائرة الشهيد معاذ الكساسبة؟ وكيف استطاع صبي ارهابي ان يخترق مكتب مخابرات البقعة التابع لأعتى الدوائر الامنية؟ كيف استطاعت شرذمة من الارهابيين ان تفجر حدودنا الشمالية؟ لماذا تم تعديل الدستور وتوسيع صلاحيات الملك بذريعة المضي نحو الحكومات البرلمانية؟ ما الذي جناه المواطن الاردني من رفوعات عبدالله النسور، او رفوعات هاني الملقي القادمة، طالما ان ارقام العجز والمديونية والبطالة في ازدياد مستمر؟ اين هي الاستثمارات التي قيل لنا انها ستأتي وبالمليارات؟ ماذا فعلنا لجلب وليد الكردي او على الاقل لاسترداد مئات الملايين التي سرقها؟ لماذا نوقع اتفاقية استيراد الغاز مع الكيان الصهيوني خلف الكواليس، في الوقت الذي نشهد فيه سعاراً صهيونياً غير مسبوق؟ ما الذي حققته “السفريات الرسمية” شرقاً وغرباً غير الاشادة بعمق العلاقات الثنائية؟ وكيف لدولة تقف على شفير الافلاس ان تمارس بذخ استضافة هذا الكم من المؤتمرات والمونديالات وتفريخ المزيد من الوزارات والوزراء والمسؤولين؟!

كل هذه الاسئلة الغير منتهية، يضاف اليها اسئلة تتعلق بفشل السياسات المتراكمة في تحقيق الحد الادنى من الوعود الرسمية، تدور في عقل المواطن الاردني الباحث عن اجابات واضحة ومحددة حول ما يحدث في بلده، في حين ان المسؤول في الاردن -وبحكم موقعه- يرى ان لا ضرورة لوضع المواطن في صورة ما يجري من احداث، ويعتبر الافصاح عن المعلومة ترفاً او مكرمة يتفضل بها على المواطن، الذي يلجأ بدوره الى الرواية البديلة، ووكالات الاعلام العالمية، التي يجد فيها ما يسد رمق تعطشه للحقيقة، الى الحد الذي سيطر معه جو من عدم الثقة على العلاقة بين المواطن والمسؤول، واصبح التشكيك بكل ما هو رسمي او حكومي هاجساً لكل الاردنيين.

المسؤول في الاردن يعتبر سياساته وقراراته حداثية وعصرية، وهي قادرة على التغيير نحو الافضل، فضلاً عن تفرده باتخاذ القرارات التي تمس الشارع، متجاهلاً بذلك صوت المواطن، وعلاقته التفاعلية معه، ومبدياً في الوقت ذاته سخطه واستغرابه من اطلاق الشائعات، واحكام المواطن المسبقة، ثم بعد ان تنهار تجربته او تمنى قراراته بالفشل، وهذا بالطبع ما يحدث في الغالب، يعود ويلقي باللوم على المواطن نفسه، وعلى قوى الشد العكسي، وعلى البيروقراطية، وكأنه لم يكن جزءاً من هذا الجهاز البيروقراطي!

الاقتصاد في التصريحات الرسمية، والتردد في تقديم المعلومة الوافية او الواضحة للمواطن حيناً، وتجاهله احياناً، وغيرها من العوامل الاخرى ، ادت الى تأجيج الشارع في عدة مناسبات، وغليانه في بعض الاحيان، وفتحِ باب التشكيك والتخوين والايادي الخارجية على مصراعيه، كما حدث في قضية تعديل المناهج، التي لا نزال نجهل السبب الحقيقي وراء تلك “التعديلات السطحية” التي جرت عليها.

مؤسسات الدولة لم تفشل في كسب ثقة المواطن الاردني وحسب، بل فشلت ايضاً في كسب ثقة المستثمر، والمقيم على ارض الاردن، وحتى اللاجئ، وها هو اللاجئ السوري –على سبيل المثال- لا يساوره الشك بأن الحكومة الاردنية قد سرقت امواله التي اغدق العالم بها على الاردن، سواء في مؤتمر لندن او غيره من المؤتمرات واللقاءات، التي ما زال المسؤول الاردني يُقسِم بعدها اغلظ الايمان بأن تلك المؤتمرات قد نجحت واثمرت، وبأن مكانة الاردن واهميته لدى عديد الدول، هي مفتاح الحل لكل الازمات التي نواجهها!

سياسة اللا سياسة التي ينتهجها الاردن منذ زمن ليس ببعيد، وعدم وضوح الرؤى والاهداف، بالاضافة الى انعدام قدرة السياسة الخارجية على تغيير مجريات الاحداث الاقليمية او الاستفادة منها، فرضت على المسؤول الاردني –اياً كان موقعه- تبريراً واحداً، وهو ان الاردن استطاع ان ينأى بنفسه عن احداث الربيع العربي، وهو دائماً –اي المسؤول- ما يطرح سيناريو الفوضى بديلاً عن الاصلاح، متناسياً بذلك ان النظام الاردني هو اقدم نظام عربي، وان المواطن الاردني لا يبحث عن الفوضى بقدر بحثه عن حياة كريمة اساسها العدل، وانه من الاجحاف ان تُقارَن الدولة الاردنية بدول اخرى طارئة، في حين ان هنالك انظمة ناشئة، استطاعت ان تكسب ثقة مواطنيها وضيوفها، دون ان تتكبد عواقب التخبط والعشوائية.

الاوضاع الراهنة تتطلب تكاتفاً شعبياً ورسمياً، وتوحيداً للصفوف بالمعنى الحقيقي، وتوطيداً لوشائج التعاضد بين المواطن ومؤسسات الدولة، والكف عن تراشق الاتهامات بين الجانبين، وهنا أود ان اقدم التهنئة سلفاً للدكتور هاني الملقي على الثقة النيابية، الا انني أود ايضاً ان أُذكّره بأن المطلوب هو ثقة شعبية، وليس نيابية فقط!

محمد يوسف الشديفات