داحس والغبراء
احمد محمود سعيد

2013 05 06
2013 05 06

طبعة جديدة من أهم الحروب المروعة المؤلمة التى قامت بسبب السباق هى حرب (داحس والغبراء) ، وقد احتدمت نارها أربعين عاماً بين قبيلتى عبس وذبيان. والسبب الذى اشعل الشرارة الأولى لنيران هذه الحرب الضروس كان السباق الذى أجرى بين الفرسين داحس وكان فحلاً لقيس بن زهير العبسى ، والغبراء وكانت حجراً (أنثى) لحمل بن بدر الذبيانى ، وكان قد تم الاتفاق بين الطرفين على رهان قدره مائة بعير وجعلا مسافة السابق مائة غلوة ومدة التدريب أربعون يوماً. وعند انتهاء مدة تدريب الخيل للسباق قيد الفرسان إلى موضع الإنطلاق وكان صاحب الغبراء قد أعد كميناً من بعض فتيان قبيلته وراء بعض التلال على طريق السباق وأمرهم بالوثوب بوجه الفرس داحس وكان تفوق داحس واضحاً لا شك فيه إلا أنه ما كاد يصل إلى موقع الكمين حتى خرج فجأة الفتيان من المخبأ ووثبوا بوجهه فجفل ووقع وأوقع فارسه ، وبهذا فسح المجال للغبراء للفوز سرعان ما انكشفت المؤامرة ووقعت الحرب لاربعين عاما. يُقال في الامثال العربية ان مجنونا يرمي حجرا في الماء يحتاج لاكثر من مائة عاقل ليُخرجوه واليوم نتسائل بعد ان كثُر المجانين وقلّ العقلاء وبات العالم وخاصّة منطقة الشرق الاوسط تموج على جمر متّقد وبات العقلاء إن وُجدوا إمّا متّهمون او ليس لديهم حيلة . ومن مجانين العالم اليوم اللذين يتزعّمهم نتنياهو ومن بعضهم بشار الاسد واوباما وبوتين واحمدي نجاد ونصر الله والمالكي وكيم جونغ أون وهؤلاء قلّة منهم ولكنّهم يوقدون نارا ويرمون حجارة متّقدة على سطح الكرة الارضيّة . ومن العقلاء وهم قليلون ويحاولون بشتّى الطرق المساعدة في اطفاء الحرائق التي يُشعلها المجانين ولكنّها مهمة صعبة ومنهم على سبيل الذكر وليس الحصر الملك عبدالله الثاني والشيخ خليفة بن زايد آل نهيّان  وميشال سليمان ومحمد مرسي ورجب طيب اردوغان وغيرهم القليل من الواعظين والواعين للمخاطر . وقد كانت المسافة الزمنيّة بين الحرب العالمية الاولى والثانية حوالي عشرون عاما والان مضى على الحرب العالمية الثانية حوالي سبعون عاما فهل ترانا نحن في خضمّ حرب عالميّة ثالثة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي في نهايات الثمانينات من القرن الماضي زنحن لا نحس بها لانها مجتزئة وليست شاملة والان دخلنا في مرحلة التقسيم التي تلي كل حرب والتي ستشهد ترتيبا جديدا لشرق اوسط جديد وكبير بمساحة دوله التي يتشكل منها والوضع السوري هو من اواخر الدول التي سيُتّفق على ترتيبها بين امريكا وروسيا واسرائيل وايران حيث يتم بعدها تقسيم المنطقة وحل القضية الفلسطينية بشكل نهائي بما يرضي اسرائيل ويحفظ امنها لعشرات السنين . ولكن بعض المستجدّات تحدث قد لا تجد لها تفسير واحدا وانما هي تخضع لعدّة احتمالات ومنها الضربات الجويّة الاسرائيليّة في قلب الاراضي السوريّة والذي كانت بالمنظور الامريكي حق لاسرائيل لدرء الاخطار عن شعبها قبل ان تصل الاسلحة المزعومة الى حزب الله والذي يضحض ذلك انه لا يوجد شيئ مثبت حول السبب وفي المنظور السوري هو تأكيد لزعمها بوجود مؤامرة ضدها كبلد مقاوم وممانع والذي يضحض ذلك هدوء الجبهة السوريّة اكثر من اربعين سنة وارضها ما زالت محتلّة . ومن المنظور العربي وقوف العرب لجانب الشعب السوري ضد العدوان الاسرائيلي على اراضيه والاستقواء بمجلس الامن لاستنكار ذلك العدوان . والجهات الثلاث تفكّر باستغلال ذلك العدوان لصالحه فالظام السوري امامه طريقان اولهما ان يرد بضربة مؤلمة توقع خسائر بشرية اسرائيلية كبيرة ليستعيد الاسد شرعيته محليا وعربيا وهذا مسبعد جدا وإن حصل ستكون الحرب الاقليمية على الاقل والطريق الاخر هو الاتفاق مع الاسرائيليين على شكل حرب دون خسائر على الجانب الاسرائيلي تستمر حتى موعد الانتخابات السوريّة عام 2014 حيث يضع حل دولي للازمة السوريّة بشراكة امريكية ايرانية روسية وبموافقة عربية وهذا الطريق الاقرب للحل . اما اسرائيل فلها هدفان اولهما ان تحافظ على جبهتها السوريّة هادئة وتريد حراسا مخلصين كالاسديين او جماعتهم في الحكم سواء من الموالاة او المعارضة وثاني اهدافها ان تتخلّص من خوفها من ترسانة الاسلحة النووية الايرانيّة ومن تهديدات حزب الله للمناطق الشمالية فيها حتى لو كان ذلك بتوريط امريكا بحرب اقليمية تضع اسرائيل شروطها لنهاية تلك الحرب . فاذا استمرت الحرب في الجاهلية بين عبس وذبيان اربعون عاما بسبب داحس والغبراء فكم ستطول الطبعة الجديدة للحرب ان وقعت بين داحس الاسرائيلي والغبراء العربية السورية في ظل تدخل محتمل ايراني امريكي روسي واين سيقف الجاهليون العرب من تلك الحرب .