خطب دولته وأعطى معاليه

2014 12 08
2014 12 08

ukjfبقلم : جمال الدويري

تبا لدولته وسحقا لمعاليه, وكم شديدة هي بلوى الأرادنة بمسؤوليهم وأصحاب الالقاب العليا بين ظهرانيهم؟ يدفئون كراسي الوظيفة العامة لسنوات وعقود بلا طعم ولا لون ولا رائحة, الا من رحم ربي, وعندما يعتقد الشعب أن التقاعد وسن اليأس عند هؤلاء قد رحمنا منهم, وأخلوا مواقعهم الى غير رجعة, وأراحوا واستراحوا, حتى نتفاجئ بإحالتهم الى “متحف الشمع الملكي” ليتبوأوا مقعدهم الدائم هناك, او وضعهم مثل “عطبة” على مكان حساس ما من أجسادنا لا فكاك منها الا بالموت أو الحرق, وكلاهما ألم بلا أمل.

فبعد أن عجزوا عن قيادة الوطن الى بر الأمان وشاطئ السلم السياسي والإجتماعي والإقتصادي والأمني, لا بل وأغرقوه في فيضان المجهول والمديونية الكارثية, فإنهم يتحولون الى قيادة جاهات الخطبة وعقد القران, وإخراج “العرائس” من بيوت أخوالهن, وتصدّر مآدب الأفراح والأتراح وحتى مراسم الختان والصلحات السياسية في الحواري والأزقة, اينما وجدت.

يعتقد هؤلاء, بأن نشاطهم المسمى “اجتماعيات” هذا, هو واجب قومي وطني ديني لا مندوحة منه ولا مناص, وأن بقاءهم في الصورة وتحت نظر صاحب القرار ودائرة مشاهدته واهتمامه, تتوقف على المشاركة الحثيثة والمتواترة بهذه المناسبات “الجيوإعلانية” على مدى حدود الوطن الأردني الكبير. وكل راسمال هذه النشاطات هي…ارمي عباتك على ذراعك, والحق الجماعة الى العنوان المذكور في رقعة الدعوة.

أما “شبه الرسميون” منهم, الذين لا يتقنون ارتداء “الحساوية” ومشتقاتها, فما عليهم الا شد رباط العنق والحذاء “اللميع” وشد السير المؤلل الى العنوان المذكور في رقعة الدعوة, من أجل عقد رباط يجمع رأسين بالحلال على وسادة, هو مربوط بالأصل وقبل بروتوكول تشريفهم السامي بأسابيع.

وهناك…وما أدراك ما هناك, فيتقابل الجمعان في طرفي الصيوان او في قاعة ليوان, وفي عيونهم الحسد والغيرة ونظرات التكابر والتعالي والهيجان, رغم سلمية المناسبة وطابعها الفرائحي.

فقد فاز طرف العريس بخاطب من وزن “دولة” في حين اكتفى طرف العروس مرغما, وبسبب ازدحام جدول أصحاب الدولة بالمواعيد بصاحب معالي فقط, فالظرف صيف وموسم متراكم من المناسبات, وقد تأخر القوم بالحجز وتأمين الخاطب من هذا العيار الدسم, ولهذا نرى التفاوت في الخيلاء والكِبر في عيون القومين, هذا وذاك, والذي لا يخفى على كل ملاحظ ومراقب.

حتى وإن فاز الطرفان بصاحب دولة لإتمام المراسم والنطق “بالحكم” والسير على خطى بن زياد على شواطئ الأندلس, فتقفز الى حيز التقييم والتنادد بين الجمعين, عدد المرات التي شكل فيها صاحب دولتهم الحكومة, أو الفترة التي دامت به حكومته, وقد يرتقي التقييم عند التساوي مثلا, الى الترجيح بقرب فلان من صاحب القرار الملك, أو حتى عدد المرات التي قابله بها.

يعني, الفروقات دائما موجودة, وإن انعدمت فسنبحث عنها, لأنه لا يجوز للقوم الفلاني ان يخطبون بما يخطب به القوم العلاني, فهؤلاء من كذا وكذا وأصلهم من كذا وكذا.

وأسال هنا, وما دام أن القوم الفلاني من كذا وكذا, وأنهم ممن ينشدون بجدارة: فلا كعبا بلغت ولا كلابا, فأين حاجتهم إذاً الى صاحب دولة أو صاحب معالي لا يعرفونه ولا يعرفهم ولا هو ممن يعرف اسم عريسهم او عروسهم ولا من أي ماء يشربون, ليكون لهم مبعث فخر ومناددة, وحتى يتصدر الإعلام بعد لويحظات من “المعركة” اسمه وبعض شذرات من عصمائيته الخاطبة قبيل الكنافة بقليل؟

قال لي أحدهم وهو ممن أثق بصدقهم: اتصل بي صاحب الدولة الفلاني سائلا: ” يا زلمه” ما فيش حواليك خطبة عروس, جاهة, طهور, او ما شابه, والله يا رجل من زمان ما فيه النا نشاط ولا صور جديدة.

وهناك من ضرب رقما قياسيا بعدد مرات ظهوره الإجتماعي وسجل عدد فعاليات نوعية أكثر من عدد أيام السنة, مما يُفسر على أنه كان يسارع من مناسبة الى أخرى في اليوم الواحد, حتى “تلَّ” السكر تلابيب صحته وجعل أمام “شوّافتيه” غشاوة, فاصبح يفكر باعتزال الكار والتزام بيت الحِمْية القائم على تجنب الضارات الثلاث, الأبيضان والدسم.

(ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان), وقد يتنابز الزوجان حتى بعد حضور الأطفال بالقول: اصلا لولا جبتولي رئيس وزرا خطبني ما قبلتك يا معفن…فيرد الرجل الغاضب: الحق علينا, أصلا ما هو وقم زقمكو, لا وجايبلنا خلقة وزير لشهرين ونص ما عرف اسمي, ونايب تناول فنجان القهوة بالشمال يردوا علينا.

وربما…أقول ربما, تكبر الشغلة بروس الزوجين ويتواعدا لليوم التالي بالمحكمة الشرعية لإتمام أبغض الحلال, مشان يرضوا أصحاب الدولة والمعالي من خطب ومن أعطى.

وقد اجتمع رهط منهم ذات مناسبة غير وطنية ولا محلية, بأوامر ذات صبغة قسرية, واختلفوا على ترتيب المقاعد والأولويات وقد غصبهم “زنون” أولوية التشريف فغضبوا وكان الحرد سمة الجمعة والإنفضاض.

فأينهم من ضريح الشهيد وصفي التل, أم أنهم يخافونه شهيدا ويخشون ان لا يمنحهم دولته قصب السبق بترتيب الكراسي في رحاب ضيافته؟