حرب القرية الصغيرة !

2015 10 06
2015 10 06

يعقوب ناصر الدين (2)العالم قرية صغيرة ، هكذا توقعها عالم السوسيولوجي الكندي الأصل مارشال ماك لوهان في كتابه الشهير ” الحرب والسلام في القرية الكونية ” وهكذا هو بالفعل ، مع الاحترام لوجهة نظر السياسي الأمريكي من أصل بولندي ” زبغنيو برجنسكي ” الذي فضل تعبير المدينة الكونية بدلا من تعبير العولمة والقرية الكونية الصغيرة على اعتبار أن حياة ومجتمع القرية ليس مناسبا لوصف التشابكات الدولية في عصر التكنولوجيا الإلكترونية .

المهم أن العالم اليوم يعيش مرحلة العقل الإلكتروني الموصول بشبكة من الأعصاب الممتدة إلى أجزاء الجسم الكوني ، حتى إذا ما نشبت أزمة هنا ، أو حرب هناك جاءت الإشارات لتشغل بال الكل وتنذرهم بالخطر ، وقد يتطلب الأمر أن تأتي الإشارات بواسطة قادة أو ساسة أو مفكرين يلفتون النظر تجاه قضية معينة من أجل التفاعل والتضامن للتصدي لها ، ووضع حد لمخاطرها ! وليس أفضل مما قاله جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وما عقد على هامشها من لقاءات ومباحثات للتدليل على أن العالم كان بحاجة لمن يصف له حقيقة ما يجري ، ولا يتردد في تسميته بحرب عالمية ثالثة ، فهي بالفعل عالمية بشكل مختلف عن الحرب العالمية الأولى والثانية ، بل هي أكثر خطورة لأنها أكثر تعقيدا وغموضا ، سواء في أسبابها أو وأسلحتها أو ضحاياها أو نتائجها .

هي حرب دائرة في عالم القرية الصغيرة ، تستخدم تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات والسلاح أيضا ، وغرفة عملياتها هي ذات العقل الإلكتروني الذي يحتفظ بالذاكرة التاريخية بما في ذلك الأديان والمذاهب والأعراق وغيرها مما يتحكم في اتجاهات الإنسان ورغباته وموروثاته السلبية والايجابية ، وإلا كيف يمكن تفسير هذا المستوى من الانحطاط البشري حين يغلف القتل والدمار بنصوص دينية محرفة عن سياقها ومرادها العظيم ؟

تلك حرب تستهدف العقل البشري من حيث هو عقل إلكتروني مجرد من الأحاسيس ، وذلك ما أراد جلالة الملك أن يلفت الانتباه إليه ، فلا يجوز أن يفهم الوضع الراهن بمعايير قديمة ، وتتخذ المواقف على أساس المصالح ولعبة النفط والغاز والقواعد العسكرية ، فقد تجاوزت حرب الخوارج كل الحدود ، والمدن والقرى تأن تحت وطأة الظلم والتخلف وشهوة السلطة والتعذيب ، أما الضحايا من اللاجئين فقد وضعوا العالم أمام اختبار أخلاقي خطير ، وأصبحت الدول كبيرها وصغيرها ، قويها وضعيفها مدعوة للدفاع عن آدميتها !

من هنا تكمن أهمية تحديد طبيعة تلك الحرب بالطريقة التي وصفها جلالة الملك ، وبالدعوة إلى تكافل الأمم المتحدة لدرء مخاطرها ، ووأد أسبابها ، وخلق نظام عالمي جديد يسوده العدل والمساواة في الكرامة الإنسانية وفي التنمية والأمن ، فلا يمكن أن تكون الفوارق كبيرة في قرية صغيرة .

الدكتور يعقوب ناصر الدين

yacoub@meuco.jo www.yacoubnasereddin.com