“خبيزة” الفقراء وموازنة الأثرياء

2014 01 19
2014 01 19

301كتب نضال منصور

سألت أصدقائي على الفيسبوك، ما هي أكثر قضية أردنية ملحة، ولها الأولوية، ومن الضروري أن أكتب عنها؟!.

استفاض أصدقائي في مقترحاتهم للكتابة، وسأقتبس دون ذكر أسمائهم لأنني لم أستئذنهم في النشر، الأول طلب مني تسليط الضوء على زيارة نتنياهو، وبالمناسبة الشارع الأردني غير مرتاح، ويشعر أن هناك طبخة سياسية، فهي تأتي بعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي كيري، وبعد لقاء الرئيس الفلسطيني أبومازن، وهناك ثلاث ملفات مفتوحة، الفلسطيني، السوري، الإيراني.

والصديق الثاني أسدى لي نصيحة بأن أكتب عن التشوية الذي لحق بمفهوم الولاء والانتماء، والثالث طالب بالحديث عن اقتناء الناس للأسلحة، وبشكل لافت، وأكثر من صديق أصر على ضرورة إثارة تراجع منظومة الأخلاق في الأردن.

أكثر التعليقات أثارت قضية الموازنة والوضع الاقتصادي الصعب للمواطن، وغلاء الأسعار للسلع والخضار، فحدثني أحدهم أن أكتب عن “الخبيزة” الأكثر رخصاً الآن كغذاء للفقراء، فتدخل آخر ممازحاً أن أبتعد عن ذكرها حتى لا يتفطن الرئيس النسور فيرفع سعرها!.

نعم، موازنة الدولة ترتبط بكل القضايا المعيشية للأردنيين، ولست خبيراً مالياً أو اقتصادياً لمناقشة أرقامها، ولكن استوقفتني ملاحظات ترتبط بها.

الملاحظة الأولى خلال 25 عاماً من عودة الحياة البرلمانية في الأردن منذ عام 1989، لا أتذكر أن هناك موازنة قدمتها حكومة ورفضت، والسمة الأبرز أن كل الخطابات الرنانة والمعارضة ليست أكثر من مهرجان خطابي أو حفلة “زار”، والأهم أنه بعد إقرار الموازنة من قبل البرلمان لا يراقب النواب والأعيان مدى التزام الحكومة بإنفاذها والالتزام بتوصياتهم!.

المضحك والمبكي وهي الملاحظة الثانية، أن جلسات الثقة بالحكومة وإقرار الموازنة هما أكثر ما ينصب عليه الاهتمام برلمانياً وإعلامياً وشعبياً، ولكن النواب هذه المرة أظهروا لا مبالاة فريدة في حضور الجلسات، فقانون الموازنة  أقر بموافقة 57 من أصل 102 حضروا الجلسة، وغياب 47 نائباً، وحين كتبت منتقداً ذلك على التويتر، أجابني النائب والصديق طارق خوري موضحاً بأن 11 نائباً من اللجنة القانونية يشاركون بمؤتمر في لندن بدعوة من مجلس العموم البريطاني، فتسائلت: أليس الأولوية هو حضور جلسات الموازنة على المشاركة في مؤتمر خارجي مهما كانت أهميته، ولماذا توافق الأمانة العامة على سفر كل هؤلاء النواب في هذا الوقت الذي يتطلب وجودهم، وأين البقية الذين غابوا حتى دون عذر وهم متواجدون في الأردن؟!.

المحطة الثالثة التي استوقفتني، كانت غياب آليات الرقابة والبحث الجاد في الموازنة المخصصة للقوات المسلحة، والديوان الملكي، فرغم أنها خطوة إيجابية استدعاء رئيس الوزراء باعتباره وزيراً للدفاع ورئيس الأركان، وأيضاً أمين عام الديوان الملكي لمناقشة موازنتهما، إلا أن منع الإعلام من حضور جلسات المناقشة يشي وكأن هناك أمراً سرياً لا يمكن إماطة اللثام عنه، وهو أمر لا يجوز في موازنة الدولة المطروحة للنقاش والتدقيق.

النقطة الأخيرة المثيرة للاهتمام إقرار موازنة تصل إلى 8 مليارات دينار، في حين أن الإيرادات المتوقعة لن تصل إلى 6 مليار، وهذا يرتب عجزاً يزيد عن المليارين، مما يزيد من مديونية الدولة في ظل شح الموارد وارتفاع فاتورة الطاقة ووضع إقليمي مضطرب.

لم أسمع أصواتاً نيابية تطالب بتخفيض موازنة الإنفاق العسكري، وهي التي تلتهم جزءاً كبيراً من الموازنة، وتذكرت حين دق رئيس الوزراء الأسبق عبدالكريم الكباريتي جرس الإنذار محذراً من تزايد الإنفاق العسكري حين كان مقرراً للجنة المالية بالأعيان، وبعدها أستُبعد ولم يُتجاوب مع طلبه.

الموازنة تواجه تحديات كبيرة، ولا يجوز للحكومة أن تلجأ لأسهل الحلول لتوفير الإيرادات بتحميلها للمواطن رفعاً للأسعار أو ضرائب جديدة، ولفت انتباهي كلام كتلة التجمع الديمقراطي بضرورة معالجة قضية التهرب الضريبي عند الأثرياء طبعاً، والتي يتوقع أنها تزيد عن المليار دينار.

باختصار؛ موازنة الدولة يستفيد منها الكبار، ويدفع ثمنها المواطنين “الصغار”، والغلابى ممن يأكلون الخبيزة، والخاسر بالتأكيد الأردن!.