حوار مع المبدع الجزائري “نورالدين برابج”

2014 03 25
2014 03 25
barabeg

حول طرحه مشروع لانتاج أعمال مسرحية وسينمائية لفئة الصم والبكم

حاوره: مريم ابراهيمي- ميلود حميدة – بن سالم المسعود

الجزائر صراحة نيوز – منقول

في رحلة عودته من منطقة الجنوب، عرّج ابن عاصمة الحضنة المبدع “برابح نور الدين” على مدينة الجلفة أين نزل ضيفا بمقرّ جريدة “الجلفة إنفو” الإلكترونية، التي كان يربطه بها الفضاء الافتراضي على شبكة الأنترنت. لنكتشف من خلال حوارنا معه أنه واحد من المبدعين “الإنسانيين” من الذين لم تتوقف إبداعاتهم واهتماماتهم عند فن التصوير الفوتوغرافي، والإنتاج السمعي البصري، وفن المنمنمات والمشاركة في المعارض عبر كل مناطق الجزائر، بل  تعدّت إبداعات واهتمامات “نور الدين” إلى التفكير في فئة “الصم البكم” التي مازالت محرومة من الاندماج في المجتمع عبر إنتاج بصري مكيّف وخاص بهم..

أوّلا … من هو برابح نور الدين ؟

برابح نور الدين هو موظف بمدينة المسيلة. من المهتمين بميدان السمعي البصري خصوصا التصوير الفوتوغرافي وصناعة المنمنمات من الصور الملتقطة. متحصّل على دبلوم منتج برامج إذاعية وتلفزيونية. صاحب مشاركات في عدّة معارض وطنية عبر الولايات.

لديّ عدّة مشاريع في ميدان السمعي البصري، وأحملها كمبادرة شخصية، وأسعى إلى تحقيقها. وأهم مشروع جماعي أسعى إلى تحقيقه هو لمّ شمل مجموعة من المهتمين بميدان الإنتاج السمعي البصري (المسرح والسينما خصوصا) من أجل إعادة إنتاجها وتكييفها لصالح فئة “الصم والبكم” وذلك لإخراجهم من العزلة التي هم فيها بسبب إعاقتهم.

تكييف الأعمال السمعية البصرية لصالح فئة “الصم البكم” هو فكرة إنسانية في الأصل، كيف جاءتكم هذه الفكرة؟

الحقيقة أن هذه الفكرة قفزت إلى مخيلتي بمناسبة دعوتي إلى حفل حضرته فئة “الصم البكم”، حيث تم إحياء هذا الحفل بوصلات غنائية في الوقت الذي كان فيه الضيوف من فئة الصم البكم مُنزَوين على جهة ولا يمكنهم التمتع بمجريات الحفل، لأنهم يشاهدون ولكنهم لا يسمعون شيئا ولا يفهمون ما تشدو به الحناجر. وهكذا تبادر إلى ذهني أن ندمج تلك الفئة عبر أعمال فنية مسرحية أو سينمائية يكونون هم فيها المؤدّين ونحن الجمهور. وهذا عبر أعمال فنية تتضمن رسائل وسيناريو بلغة الإشارات.

أي عمل فني مسرحي أو سينمائي لابد له من طاقم متخصص، فكيف سيكون الأمر مع مشروعكم المكيّف الذي سيتطلّب لغة خاصة وممثّلين غير عاديين؟

ما دمنا نتعامل مع فئة الصم والبكم وأن المشروع سيكون بلغتهم العالمية، فلا بد إذاً من وجود مختصين في لغة الإشارة بمعية الممثّلين، وحبّذا يكون الممثلون من الأطفال الصغار بمعية أساتذتهم من المراكز الطبية البيداغوجية التي تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة. وبقية الطاقم الفني الذي يتوفر في كل الأعمال الفنية، مثل المخرج والسينوغراف والسيناريست وكاتب النص المسرحي وغيرهم، لإنتاج مسرحيات أو أفلام قصيرة. حيث ستكون أفلاما صامتة ومسرحيات صامتة (مسرح الباتوميل) لأنها تعتمد لغة الإشارة في الأداء على الركح أو وراء الكاميرا. علما أن مسرح الباتوميل يعرّف بأنه “مسرح يعتمد الشكل التعبيري الذي يعبّر رمزيا عن مجموعة من القضايا. والصمت يؤدي وظائف ايجابية أكثر من المسرح الحواري حيث تستخدم فيه قسمات الوجه المعبّر”.

يعني أنه سيكون هناك دور كبير لأساتذة الإشارة في ترجمة السيناريو والنص المسرحي؟

طبعا، خصوصا ما دام أنه سيكون مطالبا بعمل مزدوج بالتعامل مع المخرجين والممثلين من فئة الصم البكم. ويمكن أن يكون الجمهور الحاضر للعمل الفني المكيّف من كل أطياف المجتمع. مادام أساتذة الترجمة سيقومون بالترجمة الكلامية أثناء أداء ممثّلي الصم البكم لأدوارهم المسرحية. وفي حالة الأعمال السينمائية كالأفلام القصيرة يمكن استخدام الترجمة على الشاشة. ولنا آفاق مستقبلية في أن يكون هناك مختصون في لغة الإشارة يترجمون الأعمال المسرحية والسينمائية لصالح فئة الصم البكم الذين يحضرون العرض بصفة عادية مع بقية الجمهور. يعني في كل الحالات نسعى إلى إدماجهم وإشراكهم في دمج أنفسهم وتبليغ رسائلهم. كما لا يجب أن ننسى أن “مدرسة التمثيل الصامت” مدرسة عريقة ظهرت مع عملاق السينما الصامتة “تشارلي تشابلن” وتطوّرت على يد عدة مخرجين.

لماذا لا يكون الممثّلون والمؤدّون لهذه الأعمال الفنية أناسا عاديين ويتقنون لغة الإشارة؟

أعتقد أن عنصر الصّدق في الأداء سيكون هو الفارق بين ممثل من فئة الصم البكم لا يعرف في الدنيا سوى لغة الإشارة ولا يتواصل إلا بها، وممثّل عادي يتقن هذه اللغة. الصدق في الأداء على الخشبة والإيمان بالفكرة والرغبة في إيصال الرسالة إلى الجمهور سيكونان بطريقة أكثر احترافية وأكثر تصميما.

هل تعتقد أن ممثلا من فئة “الصم البكم” سينجح مثلا على خشبة المسرح؟

أنا أومن أشدّ الإيمان بأن أي شخص من فئة “الصم البكم” لديه القدرة على الوقوف على الخشبة وأداء دوره على أحسن ما يكون، لأنه يختزن الكثير من الكبت الداخلي ويبحث عن الوسيلة التي يعبّر من خلالها عما يريد قوله. ولا ننسى هنا أنه سيستخدم تقاسيم وجهه أفضل بكثير من الإنسان العادي مادام حافزه هو إخراج مكبوتاته على الركح. وكأني بطريقته في التمثيل تشبه بركانا قد ثار للتو وأخرج كل ما كان بجوفه.

لو نتحدث بصراحة.. أغلب الأعمال التلفزيونية والمسرحية للجمهور العادي هي تكريس للرداءة وإهدار لحق المشاهد العادي في المتعة والفائدة.. كيف سيكون الأمر مع جمهور من نوع خاص؟

والله أنا تبدو لي أن الأعمال التي ستنتج لصالح الصم البكم ستكون أحسن وأصدق تعبيرا، ورسالتها الفنية أعمق تأثيرا ما دمنا نملك ممثلين يريدون فرصة لإخراج مكبوتاتهم. وحَسْبُنا ذلك لنؤمن بنجاح العمل الفني المذكور.

ماهي آفاق هذا المشروع في حال إنتاج أعمال فنية منه؟

يجب أن نعلم أن إشارات الصم والبكم هي رموز عالمية وهذا وحده يكفي لأن نقول بأن أي عمل مسرحي أو سينمائي خاص بالصم والبكم سيصل إلى العالمية، ولن يقف في طريقه عامل اللغة أو عائق اللهجة أو بذل مجهود آخر في الترجمة أو الدبلجة. وأعتقد أنه بتحقيق هذا المشروع ستجد فئة “الصم والبكم” وسيلة للمساهمة إيجابا في بناء المجتمع ومعالجة القضايا التي تهمّه بواسطة أعمال فنية. ولم لا نكون نحن من هم بحاجة إلى نصح ووعظ وإرشاد من طرف فئة الصم والبكم؟ ثم لماذا لا تكون هناك نسختان من كل عمل سينمائي أو مسرحي؟ واحدة للناس العاديين والأخرى لفئة الصم البكم؟ هذا ليس بعيد المنال. ونتمنى أن تكون المبادرة هذه المرّة لوزارة الثقافة وليس وزارة التضامن حفاظا على مشاعر تلك الفئة.

لو نعود إلى واقع فئة الصم البكم في الجزائر، كيف تصفونه من خلال اهتمامكم بهذه الفئة؟

الحقيقة أن فئة الصم البكم في الجزائر هي فئة مهمّشة جدا. وحسب الإحصائيات المتداولة فإنه يوجد في العالم العربي حوالي 10 ملايين شخص من هذه الفئة، وهو رقم لا يستهان به. والواقع أن الجمعيات المهتمة بهذه الفئة تعاني هي الأخرى من عدة عراقيل ومشاكل مثلما هو الأمر مع جمعية الصم البكم لولاية برج بوعريريج. وقد سمعنا مؤخرا عزم الفيديرالية الجزائرية للصم البكم في تنظيم اعتصام بالجزائر العاصمة للمطالبة بحقوق هذه الفئة. وأبسط مثال بخصوص فئة الصم البكم في الجزائر هو تكوين أعوان الضبط القضائي بالمحاكم الجزائرية بمدرسة كتاب الضبط بالدار البيضاء حول لغة الصم البكم. وللأسف هذا التكوين كان قصير المدى من جهة. ومن جهة أخرى القضايا الخاصة بفئة الصم البكم نادرة جدا، وبالتالي فإن كاتب الضبط القضائي المتخصص سوف ينسى ما تعلمه في التربص الذي لم يتبع بدورات رسكلة وبسبب عدم استعمال تلك اللغة بشكل رسمي. وهنا كان من الأجدر التعامل مع أساتذة لغة الإشارة كمترجمين رسميين بالمحاكم بخصوص لغة الإشارة.

وبشأن الاهتمام بهذه الفئة في الجزائر من ناحية الإنتاج الفني، ففي حدود علمي لا يوجد هناك أعمال فنية خاصة بهم، مثلما هو الأمر في بعض الدول العربية كالمملكة العربية السعودية التي أنتجت فيها مسرحيتان من أداء ممثلين من الصم البكم وكذلك ما سمعناه من أصداء عن السعي إلى تأسيس مسرح الصم البكم في مصر.

وماذا عن مشروعكم الخاص بهذه الفئة والصعوبات التي تجدونها في هذا المضمار؟

الحقيقة أنني سعيت واتصلت ببعض مديريات الثقافة، وعرضت عليهم الفكرة وكل ما وجدته لديهم هو التجاهل، لأنهم لم ينظروا إلى البعد الإنساني للفكرة. ونسوا أو تناسوا أنه يمكن أن يكون أحد أفراد أسرتهم من هذه الفئة التي هي “قضاء وقدر” كلنا لسنا بمنأى عنه.

ومن جهة أخرى لدينا عائق يتمثل في ذهنيات بعض أولياء الأطفال الصم البكم. حيث لا يسمح بعضهم لأبنائهم بالمشاركة في أعمال مسرحية وتلفزيونية والظهور باعتباره أصم وأبكم. أما بالنسبة للجانب التقني فأعتقد أنه يجب أن يمرّ كل من الطاقمين الفني للعمل المسرحي أو السينمائي والأساتذة المترجمين بدورات للرسكلة لكل منهم في ميدان الآخر. لا سيما في لغة الإشارة وكيفية التعامل مع فئة الصم البكم من جهة. ومن جهة أخرى كيفية التعامل مع الخشبة والمشاهد السينمائية.