داعش وهوية مخترعيها – جمال الدويري

2014 09 01
2014 09 01

74لو جاء أحد اليوم بمسطرة وقلم ووضعهما فوق خريطة الوطن العربي, ورسم خطوطا جديدة تلغي السابقة وتقسم من جديد وتحرك حدودا وتضع أخرى, لاستفز هذا العمل الكثيرين من العرب وحركهم للإحتجاج وربما الرفض والمقاومة,

أما عندما يصنع لنا هذا الأحد داعشا وأخواتها, مثلما أتحفنا من قبل بالقاعدة وفروعها, ويُمكّنها من الجغرافيا والديموغرافيا الى حين, فتحرك هذه الحدود من جديد وتقتل وتذبح وتفتك بالبشر والحجر في منطقة لا ينقصها الموت والدمار والويلات والتقسيم,

فيكون هذا الأحد قد حقق الكثير من غاياته وأهدافه بأقل الخسائر والكلف.

وعلى رأس هذه الغايات والأهداف:

أولا, إحتواء أطراف المعادلة في المنطقة, وخاصة ايران النووية, وزجهم في حرب طائفية بغيضة مستدامة تأكل الأخضر واليابس, كان أول عناوينها المعلنة قبل سنوات مصطلح “الهلال الشيعي” وما تبعه من شرذمة العراق وتشظية سوريا.

ثانيا, ومن أجل تسهيل تشكيل حلف غربي جديد لترويض المنطقة وإدارة مواردها, فقد جاء فكر وممارسات داعش الخارجة للتو من ماكنات الصناعة ودهاليز المخابرات العالمية وأحابيلها, مفرخا دواعش كثر صبغتهم التطرف والمغالاة, لديهم الإستعداد للتوظيف والعمل بالإنابة.

ثالثا, وبعد نكوص البعض في المسألة السورية وتخاذلهم عن الحسم ووقف النزيف المستديم, الذي كان غاية بحد ذاته, وبعد أن أدرك هذا البعض خطأ قراره المتردد, فإنه حسب اعتقادي والمؤشرات الموضوعية, قد عقد العزم أن يترك لداعش القيام بالمهمة القذرة على الأرض لتحجيم من يريد وإظهار من يريد, ومن ثم القدوم جوا لقطف ثمار النصر والبطولة والإجهاز على داعش أولا.

رابعا, وحتى تكتمل صورة الشرق أوسط الجديد التي يعمل عليها هذا البعض ومن يدور في فلكه, كان لا بد أخيرا من توظيف بعض الكيانات الإقليمية التي ما زالت خارج إطار اللعبة, شكلا على الأقل, للقيام ببعض المهمة وتنفيذ تفصيلاتها المرسومة أصلا, وربما دون توريط جغرافيا هذه الكيانات بحرب شرسة قد تكون طاردة للديموغرافيا الجديدة التي يجب استيعابها لديها.

خامسا, وما يهمنا كثيرا هنا في الأردن, أننا لم نعد بعيدين كثيرا عن الإنزلاق الى حرب استباقية على مبدأ دفع الأذى الداعشي, وكما خطط  لنا هذا الاحد وخارج الحدود, بعد أن هيأوا لها بمقولات كثيرة ليس آخرها, تصنيف الجيش الاردني المتقدم على سلم العسكرية العالمية والتصريح الرسمي المتواتر مؤخرا بأن داعش قد اصبحت قاب يومين أو أكثر من الأردن.

سادسا, وحسب الوقائع الموضوعية وتسلسل الأحداث الإقليمية والدولية, من حرب التحريك العربية عام 1973 ومصطلح بلقنة المنطقة الذي حلف عليه الصهيوني العريق هنري كيسنجر, الى امبراطورية داعش الكبرى التي ولدت سفاحا وبحمل لم يدم حتى تسعة أشهر, ومرورا بمسرحية الحادي عشر من سبتمبر السخيفة وحرب الثماني سنواب على البوابة الشرقية, وأم المعارك وسقوط بغداد وما تبعها من بروز للدور والثقل الفارسي في المنطقة, فإن هوية هذا الأحد وذاك البعض الذي يحرك خيوط اللعبة العالمية, لم تعد تحتاج للكثير من الفطنة والحدس وقراءة الكف والطالع, ودون الميل الفطري لدي لفكرة المؤامرة الدائمة علينا وخاصة بعد تفتت وزوال الإتحاد السوفييت والفكر الشيوعي المناوء لفكر الغرب ونظرياته, وحاجة العالم ربما لعدو جديد يحرك صناعة السلاح ونهب موارد المنطقة, ويديم الفكر العسكري ودسائس المخابرات الدولية, فقد بات بحكم الثابت بإن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وربيبتهما اسرائيل, شركاء غزو العام 1956 على مصر, لم يتفرقا منذ ذاك التاريخ وحتى اليوم, وإن اختلفت أشكال التجمع وطرق عمله,

وما الفكرة الإسرائيلية لشرق أوسط جديد, تملك اسرائيل زمام أمره ومفاتيح موته وحياته الا الهاجس الأكبر والمحرك الدائم لفكر وعمل هذا التجمع بكل الأشكال حربا وسلما واقتصادا.

في حين تشارك روسيا  المتطلعة لمجد الدولة العظمى الأم, ببعض أشواط اللعبة القذرة هذه وشد الحبل, دافعة عنها شبح التهميش والإقصاء من أجواء المغامرة والمقامرة وتقاسم الكعكة الشرق أوسطية.

وقد كان الإقتصاد عبر التاريخ, وما زال, والمصالح المشتركة هي المحرك الدائم للكبار ومصالحهم المتقاطعة أحيانا والمتوازية أحيانا أخرى على الارض وخلف الكواليس, طالما صنع الحرب وفصّل السلام وشكّل الأصدقاء والأعداء وأعاد فرزهم, في كل الأزمان والحقب والأمكنة.