دولتنا حسمت أمرها بين الفاسدين والوطن
راتب عبابنه

2013 05 30
2013 05 30

114ليس هناك موضوع شغل الأردنيين وتداولوه بمجالسهم ولقاءاتهم بالأفراح والأتراح كموضوع الفساد والذي مضى على المطالبة بفتح ملفاته أكثر من عامين. وللحقيقة هناك قضيتان لا تقلا أهمية شغلتا الرأي العام الأردني وإلهبتا الشارع وهما أحداث أيلول (1970) والعدوان الأممي على العراق بعهد الشهيد البطل صدام حسين (1990).

نتحدث عن الفساد كثابت بديهي ولا نتحدث عن الفاسدين وكأنهم لا وجود لهم أو كأنهم خرافة لا تؤمن بها الدولة, والجميع من رأس النظام مرورا بالحكومة والصحافة وانتهاءً بالمواطنيين العاديين يقر بوجود الفساد, ولم نرى لغاية هذه اللحظة تقديم فاسد للتحقيق والمساءلة. تأكيدات وإقرارات سمعناها من جلالة الملك بوجود الفساد حقيقة ولكن لم نسمع عن وجود فاسدين أو أن الدولة باتت أضعف من أن تطلب منهم إثبات شرعية وقانونية أموالهم وقصورهم. والإقرار الملكي هذا يعني رسالة للحكومات لتقوم بواجبها وتعمل على تصويب الأمور, فهل امتثلت الدولة؟؟

فكيف يستقيم ذلك الطرح المستخف عندما يتم تجاهل المسبب وهو بهذه الحال الفاسدون الذين سببوا الفساد؟؟ كيف سيحارب ويكافح الفساد ومن ينتجه ويصنعه يد العدالة لم تطاله؟؟ هل نحن أمام خيارين أحدهما الفساد وثانيهما الوطن؟؟ يبدو أن مؤسسة الدولة قد حسمت أمرها واختارت الفاسدين وفضلتهم على الوطن. ولو كان العكس هوالحال لما بقيت تلك الشرذمة الفاسدة تصول وتجول دون مساءلة. وإليكم من الحقائق والمعطيات ما يدلل على طرحنا هذا.

تم تشكيل لجنة تحقيق النزاهة وبأمر ملكي برئاسة رئيس الحكومة الحالي مما يدل على أن النزاهة مفقودة ولم نسمع لغاية الآن عن اجتماع لهذه اللجنة ولم نسمع عن قرار إتخذته أو إجراء ستتبعه أو استراتيجية ستعتمدها. الثقة مفقودة بمؤسسات الدولة وهو ما أكده وأقره جلالة الملك. فما الذي تم اتخاذه لاستعادة ثقة المواطنيين بالدولة؟؟ هناك هيئة مكافحة الفساد وهي أكبر دليل على وجود فساد استدعى وجود هيئة بهذا المسمى لمكافحته. هل سُمح لهذه الهيئة أن تحقق الهدف الذي شكلت من أجله نحو الإصلاح بمساءلة الفاسدين وتقديمهم للقضاء؟؟ الإسراف والهدر الحكوميين لأموال الخزينة والشعب ما زالا قائمان رغم تأكيدات وأيْمان دولة الرئيس بالعمل على الحد من ذلك. الإستخفاف بعقول المواطنين من قبل كبار المسؤولين وعن طريق تصريحاتهم عندما ينفون أو يؤكدون ما زال تقليدا متبعا.

الخبراء والباحثون وحتى المسؤولين الرسمين يؤكدون بشتى الوسائل العلمية والإثباتات بوجود كنوز دفينة بالأردن لو تم إستغلالها لتجنبنا التسول والإستجداء على شاشات الفضائيات ولما وصلت المديونية لما وصلت إليه. لدينا الغاز واليورانيوم والنحاس والصخر الزيتي والطاقة الشمسية والرمال. فما المستغل منها؟؟ الدستور الأردني ينص على الضريبة التصاعدية على البنوك والشركات، لكن ذلك غير مفعل بسبب المتنفذين الذين هم جزء من منظومة الفساد. شركات عملاقة بيعت باسم التخاصية وأموالها لم ترصد بالخزينة لا بل زاد الدين وارتفع العجز واستشرى الفقر. الميناء اليتيم تم بيعه وكانت النية متجهة نحو خصخصة الآثار. صفقات الأغذية غير الصالحة للبهائم والقمح المخلوط بالقوارض والمياه الملوثة جرائم يستحق من يرتكبها الإعدام, فما الذي اتخذ بحق كل هؤلاء؟؟ هل حوسبوا وحوكموا؟؟

تم استقبال مئات الألوف من اللاجئين والدولة تعلم يقينا مقدار إمكانياتها وما يترتب على استقبال الأعداد الكبيرة. الأمراض انتشرت, فرص العمل أمام أبناء الأردن انعدمت, مشاكل اجتماعية وأخلاقية قد أُفرزت, مياهنا الشحيحة زاد شحها, الأعباء الأمنية زادت, موادهم العينية تباع بأقل الأثمان منافسين بها تجارنا, شغب ومشاجرات مع المواطنين واعتداءات على رجال الأمن اعتلت وتيرتها, إيجاد بيت أو شقة للإيجار خصوصا بالمحافظات الشمالية صار من شبه المستحيل.

الأردنيون يعتدى عليهم على أرضهم من قبل زمرة صفوية حاقدة وكأننا نعيش بأرض الصومال حيث لا دولة ولا قانون ولا أمن ولا سيادة, والحكومة وعلى ذمة وزير الخارجية تكتفي باتصال هاتفي تم خلاله الإعتذار. وعندما أدلى وزير الخارجية بذلك أمام النواب وبدى عليه الإنزعاج من النواب كانت حركاته وانفعالاته ونبرة صوته تقول: ما بالكم لا تتجاوزوا هذه الإهانة؟؟ لقد تم الإعتذار فما تريدون أكثر من ذلك؟؟ لقد خذلتنا الحكومة الرشيقة بردة فعلها الباردة والمستكينة ولم تتصرف على مستوى الحدث مما خلق ارتدادات شعبية جعلت الأردنيين وخصوصا الغيارى منهم أن يصروا على أن يأخذ الإعتذار مسارا غير الذي ارتضت به صاحبة الولاية العامة.

المركز الثقافي الملكي يتم تأجيره دون الرجوع للحاكم الإداري وسفارة نوري المالكي لم تطلب من الجهات المعنية التصريح لها بإقامة فعاليتها التي يرفضها الشعب الأردني والشرفاء بالعالم. وهي فعالية افترائية مفتعلة بمحتواها لتشهر بقائد قل نظيره واكتسب تقدير واحترام أعدائه ومعارضيه بعدما انكشفت الحقائق وظهر حقد الصفويين جليا للعالم كله. كيف يتم هذا التسيب والإستهتار بقوانين الدولة وتجاوز الأعراف الديبلوماسية المتبعة بهكذا حالة؟؟ والفاجعة كانت عندما علمنا عما حدث من إحدى فضائيات المالكي وبعد مرور خمسة أيام وحكومتنا التي أقسمت على صون الوطن والمواطن لم تتحرك لكرامة مواطنيها بل تركت بلطجية المالكي ليغادر منهم من يغادر دون سؤال أو استيضاح على الأقل ويكافأهم المالكي بالمال والأقدمية والأوسمة ويشكرهم على إنجازهم.

مجلس النواب يتحرك عاطفيا مع الإعلام وردات فعل الشارع لكنه لا يتحلى بالنفس الطويل حتى النهاية للتأكد من تحقيق مطالبه. جامعاتنا وما يجري بها ويسمى “مشاجرات عشائرية” آخذة بالإزدياد ولم تتخذ الدولة اجراءات ناجعة ورادعة بهذا الشأن. الإعتداء على رجال الدرك والأمن صار خبرا مألوفا لا أحد يكترث لحدوثه. إغلاق الطرق وقطعها ونشر الرعب وتعطيل المصالح وإعاقة الأنتاج تقف الدولة تجاهها وكأنها عاجزة عن التعامل مع هكذا ظواهر.

الحكومة تضلل الشعب وتمرر عليه معلومات خطيرة يتبين لاحقا أن حقيقة الأمر غير ما نسمع من الحكومة الرشيقة وهي على ما يبدو رشيقه بإخفاء الحقيقة. قانون “من أين لك هذا” تم استبداله بـ “الكسب غير المشروع” لجعله فضفاضا ورخوا وأميبيا لصالح الفاسدين. المناصب القيادية مازالت تورث وتحجز لأبناء الذوات. المناطق الأقل رعايه أطلقوا عليها المناطق الأقل حظا ناحين باللائمة على الحظ العاثر وكأن الدولة غير معنية بتحسين أوضاعهم وهي بالحقيقه لا تشملها الرعاية الكافية ولا تحظى بالإهتمام المطلوب من قبل مؤساست الدولة.

معاقون وأصحاب إحتياجات خاصة تتم مقابلتهم من قبل جلالة الملك والمسؤولين والمختصين وعلى شاشات التلفزيون وتتم طمأنتهم على أن حاجاتهم ستلبى وأوضاعهم ستنتقل نقلة نوعية، وإذا بنا نتفاجأ أن كلام التلفزيون للإستماع فقط وليس للتنفيذ. جلالة الملك يزور العديد من المناطق ويلتقي بأهلها ويصدر توجيهاته السامية للديوان والبطانة والحاشية والمرافقين والمعنيين بالعمل على تلبية حاجات هؤلاء الناس, لكن الواقع الذي نلمسه أن كلام الملك وتوجيهاته وأوامره يعمل الديوان الملكي على وأدها وعدم تنفيذها.

وتلك إساءة متعمدة مع سبق الإصرار موجهة لشخص جلالة الملك لخلق فجوة بينه وبين الشعب وخصوصا أصحاب الحاجة يتحمل مسؤوليتها الديوان الملكي برئيسه وأمينه العام إذ الديوان الملكي كما نعلم جميعا وبتأكيد من جلالته أنه بيت كل الأردنيين أي به يتم تدارس المشكلات الخاصة بالناس, وحلقة الوصل والمنسق بين القصر ومؤسسات الدولة والشعب. هل يا ترى أصبح الديوان مُلك لمن يرأسه يصنع به ما يشاء وينفذ من خلاله ما يناسب مزاجه الشخصي؟؟

ما سبق وغيره الكثير قضايا عالقة وتنتظر من يسبر أغوارها ويفك ألغازها والدولة لا تحرك ساكنا تجاهها والشارع بحراكه وحركاته وأحزابه وجبهاته مستمر بالمطالبة بالنظر بها ولم تعالج هذه القضايا بعد. العلاج يترتب عليه استحقاق كبير يطال رؤوسا وأسماءا كبيرة لكنها صغيرة أمام مصلحة الوطن طالما هناك غيارى لا يملوا من الدفع باتجاه استرداد حقوقهم، رؤوس قد أينعت وحان قطافها، فهل مؤسسة الدولة تعلق الجرس لإحقاق الحق واستعادة الثقة بها والعمل على الإستقرار واستتباب الأمن؟؟

هذا الإحجام من قبل الدولة عن مساءلة ومحاسبة الفاسدين وترك قضايانا العالقة للصدف ولكي تنسى بالتقادم، يقودنا هذا الإحجام للخلوص إلى أن الدولة قد اختارت وفضلت الفساد على الوطن والفاسدين على أبناء الوطن، وقررت أن الدخلاء أهم من الوطن، وأقرت أن لا صوت يعلو على صوت الفاسدين الذين تعهدت بحمايتهم وعدم الإقتراب منهم .

لست سوداويا كما يمكن أن يفهم من طرحي ولكن بشاعة الحال وخطورته والغموض الذي يلف القادم والضبابية الممنهجة قد بلغت بنا كل مبلغ لحد يجعل المرء لا ينفك من تكرار الشكوى والتحذير والتنبيه وتقرير الحال والواقع لما نراه يذهب بالوطن نحو مجهول أجارنا الله منه.

وحمى الله الأردن والغيارى على الأردن. والله من وراء القصد.