درس يمشي على الأرض …!! (3)م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران

2013 12 03
2013 12 03

21أصيب أ.ق بأعراض غريبة لم يجد لها سبباً واضحاً أو دواء ناجعاً كما رأينا في الجزء الثاني من هذه المقالة، فقرر مراجعة واحدة من المستشفيات الكبرى في الرياض من تلقاء نفسه، عندما وصل به الأمر إلى عدم قدرته حتى على النوم، وراجع طبيباً للجهاز الهضمي أرجع سبب حالته للقولون العصبي، وأجرى بعض التحاليل التي أظهرت بعض القراءات المرتفعة جداً، ثم راجع طبيب جلدية عاد هو الآخر لوصف حالته بأنها حساسية وأشار عليه ببعض الكريمات فقط ..!!!

بعدها أجرى صوراً أظهرت انسدادا في القناة المرارية، ليصاب بعدها بصفار وتسمم بالدم بسبب انسداد القناة المرارية التي تخرج العصارة الصفراء الضرورية لهضم المواد الدهنية، حيث كانت تعود للجسم والكبد حتى انتشرت بكامل الجسم مسببة تسمم الدم وكادت ان تسبب تلف الدماغ ..!

ظن الاطباء ان سبب الانسداد هو حصوة صغيرة، فقاموا بإجراء عملية تنظير وفتح للقناة المرارية، ثم بدأت الأمور تتحسن بشكل كبير، وأخذ الأطباء خزعة من مكان الانسداد جاءت نتيجتها باحتمالية ان يكون ورم خبيث هناك ..!

ويصف أ.ق ذلك اليوم بأنه اطول يوم في اطول شهر لن ينساه ما استمرت به الحياة، وهو اليوم الذي لم تفارقه فيه زوجته لحظة واحدة كما يقول، ويصف ردة فعلها لحظة اخبارها بالخبر بالمتماسكة، فقد كانت تردد دائماً بان زوجها ليست لديه أي مشكلة بإذن الله تعالى، وقد كان ابنه يقارب 3 سنوات ولم يكن قد نطق حتى ذلك الوقت حيث أصابه تأخر في النطق، فكان هو وزوجته يراجعون لابنهم لدى الأطباء برغم كل الظروف التي يمرون بها، ولأن نتيجة الخزعة جاءت باحتمالية ولم تحسم الأمر بشكل نهائي، تدخلت شقيقة زوجة أ.ق وزوجها وهما طبيبان في مستشفى الجامعة الأردنية، فتم ارسال التقارير الطبية لهما، لكن الرد كان يميل لتغليب إحتمالية وجود الورم.

سافر أ.ق للأردن مع عائلته في نيسان 2012م، وراجع لدى الدكتور محمود أبو خلف أحد أشهر الأطباء في مستشفى الجامعة الأردنية، وكان مقتنعا في قرارة نفسه حتى تلك اللحظة أن ما لديه هو ورم خبيث بنسبة 90%، ليقرر الطبيب أبو خلف إجراء عملية لا مناص منها قبل كل شئ، يتم فيها استئصال المرارة ونصف المعدة والاثنى عشر وجزء من البنكرياس لمحاصرة الورم ..!

لكن أ.ق رفض إجراء العملية نظراً لأنه لا يوجد ما يثبت وجود السرطان حتى ذلك الوقت، ومن حقه أن يتمسك بالأمل حتى اللحظة الأخيرة، فأخذ التحاليل والصور لمركز الحسين للسرطان وتم أخذ خزعة جديدة، وإنتظر مع زوجته رد المركز وكأن الدقيقة تمر عليهما دهراً من الزمان، ليأتي الجواب على هاتف زوجته بعد ما يقارب اليومين، زوجك يحمل بعض الخلايا السرطانية وعليكم مواجهة الأمر الواقع !!

كلمات قليلة دارت بزوجته دورة كاملة في هذه الدنيا إلا أنها زادتها قوة على قوتها، وكانت كافية بالنسبة له لفهم الأمر على حقيقته.

وبرغم ذلك يقول أ.ق بأنه لم يرى زوجته أقوى مما رآها عليه في ذلك اليوم، والتي يعود ليصفها بأنها كانت من أكبر الأسباب التي منحته الصبر والقوة في هذه المحنة بعد الله عزوجل، فقرر التعامل مع واقعه الجديد الذي لم يعد هناك مفر منه، وقد كان وزنه بدأ بالنقصان حيث فقد 5 كيلوجرام في ذلك الوقت، ليعود بعدها الى الطبيب ابو خلف ويتم تحديد يوم الثلاثاء 17-04-2012م موعداً للعملية، وهو التاريخ الذي حفر في ذاكرته الى الابد حيث كان امام واحدة من اصعب اللحظات بحياته، وبرغم ذلك كانت ثقته في الله عزوجل كبيرة بأنه سيخرج من العملية معافى، وقد كانت صعوبة العملية بأن ما يتم استئصاله فيها لا يعيد بناء نفسه أبداً أو بتعبيره “اللي راح راح”، ليخرج بعدها من العملية ممنوعاً عن الأكل تماماً، وقد كان ارسل أطفاله الى والدته في منزله بمدينة اربد حيث لم يراهم في تلك الاوقات العصيبة.

بعد اسبوع من العملية استطاع ان يشرب عصائر بكميات محددة فقط، وكان ما يزال في المستشفى عندما زار غرفته الطبيب ابو خلف وكانت زوجته وأحد أشقائه في الغرفة، ليخبره الطبيب أنه يحمل سرطان أخف من سرطان البنكرياس، وأنه يجب أن يبدأ بالعلاج الكيماوي فورا، وقد كان ذلك يوم 24-04-2012م، اليوم الذي كانت تنتظره فيه مصيبة منتصف الليل ..!

زيارة الطبيب أبو خلف للغرفة كانت حوالي الساعة الثالثة عصراً، حيث أمر بإخراجه في اليوم التالي مع العلاجات اللازمة، فكان أول ما خطر بباله شوقه لأطفاله الذين كانا بعيدين عنه طوال ذلك الوقت، وكان يشعر منذ صباح ذلك اليوم بأمر غريب جداً حتى أنه أخبر زوجته بذلك، وليأتي الطبيب المعاون في المساء ليزيل الأكياس والأنابيب ويقطع أحد الشرايين بالخطأ …!!!

نام أ.ق الساعة الثامنة مساء، لكنه استيقظ حوالي الساعة الواحدة منتصف الليل على ألم شديد جداً وضيق نفس وتعرق، أما بطنه فكان الدم يغطيه بالكامل !!

فيما كانت زوجته غادرت لمنزل شقيقتها، وكان هو لا يزال غير قادراً على الكلام منذ إجراء العملية الأخيرة وينام في غرفة ثلاثية في المستشفى، فأصبح يحاول أن ينادي بكل قوته على أي إسم يخطر بباله “خالد، سامي، أحمد” من شدة الألم، لينتبه المريض المجاور له ويصرخ منادياً قسم الممرضين الذي حضروا مسرعين، وقاموا بالاتصال بالطبيب المناوب الذي أمر بنقله للعناية المركزة بدون تأخير، ليحضر الطبيب أبو خلف بعد ذلك عندما كان دمه قد هبط إلى 8 من شدة النزيف، حيث نزف 3 لترات حتى تلك اللحظة !

لم يكن أ.ق قد فقد الوعي تماماً، فقد كان يفقده للحظات ثم يعود للوعي، وشعر في تلك اللحظات بأنه يودع هذه الدنيا وينظر إليها نظراته الأخيرة، وشعر بأنه أصبح يشتم رائحة الفراق لأول مرة، والذي أصبح يراه أقرب إليه من أي وقت مضى على ما يبدو !

ويكمل حديثه قائلاً بأن الخبر وصل خلال لحظات لشقيقة زوجته، ليرى زوجته تركض نحوه في المستشفى بسرعة البرق محاولة اللحاق به قبل دخول غرفة العمليات، ليراها كيف كانت تسابق الزمن بينما تسابقها دموعها، لتكون آخر كلمة سمعها منها قبل دخوله غرفة العمليات (سأنتظرك)، أو(بستناك) كما قالتها بالعامية.

عندها يقول أنه رفع يده وأشار بها إليها غير قادراً على النطق، ولسان حاله يقول: كم أرجو الله وأتمنى منه ذلك يا رفيقة الدرب والروح …!

دخل لغرفة العمليات لتستمر العملية 4 ساعات في ما يصفها بأصعب عملية في حياته، وكان جميع أهله بانتظار خروجه من غرفة العمليات حتى خرج بألم شديد كما يقول، وليبقى بعدها 20 يوماً عصيباً في العناية المركزة ممنوعاً عن الأكل والشرب حتى من شربة الماء، فعانى من بعض المضاعفات حيث كان جسمه يتغذى من خلال أنبوب يصل للأمعاء مباشرة، وخلال تلك الفترة كانت زوجته تلازمه كظله كما يقول، وكان على المسكنات حتى غادر العناية المركزة، ثم بقي أسبوعين بعدها في المستشفى حتى غادر للمنزل وهو لا يستطيع الأكل إلا بشروط طبية محددة.

ويقول أ.ق أن معظم من حوله كانوا لا يتوقعون نجاح تلك العملية لدرجة أن كامل المستشفى علمت بالأمر، إلا قلة كان أولهم زوجته التي كانت متفائلة بنجاح العملية، وكانت اجابتها الدائمة لكل من يسألها: (زوجي ليس لديه شئ وسيخرج سالماً معافى بإذن الله) …!

عاد بعدها لمنزله وكان الوضع صعب جدا حيث كان يتقيأ أي شئ يأكله، فقرر بعد خمسة أيام العودة للمستشفى لشعوره أن الأمر ليس فيه أي تحسن، وليتم إجراء تنظير له جاءت نتيجته انسداد في الأمعاء هذه المرة ..!

وليضطر الأطباء لفتح بطنه للمرة الثالثة لإجراء عملية فتح للانسداد، ثم يعود بعدها لمنزله قبل شهر رمضان المبارك، ليبدأ الأمر بالتحسن تدريجياً بعد أن كان وزنه قبل أول عملية انخفض الى 70 كيلوجرام فقط، بينما أصبح بعد العملية الثالثة 48 كيلوجرام فقط !!!

وكانت هذه النقطة الأخيرة لرحلة العمل الجراحي، لتبدأ بعد ذلك رحلة العلاج الكيماوي بكافة تفاصيلها، والتي ستكون ختام هذه المقالة في جزئها الأخير بإذن الله تعالى.