حلم الباحثين عن الدفائن الثمينة

2016 03 23
2016 03 25

a52800273c202d180511b1e9e6e47eddصراحة نيوز – منذ ماضٍ ليس ببعيد بدأ “محمود”، عمليات البحث عن الدفائن من مقتنيات أثرية وذهبية، أملاً في تحسين وضعه المعيشي منطلقاً من الروايات التي تتوارثها الأجيال عن وجود “الدفائن الثمينة” وبخاصة في المناطق الأثرية في مختلف مناطق المملكة، فكانت البطالة والفقر والطمع في تحقيق الثراء السريع ، من أهم دوافع اقباله على هذا العمل الذي وصفه ” بالأشغال الشاقة “.

يكتشف (محمود)، من خلال محاولات البحث عن “الذهب” التي تستمر شهورا أحياناً، وما يتبعها من عمليات حفر شاقة تستمر لساعات طويلة ضمن سلسلة أيام، وحالة الترقب والخوف التي يشعر بها، ومن معه أثناء عملية الحفر، أنهم كانوا يبحثون عن المجهول أو كان هناك من سبقهم لهذا المكان واستولى على ما في داخله.

ويروي عن وجود العديد من عمليات الإحتيال التي تتم بحق الباحثين عن الدفائن، والتي غالباً ما تتعلق ” بالسحر والشعوذة والرصد والقدرة على كشف الذهب، وفك رموز الطلاسم والقدرة على التعامل مع الجن ….”، معتبراً أن كل هذه الأشياء هي “خرافات” وليس لها أي أساس من الصحة وإنما عادةً ما تستخدم بقصد الإحتيال والنصب على “اللاهثين” وراء تحقيق الثراء السريع، والذين يستندون على أفكار ليس لها أي إسناد علمي وديني على حد رأيه.

ويوضح أن الإحتيال لا يقف عند هذا الحد وإنما يمتد إلى بيع آثار مزورة وفق أساليب وطرق “إحترافية” يقع ضحيتها العديد من الباحثين عن الدفائن والآثار.

وحول حقيقة وجود طرق قانونية للبحث عن الدفائن من خلال التعاون مع جهات رسمية معينة، يبين بأنه قد سبق وعلم بهذا الأمر لكن دون معرفة تفاصيل ذلك سوى النسبة المقررة لمن يجد “الدفين” والتي يقول بأنها من 20 إلى 25 بالمائة من قيمته، الأمر الذي اعتبره ، “لا يكفي وغير عادل وغير مضمون”.

وفي ذات السياق، يخالفه “أبو خليل” حول حقيقة وجود “الرصد”، مبيناً بأن هذا “الحارس السحري” على الدفين هو حقيقة وليست خيال، مستشهداً بكثير من القصص التي حدثت معه هو والعديد من أقاربه وأصدقائه الذين يبحثون عن الدفائن، حيث رأى الكثير من العلامات التي تؤكد وجود الرصد مثل ( أفاعي، عقارب، حيوانات مفترسة، ….)، مشيراً الى أنه يجب التفريق بين الرصد وحقيقته والعوامل الطبيعية الأخرى، التي قد تصاحب عملية الحفر والبحث، فقد تحدث حالات من ضيق التنفس وارتفاع حرارة الجسم والشعور بالصداع والدوار وغيرها من الأعراض التي يمكن أن تحدث نتيجة طبيعة المكان وظروفه (رطوبة، مكان مغلق، العمق، الخوف،…)، معتبراً أن الفقر والبطالة والفراغ واليأس من الواقع، كانت الأسباب الرئيسية وراء البحث عن الدفائن.

ويشير بأنه غالباً ما يتم الإستعانة بالروحانيين (الشيوخ)، لفك الطلاسم والرصد لإخراج الكنوز، وخاصة عندما تتوفر علامات واشارات تثبت ذلك، لافتاً بأن أغلب الروحانيين تفشل محاولاتهم ،إضافة إلى ما يتلقوه من مبالغ طائلة جراء عملهم “غير المجد”.

وحول كيفية تسويق الدفائن (الذهب والآثار) والتأكد من سلامتها وعدم تزويرها بعد إخراجها، يقول أبو خليل هناك خبراء يحددون قيمة ” الدفين” وتاريخه، ومن ثم يقومون بشرائه أو العمل كوسطاء لتجار الآثار والكنوز، لافتاً بأنه عادة ما يستغلوا الباحثين كونهم لا يستطيعوا البيع، إلا من خلالهم خوفاً من كشف أمرهم وتعرضهم للمسائلة القانونية والملاحقة الأمنية.

ويشير أستاذ الآثار والانثربولوجيا في جامعة اليرموك الدكتور زيدان كفافي، أن المادة الأثرية هي جزء من التراث الملموس، والتي تعد بمجملها وثائق مهمة للهوية الوطنية العربية والإسلامية، إلا ان نفر من الناس يقومون “بالعبث” بهذه الآثار للحصول على ما يعتقدون بأنه ثمين، ومعتمدين على ما تناقلته “الروايات الوهمية” التي تشير في مجملها عن الثراء الفاحش ،الذي وصل إليه بعض الأشخاص نتيجة حصولهم على الذهب.

ويؤكد أن أغلب الذين يعملون في مجال التنقيب عن الدفائن تبوء محاولاتهم بالفشل، حيث لا يجدون أية أشياء كانت في مخيلتهم، إلا في حالات نادرة جداً قد يعثر البعض فيها على قطع أثرية بسيطة لا تبلغ قيمتها المادية كثيراً مقابل قيمتها الأثرية.

ويلفت إلى أن مادة “الذهب” غير متوفرة في الأردن، والمتوفر هو إما حلي أو مجوهرات أو قطع من العملات القديمة بنسب محدودة، مبيناً بأن عدد القطع الذهبية تعد قليلة ونادرة، مقارنة بما يتناقله الناس في أقوالهم ومجالسهم عن ذلك، نافياً وجود ما يسمى “بالرصد” أو حارس الذهب . ويبين أنه يكمن لمن لديه ” الهواية” في هذا المجال الحصول على “رخصة مشروطة” للبحث عن الآثار، حيث يستطيع العمل بشكل قانوني ودون مسائلة بموجب القانون.

وحول ما يتم توارثه حول ” كنوز الإسكندر المقدوني” يقول كفافي، إن هذا الأمر هو مؤامرة “غير مقصودة” في عقول العديد من الأفراد لتدمير التراث العربي والإسلامي، نافياً بالوقت ذاته وجود هذه “المغارات” في الأردن لعدة جوانب أهمها؛ عدم وجود إثباتات علمية وتاريخية حقيقية عن قدوم الإسكندر المقدوني لهذه الأرض وإستقراره فيها بوجه عام.

ويؤكد بأن الأرض الأردنية بكاملها عباره عن متحف مفتوح ومليء بالمواقع الأثرية التي يمتد تاريخها لأكثر من مليون سنة ولغاية 1750 ميلادي، الأمر الذي يؤكد ضرورة وجود “حس قومي” لحماية هذا التراث العظيم، داعياً إلى الإهتمام بتاريخ وآثار وجغرافيا وطبيعة هذه الأرض.

ويقول عميد كلية الشريعة في الجامعة الأردنية الدكتور محمد الخطيب، ان الدفائن والمقتنيات الأثرية الموجودة في أي أرض هي ملك للدولة وليست للأفراد، حيث أنها تهم المجتمعات البشرية والدول كونها تدل على التاريخ والحضارة، لافتاً بأنه لا يجوز للأفراد بأن يستولوا عليها أو السعي لإمتلاكها، وذلك أن وجودها بين الأفراد يؤدي إلى بيعها لغير مستحقيها في خارج هذه الدول.

ويبين بأن ما يقوم به العديد من الباحثين عن الآثار من محاولات لفك “الطلاسم” والتعامل مع الجن لإخراج “الدفين” وكشفه، يعتبر محرماً شرعاً، حيث يستعين العديد منهم بالمشعوذين والسحرة ليقوموا بأعمال غير شرعية، ما يؤدي إلى وقوعهم في طرق إحتيال كبيرة، والتي قد تؤدي إلى إفلاس بعضهم نتيجة لما يقومون بدفعه من مبالغ مالية طائلة لهؤلاء المشعوذين، مستذكراً قول الرسول صلى الله عليه وسلم ” من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد”.

من جهة قانونية، يقول المحامي عاصم ملكاوي إن القانون قد تصدى لمثل هذه الحالات التي تهدف إلى العبث بمقدرات الوطن وثرواته المادية والمعنوية، مشيراً إلى أن المادة “14” من قانون الآثار رقم “21” لسنة 1988 وتعديلاته نصت على “يحظر على أي شخص طبيعي أو معنوي القيام بأية حفريات في المواقع الأثرية بحثاً عن الدفائن الذهبية أو أية دفائن أخرى”، موضحاً بأن هذه المادة تعاقب على من يقوم بالشروع في عملية البحث عن الدفائن والآثار وليس من وجد قطع أثرية أو ذهبية فحسب.

ويضيف أن المادة “27” من ذات القانون نصت على “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهرين ولا تزيد عن سنتين أو بغرامة لا تقل عن 500 دينار، وبما يتناسب مع قيمة الأثر كل من اكتشف أو عثر على آثار صدفة أو علم باكتشافه أو العثور عليه ولم يبلغ وفقا لإحكام القانون”، مبيناً بأنه بموجب هذه المادة فإنه يعاقب ليس من قام بعملية الحفر فحسب، وإنما على من عثر أيضاً على قطع أثرية أو ذهبية، مؤكداً أن الهدف من هذه القوانين المحافظة على الأماكن الأثرية وعدم العبث بها أو الإساءة لمنظرها العام لما تحتويه من قيمة تاريخية مهمة، وعنواناً لحضارة الوطن وهويته.