د. نضال قطامين* يكتب : هل يبقى للنائب والوزير أصدقاء؟

2013 09 16
2013 09 16
199

إِذَا كان ذَوَّاقاً أخُوكَ منَ الْهَوَى مُوَجَّهَة ً في كلِّ أوْب رَكَائبُهْ فَخَلّ لَهُ وَجْهَ الْفِرَاق وَلاَ تَكُنْ مَطِيَّة َ رَحَّالٍ كَثيرٍ مَذاهبُهْ أخوك الذي إن ربتهُ قال إنما أربت وإن عاتبته لان جانبه إذا كنت في كل الأمور معاتباً صَديقَكَ لَمْ تَلْقَ الذي لاَ تُعَاتبُهْ فعش واحدا أو صل أخاك فإنه مقارف ذَنْبٍ مَرَّة ً وَمُجَانِبُهْ

يدفع الوزير أو النائب أو اي شخص في موقع المسؤولية ، ضريبة موقعه الرسمي، من صحته ووقت عائلته، غير أنّه لا يبالي ان كان ذلك خدمةً للوطن وللناس وارتضى لنفسه ذلك الموقع ، وأن لا يعبأ بتملّك العمل العام لوقته وجهده.

غير أن ما يثير العتب في نفسه، هو البعض – وأكرر كلمة البعض- من الاصدقاء والمعارف الذين يعيدون انتاج مفهوم جديد للصداقة يرتبط وثيقا بالمنفعة، ويرهنون صداقتهم على حرف، فان اجاب صديقه الوزير وقرابته النائب وابن عمته المدير العام وخال اولاده الامين العام، على هواتفه، في أي وقت من ليل أو نهار، فهذا هو “النشمي” الذي لايرد طلبا لخائب، والّا فهو “شايف حاله”، ولا يبلّ على يد جريح، وينسى الناس وينسى مناسفهم وكنافتهم، بل ويعطيهم ظهره، في الوقت الذي كانوا يعطونه ظهورهم و(سدورهم).

والحال أن حال المسؤول، كبالع الموس، ان ابتلعه سطح، وان أخرجه جرح، وهو لا يدري في غياهب التعديلات وأنفاق التشكيلات، هل يخرج كما ولدته أمه عاريا بلا أصدقاء، أم يرمي مصلحة الناس وراء ظهره، ليخرج زعيما للجاهات والعطوات؟.

في ذاكرة الناس التي صنعتها عقود طويلة من المحسوبيات والواسطة، أن النائب أوالوزير يملك، فيما يملك، عصاً سحرية، يلوّح بها، فتستحيل الاحلام والاماني واقعا ملموسا، وأن هذا النائب أوالوزير، أيّ نائب وأي وزير، هو رجل علاقات عامة، ورئيس موظفي الاستقبال في مجلسه ووزارته، بل هو رجل يترأس جلسات القهوة والجاهات، ولا شغل له ولا شاغل، الا استقبال “فاضيين” الاشغال وهاوي طق الحنك ، وأن سحابة يومه تمضي بين التهللي والقهقهة، ودب الصدر والفزعة، فيما عمله وعمل وزارته ماشيا وحده، و (العمر بخلص والشغل ما بخلص) و( ويا رجل عدّيها ومشّيها)، و(الشجرة اللي ما بتظل قاعها)..وهكذا.

ربما كان ذلك صحيحاً في عقود سابقة، وربما أكثر منه، لكنه في هذا الزمن وهذه الظروف يستحيل، وتخطىء الذاكرة الجمعية كثيرا عندما تخلط بين العمل الرسمي وواجباته ومسؤولياته وتحديداته وأنظمته وقوانينه، وبين العلاقات الشخصية وواجباتها وضروراتها، وهذا – لعمري – أساس تراجع العمل العام لصالح الخاص، والعقبة الكؤود التي يواجهها تطوير القطاع العام .

ادركت حين كنت نائبا، حجم هذه المشكلة، وأذكر انني كتبت مقالات عن ذلك في (عمون)، تناولت فيها شجون الناس، وجرة القلم التي يسعى الجميع لها، ونوّهت إلى أن ذلك يشير إلى خلل جسيم في المؤسسات العامة، يتعلق بالعدالة والانصاف، واقترحت انشاء ديوان للمظالم في كل وزارة، واجبه معالجة كل القضايا التي يسعى الناس لحلها بأيديهم، وادركت حين أصبحت وزيرا، أن المشكلة أكبر مما توقعت، وأن وأدها صعب يصل إلى المستحيل، ولكنّي أحاول في الوزارات التي تشرفت باستلام مهامها ، أن احقق بعضا مما تحدّثت به.

غير اني اليوم اكتب عن شيء ملاصق ومشابه لما ذكرت، يؤرق ويبعثر تفكير كل مسؤول وصاحب منصب عام، ولا يجد للخلاص منه سبيلا، فالهاتف لا يهدأ من الرنين، ولا يكلّ ولا يمل، بل يتطوّر بعض المتصلين بتطور وسائل الاتصال، فيتواتسون (واتس اب) ويتفسكبون (فيس بوك) ويؤمّلون (اميل)، فاذا كان لدى هذا الوزير او النائب او ذاك، دقائق يقتنصها بين الاجتماعات والمؤتمرات وتوقيع البريد، فيرد على صديق أو قريب، فالمطلوب منه، أن ينهض عن كرسيه، ويتحوّل في هذه الدقائق إلى قائد جيش ومدير أمن أو درك، أو مدير شركة أو حتى موظفا في دائرة، ومطلوب ايضا ان يسحب العصا – السحرية ما غيرها – ويشير بها لينقل الرقيب الفلاني وليتعيّن القرابة العلنتاني، وليصنع عجلا سريعا للمعاملة الفلانية، أو يزيد من سرعة الاستدعاء العلنتاني، والويل له، ان لم ينفّذ، تنعقد من أجله الاجتماعات والسهرات، وينزل ملفّه، ويشطب رقمه، ويوصم في أحسن الحالات، بالعاق، وأن (الصوت راح فيه خسارة)، بينما عمله العام وواجبات الوزارات، (بمشي لحاله)، وهو الوحيد (اللي شايل الدنيا عكتافه)، و(متعب حاله) و(بطّل يرد ولو بهمسة).

لن أتخلى – شخصيا – عن الاصدقاء حتى لو تخلّوا عني، وأظن زملائي الوزراء وأخوتي النواب كذلك، ولكننا في سبيل الوطن، وفي سبيل القسم الذي لن نحنث به، سنذكرهم بالحقيقة وما لنا وما علينا وما لهم وما عليهم، ونأمل أن يتفهّموا الظروف، فالواجبات كثيرة والوقت قصير، وليس في مقدور ادمي حتى لو كان نائبا أو وزيرا، ان يستقبل مئات المكالمات في اليوم والليلة او يمضي سحابة يومه في استقبال الاصدقاء وتوديعهم، ولا أحد مستعد أن يقامر بواجبه التشريعي والرقابي وأعمال وزارته أو دائرته، التي يسعى أن تكون كما يريدها الوطن.

هل تصمد صداقاتنا مع هذا الاعتذار؟ لست ادري، ولكني اراهن على تفهم الناس، وعلى ما يُنجز من أهداف نسعى بها لخدمة الناس، وأقدم كلمة اعتذار لكل من هاتفني شخصيا ولم استطع – فعلا- الرد عليه، وأعلم أنهم يعلمون ان ثمة وسائل كثيرة لايصال رسائلهم، وأن ثمة عمل مؤسسي في ذلك، فليمنحونا (عطوة)، وليمنحونا فرصة تحقيق اهداف هم انفسهم يسعون لها.

عمون