جولات جون كيري و تصفية القضية الفلسطينية
جمال ايوب

2013 05 27
2013 05 27

61إن جدية الدفع قدما بسلام صهيوني فلسطيني أي بجلب الطرفين الى مائدة التفاوض ينبغي ان نتذكر أن هذه الخطة في اطارها السلبية ، وزير الخارجيّة الأميركي لديه حلم بأن بمقدوره تحقيق ما عجز عن تحقيقه أسلافه الذين سبقوه خلال عشرات السنين وهو التوصل إلى حل للصراع العربي الفلسطيني ـ الصهيوني.

قال كيري لعدد من زعماء المنطقة في مستهل ولاية أوباما الأولى بأن أميركا ستتوصل إلى حل لأزمة الشرق الأوسط في الفترة الرئاسيّة الثانية ، منذ استلامه منصبه أعطى كيري اهتمامًا كبيرًا للصراع الفلسطيني ـ الصهيوني ، فقام بجولات عديدة في المنطقة خلال أشهر قليلة ، بالرغم من أن هذا الملف ليس من أولويات الإدارة الأميركيّة ، فبعد الأولويات الداخليّة التي أبرزتها الأزمة الاقتصاديّة ، هناك الأولويات الخارجيّة مثل العلاقات مع دول آسيا ، والملف النووي الإيراني ، والمتغيرات العربيّة خصوصًا ما يجري في مصر وسورية ، وخاصة السلاح الكيماوي ، ووقوعه في أيدي حزب الله أو إلى حكم غير مناسب في سورية وتصفية حزب الله والمقاومة الفلسطينية.

طلب كيري من الرئيس عباس تجميد توجهه الأممي ، وأن يمنحه فرصة شهرين ليتمكن من التوصل إلى صيغة تسمح باستئناف المفاوضات وكان له ما أراد ، والفترة تكاد أن تنتهي من دون أن يحقق هدفه ، وأفادت مصادر رسميّة فلسطينيّة وغيرها  أن كيري ( لم يطرح خطته حتى الآن ) طلب تمديد المهلة لمدة أسبوعين أو أكثر ، يحيط بجهود كيري جدار سميك من السريّة بحيث لا يتسرب منها سوى القليل ،  اختار كيري إقناع العدو وليس الضغط عليه ، وذلك يتطلب تبنيًا جوهريًا للرؤية الصهيونية للحل ، آخذًا العبرة من فشل رئيسه أوباما في بداية فترة رئاسته الأولى عندما حاول الضغط عليها لوقف الاستيطان ولم يحصد سوى الريح. قام كيري بالضغط على الفلسطينيين والعرب مطالبًا بتغيير وتعديل مبادرة السلام العربيّة لكي يقبلها العدو الصهيوني ، وذلك من خلال إضافة مبدأ تبادل الأراضي وليس تعديل الحدود كما حاولت أوساط عربيّة أن توحي ، خلافًا للحقيقة بعد المعارضة الواسعة للتنازل الذي قدمه الوفد الممثل للجامعة العربيّة برئاسة حمد وتعاون إقليمي ، بمعنى البدء بتطبيق مبادرة السلام العربيّة فيما يتعلق بتطبيع العلاقات العربيّة معها قبل التوصل إلى اتفاقيّة سلام ، بحجة أن العدو بحاجة إلى طمأنة بعد عدم الاستقرار التي تشهده المنطقة بفعل الثورات العربيّة ،  وتغيير ما هو وارد بها بخصوص القدس ، بما يسمح بتقسيم القدس الشرقيّة وفقًا لمبادرة كلينتون ، وبخصوص اللاجئين من خلال التخلص من العبارات التي تشير إلى ” حل عادل ” و” حق العودة ” و ” قرار 194 ” ، والاعتراف العربي بدولة اليهودية.

يسعى كيري إلى توفير غطاء ومشاركة عربية لأنه يدرك أن الفلسطينيين لا يستطيعون تقديم التنازلات الجسيمة المطلوبة منهم ، لهذا السبب نراه يركز على تغيير ” مبادرة السلام العربيّة ” منذ البداية ، وفي هذا السياق جاء توقيع الاتفاقيّة الأردنيّة – الفلسطينيّة المفاجئة حول المقدسات في القدس ، وأدخلت الأردن كطرف مفاوض لتمكين كيري من تفكيك قضيّة القدس ” عقدة العقد ” إلى أجزاء يمكن التعامل معها بسهولة.

تتضمن رؤية كيري العمل على ثلاثة مسارات بصورة متزامنة ومتوازية السياسية والأمنيّة  والاقتصادية ،  المسار الاقتصادي وعد برزمة مشاريع اقتصاديّة ، وتسربت أنباء مخادعة عن المليارات التي ستُصَب ، وأعلن عن موافقة الرئيس عباس ونتنياهو على ذلك ، وهذا يدل على تغير في الموقف الفلسطيني السابق الذي كان يرفض التركيز على الاقتصاد خشية من الانجرار إلى السلام الاقتصادي الذي دعا إليه نتنياهو منذ البداية، ركّز كيري على البدء بالتفاوض حول الحدود والأمن في محاولة لتذليل الخلاف حول تجميد الاستيطان الذي حال دون استئناف المفاوضات طوال السنوات الماضية .

رهان كيري أن العرب الآن في أسوأ أحوالهم في ظل الربيع العربي وتبعية العرب وتجزئتهم وتفتيت بلدانهم وانشغال كل بلد بشؤونها وصراعاتها الداخليّة ، وفي ظل حاجة بلدان الخليج لوقف امتداد ” الربيع العربي ” إليهم ، ووقف التهديد الإيراني الذي يتم تصويره كخطر دائم وأولويّة تسبق أولوية الصراع مع العدو الصهيوني والمشروع الاستعماري الذي تمثله في المنطقة.

كيري سيقدم للعدو صفقة مغرية جدًا يعتقد أنها لا يمكن أن ترفضها بسهولة وهي إقامة تحالف عربي أميركي صهيوني ضد إيران ، وفتنة سنية شيعية ، وفتنة أردنية فلسطينية ، وفلسطينية فلسطينية ، وأردنية أردنية ، وتغيير  مبادرة السلام العربيّة  لكي تصبح مبادرة  صهيونية ، تبدأ باستعداد العرب لتطبيع العلاقات معها والموافقة على مبدأ تبادل الأراضي ، وما يعنيه ذلك من شرعنة للاستيطان ولتقسيم القدس والضفة الغربية ، وتنتهي بالاعتراف كدولة يهودية ، وترتيبات أمنية كاملة للعدو، وبتوقيع معاهدة سلام عربية – صهيونية.

إن العقبة في وجه نجاح جهود كيري أن العدو بالرغم من الاغراءات الهائلة المقدمة له يمكن ألا تقبل بهذه الصفقة ، لأنها تعتقد أن بإمكانها الحصول في المستقبل بعد استمرار تداعيات الربيع العربي على صفقة أفضل منها ،  كما أن جزءًا كبيرًا مما هو مطروح عليه في هذه الصفقة تحت قبضتها فعلًا.

إن ما سبق يفسر ردة فعل نتنياهو على قبول الوفد السباعي لتبادل الأراضي الذي يشكل تنازلًا عربيًا كبيرًا يضاف إلى التنازلات السابقة بما فيها الموافقة الفلسطينية على هذا المبدأ ، بقوله  إن أصل الصراع ليس على الأرض بل على دولة العدو وضرورة الاعتراف بها كدولة يهوديّة ، فالأرض كلها بيد العدو ولا تحتاج إلى مبادلة أراضٍ فيها بل تحتاج إلى الاعتراف بأنها أرض الدولة الموعودة ، وبعد ذلك يمكن وأشدد على كلمة “يمكن”  أن توافق على التخلي عن السيطرة على السكان ، ولكن ضمن ترتيبات وضمانات تسمح بأن لا تقوم لـ الدولة الفلسطينيّة لا الآن ولا في المستقبل. العدو يتذرع بالدفاع عن موقفه المتعنت بأن أي اتفاق مع العرب غير مضمون في المستقبل في ظل ما أكدته الثورات العربيّة بأن لا شيء ثابت في المنطقة ، لا الشعوب ولا الحكام ولا البلدان ، وأن دولة العدو لا يمكن أن تراهن على توقيع اتفاقيات مع حكام معرضين للسقوط ، وخصوصًا وهي تدرك الآن أن أهميتها في الإستراتيجيّة الأميركيّة والغربية للمنطقة ازدادت كثيرًا ، فهي الحليف الدائم والموثوق في المنطقة.

فإن الإدارة الأميركيّة التي فشلت سابقًا في إقناع العدو بتجميد الاستيطان ستفشل بإقناعها في التفاوض والاتفاق على الحدود ، إلا إذا هبط السقف الفلسطيني والعربي إلى الحضيض أكثر ، وهذا ما حصل حتى الآن، حيث رفض نتنياهو المقاربة الأميركية ويطالب بالاتفاق على إعلان مبادئ أولًا، يتضمن الإطار العام للاتفاق حول القضايا الأساسية، وخصوصًا فيما يتعلق بضرورة الاعتراف بدولة يهودية وإنهاء الصراع والكف عن المطالب ، وترتيبات أمنية تضمن دولة العدو في المستقبل.

فليس لدى نتنياهو ما يخشاه إذا استمر في تعنته لأنه يعني استمرار الأمر الواقع المناسب في ظل عدم وجود خيارات وبدائل عربية أخرى ، بعد أن حصل الفلسطينيون على الدولة المراقبة وتصرفوا هم والعرب بعد ذلك وكأن شيئًا لم يحصل.

إن الخطورة تكمن في استمرار اللهاث الفلسطيني والعربي وراء التوصل إلى حل من دون أن يملك العرب أوراق القوة التي تفرضه ، مما يجعلهم مستمرين في مسلسل لا ينتهي من التنازلات ، وبدلًا من حل نهائي خلال عام أو عامين كما يبشر كيري ، سنجد أنفسنا أمام استمرار الأمر الواقع تحت غطاء الاستثمارات الاقتصادية المليارية والكونفدرالية مع الأردن وخطوات بناء الثقة ، أي استمرار الحلول الانتقالية التي تصفي القضية الفلسطينية على دفعات إلى أن تنضج الظروف لتصفيتها مرة واحدة.

إن الخشية الحقيقيّة ليست من فشل كيري وإنما من نجاحه ، لأن ذلك يعني التوصل إلى تصفية للقضيّة الفلسطينيّة تحمل اسم  تسوية وما هي كذلك على الإطلاق .