درس يمشي على الأرض …!! (1) – م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران

2013 11 28
2013 11 28

41قبل نهاية العام 2012م انضم إلينا زميل جديد في العمل بمنتصف الثلاثينات من عمره، وكان يظهر في كلامه كثير من الخبرة والتميز، ومضت الأيام سريعة يثبت فيها زميلنا الكثير من الأخلاق العالية والتعامل الراقي مع زملائه، لتمر الشهور الثلاثة الأولى بدون أي مفاجآت، حتى جاء الأسبوع الأول من شهر آذار حاملاً معه المفاجئة التي لم يتوقعها أحد والمستمرة أحداثها حتى يومنا هذا، ولأننا رأينا في الأمر حدثاً يستحق الكتابة قررنا أن نتحلى بالجرأة ونطلب من زميلنا سماع تجربته منه مباشرة لعل غيره يستفيد منها فلم يتردد في الموافقة، وكانت النتيجة 36 صفحة استغرقنا في تدوينها من زميلنا مباشرة ما يزيد عن 10 ساعات على مدار يومين، ثم عملنا على تنقيحها لتكون بين أيديكم في السطور القادمة بأربعة أجزاء متواصلة حتى لا نظلم الموضوع ولا قرائه الكرام، فتعالوا لنصغي للقصة بقلوبنا سوياً.

يصف أ.ق الذي يعيش في المملكة العربية السعودية منذ 13 عاماً، الشقيق لسبعة من الذكور وشقيقتين من الإناث، والذي أنهى دراسته الجامعية في تخصص هندسة الاتصالات والالكترونيات من جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية منذ حوالي 14 عاماً نفسه بأنه إنسان معتدل اجتماعياً، فزياراته الاجتماعية قليلة جدا، ويصف والده الذي كان يعمل مديراً لمدرسة بأنه كان أستاذا من الزمن الجميل ‘بحسب وصفه’.

ويصف والدته بأنها مخزون من طيبة القلب الذي لا يعتقد بأنه يمكن أن ينفذ، حيث كانت الوسيط الدائم بينه هو وأشقائه وبين والدهم الشديد رحمه الله، برغم أن والدته لم تدرس أو تتعلم ولا تعرف سوى القراءة والكتابة فقط لا غير، ويعود ليصف نفسه بأنه إنسان كتوم جدا، وصبور، ويكبت في داخله كثيرا جدا، إضافة للصفة التي اكتسبها من والده وهي العصبية الشديدة، وهو يقول بانه كان من الجامعة للمنزل ومن المنزل للجامعة، حيث ان وضع والده المادي لم يكن يسمح بأي رفاهية او ترف زائد، أو مواعيد مع الأصدقاء، ولا حتى بالوقوف مع الاصدقاء في ممرات الجامعة !!

فكان يصور معظم الكتب الجامعية لأن وضعه المادي لا يسمح له بتحمل اسعارها، وكان كثير التفكير في والده خوفاً من تلك اللحظه التي سيتحمل فيها المسؤولية برغم أنه ليس أكبر أشقاءه لكنه أكثرهم تعليماً، ولذلك كان الشخص الثاني في العائلة بعد والده، وقد تحمل عبئ المسؤولية كاملة بعد وفاة والده، منهياً دراسته الجامعية في 4 سنوات ونصف بمعدل 72%.

ويتذكر هنا يوم عاد الى منزله وهو يحمل الشهادة الجامعية ليجد الجميع طائراً من الفرح، ويرى والده العصبي جداً والحنون جداً في نفس الوقت ‘كما يصفه’ وهو يحتضنه ويقبله بعد انتظار هذه اللحظة طويلاً، وكأنه يقول له: الان ارتحت بوجود من يحمل الرسالة من بعدي، وقد رأى يومها دموع الفرح في عيون والدته لأول مرة بعد حياة عصيبة وصعبة جدا، لكنه كان يفكر كثيراً جداً في المستقبل وما سيحدث فيه، لدرجة أنه لم يكن قادراً على استيعاب فرحة عائلته في ذلك اليوم ..!

كان والده متقاعداً عند تخرجه من الجامعة حاملاً لبعض الأمراض العصرية، ولا يوجد دخلاً للبيت وقتها سوى راتب الوالد التقاعدي حيث أن شقيقه الأكبر لم يكن قد أنهى دراسته بعد.

فاضطر كالكثير من خريجي بلادنا للأسف لاحتضان شهادته بعد التخرج بدون الحصول على أي فرصة عمل، وليضطر للعمل في التعليم الاضافي بعد شهرين من التخرج في تدريس مادة الأحياء ..!

ثم انتقل بعدها عن طريق برنامج تشغيل حديثي التخرج في وزارة الاشغال للعمل في شركة الاتصالات الاردنية، وبدأ كمتدرب في الشركة براتب 120 دينار فقط لمدة 9 شهور، ثم تقدم عن طريق أحد الجيران لشركة كبرى في السعودية في العام 2000م، ليتم تعيينه فيها براتب بسيط كمهندس مبيعات في قسم الاتصالات، ولم يكن مقتنعاً بالعمل في المبيعات فانتقل لقسم الاتصالات ثم لقسم الشبكات بعد ذلك، واضطر أ.ق بسبب وضع والده الصحي الصعب جداً حيث كان يعاني من مرض السكر وأصيب بعدة جلطات كان آخرها في الدماغ، أن يسافر استثنائيا لزيارته خلال الشهور الثلاث الأولى من عمله في الشركة، وليفاجأ بوالده مبتور الساق أمام عينيه بسبب الغرغرينا التي انتشرت في جسده !!

كان والده يقظاً وقتها لكنه لا يستطيع الكلام، فعاد أ.ق للرياض ووالده يعاني بين الحياة والموت، ولذلك كان وداعه لوالده وداع المفارق، والذي فارق الحياة بالفعل بعد أقل من شهر من وصوله للرياض في يوم لا ينساه من شهر أيار 2001م، عندما اتصل به شقيقه الأكبر ليخبره بوفاة والده، وهو الأمر الذي كان كل ما حوله ينبأ به، وقد كانت آخر جملة قالها والده عنه كما نقلت عمته: (الله يرضى عليك)، وكان آخر ما قاله والده له في وداعه الأخير له مجموعة من الدعوات له بالتوفيق والتوصية على أهله عموماً.

ترى ماذا كان ينتظر أ.ق بعد وفاة والده رحمه الله من مفاجئات وكيف واجه ذلك ؟

هذا ما سنعرفه في الجزء القادم من هذه المقالة قريبا بمشيئة الله تعالى.