ذكرى رحيل الملك الباني

2016 02 06
2016 02 06

hqdefaultصراحة نيوز – يحيي الأردنيون يوم الأحد الموافق 7 شباط 2016 الذكرى السابعة عشرة ليوم الوفاء والبيعة، ذكرى الوفاء للمغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه، والبيعة لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي تسلم سلطاته الدستورية، في السابع من شباط عام 1999، ملكا للمملكة الأردنية الهاشمية.

والأردنيون، وهم يتذكرون يوم رحيل الملك الباني، الحسين بن طلال، بعد حياة حافلة بالبناء والعطاء، يتطلعون بفخر وأمل إلى إنجازات عهد الملك المعزز عبدالله الثاني، الذي سار على نهج آبائه وأجداده من بني هاشم، في استكمال مسيرة التحديث والتنمية والتطوير.

وما تزال في وجدان الأردنيين جميعا، تفاصيل ذلك اليوم ماثلة، حين ودعوا باني نهضة الأردن، مؤمنين بقضاء الله وقدره، وأكدوا التفافهم حول قائدهم، جلالة الملك عبدالله الثاني، مجددين العهد والبيعة ومواصلة مسيرة البناء والتقدم.

الرحلة الأخيرة

وعصر ذلك اليوم وتحت قبة مجلس الأمة، بيت الشعب، وفي مشهد تاريخي، اقسم جلالة الملك عبدالله الثاني، اليمين الدستورية ليحمل أمانة المسؤولية الأولى، مستعينا باسم الله وبركته، على المضي قدما بالمسيرة الأردنية، لتعزيز ما بناه الآباء والأجداد، الذين قدموا التضحيات الجسام لرفعة الوطن وتقدمه.

وبعد 17 عاما يجدد أبناء وبنات الأردن البيعة والولاء لمليكهم جلالة الملك عبدالله الثاني، كلما طلعت شمس على أرض هذا الوطن الحبيب.

وفي رسالته الأخيرة، لنجله جلالة الملك عبدالله الثاني، يقول الراحل الحسين طيب الله ثراه :”عرفت فيك، وأنت ابني الذي نشأ وترعرع بين يدي، حب الوطن والانتماء إليه، والتفاني في العمل الجاد المخلص، ونكران الذات، والعزيمة وقوة الإرادة وتوخي الموضوعية والاتزان والاسترشاد بالخلق الهاشمي السمح الكريم، المستند إلى تقوى الله أولا، ومحبة الناس والتواضع لهم، والحرص على خدمتهم والعدل والمساواة بينهم”.

وفي يوم الوفاء، يستذكر الأردنيون زعيما عظيما، وقائدا فذا، وبانيا متفانيا، كرس حياته وجهده لأمته العربية والإسلامية وقضاياها العادلة، وخدمة بلده وشعبه الوفي، الذي بادله حبا بحب، وولاء بولاء، على درب بناء الدولة ومؤسساتها وتعزيز مكانتها، وسط أمتها العربية والإسلامية، والعالم أجمع.

وهذه الذكرى الخالدة في نفس كل أردني وأردنية، الممتدة منذ تاريخ تسلم الملك الراحل الحسين سلطاته الدستورية، وحتى السابع من شباط من العام 1999، حينما لاقى قدره راضيا مرضيا، تبقى إحدى المحطات الراسخة في تاريخ الأردن.

فقد أعطى الراحل الكبير الملك الحسين، بعد رحلة طويلة قاربت نصف قرن من الزمان، وطنه وأمته بصدق وضمير وإخلاص، وقاد المسيرة بحكمة وشجاعة، تحدى خلالها مع شعبه المخلص كل المعيقات، وتجاوز التحديات، وخرج منها في كل مرة أكثر قوة وأصلب إرادة وأشد عزيمة، إلى أن كان له ما أراد، وطنا مزدهرا، وحصنا منيعا، وشعبا متكاتفا.

في ذكرى رحيل الحسين، نستذكر سجلا تاريخيا لمسيرة الدولة الاردنية منذ العام 1952، حين نودي بالحسين طيب الله ثراه ملكا للمملكة الاردنية الهاشمية، وفي الثاني من أيار 1953 أتم الحسين الثامنة عشرة من عمره، فأقسم اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة ثم قال “أبناء وطني ألا وان العرش الذي انتهى إلينا، ليستمد قوته بعد الله من محبة الشعب وثقته”.

وتجاوز الأردن لاحقا بقيادة حكيمة ورؤية ثاقبة خمسينيات القرن الماضي، بكل ما فيها من تقلبات وتطورات متسارعة، فكانت أولى الخطوات الشجاعة والمؤثرة: تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956، والغاء المعاهدة البريطانية عام 1957 لإكمال السيادة الوطنية والاعتماد على الذات في مواجهة التحديات والسير على طريق المستقبل، والتأسيس المدني والدستوريّ السياسيّ لمواكبة التطوّر المدنيّ والحضاري.

وسار الأردن، في عهد الحسين يرحمه الله، بكل قوة وعزيمة ليثبت أبناؤه، يوما بعد يوم، أنهم على قدر المسؤولية، وليتمكنوا من بناء دولة المؤسسات الأردنية، وليقطع الأردن، في عهده طيب الله ثراه، أشواطا طويلة على طريق التطور والتنمية والتحديث، شملت مختلف المجالات الاقتصادية والتنموية والعمرانية والعلمية والثقافية، وتم تنفيذ العديد من المشروعات السياحية والزراعية الكبيرة.

وفي أحد لقاءاته بأبناء شعبه في محافظة عجلون، قال الحسين، “ما بذلناه من جهد أثمر بهذه الصورة وهذا الواقع الذي نعيشه الآن، دون نفط ودون خيرات أخرى كثيرة، ندعو الله سبحانه وتعالى، أن يهيئها لنا في المستقبل أو شيئا منها وسواء تحقق ما نتمناه، وكلنا أمل بأن يتحقق، فسيظل إنساننا هو المفتاح وهو السر وهو الإساس”.

وكان الراحل الكبير دائم التواصل مع أبناء أسرته الأردنية الواحدة، يزورهم في مضاربهم ومدنهم ومخيماتهم، يتفقد أحوالهم، ويتلمس احتياجاتهم، ويصدر توجيهاته للحكومات لتنفيذ المشروعات التنموية وتوزيع مكتسباتها بعدالة على الجميع.

واعتمدت الحكومات المتعاقبة، في عهد الملك الحسين، الخطط التنموية لتشكل حزما من البرامج للنهوض بالمجتمع الأردني، حيث ارتفعت نسبة التعليم وعدد المدارس والمعاهد والجامعات، وارتفع مستوى المعيشة وتحسنت نوعية الحياة، وازدهرت الحياة الاقتصادية، ونشطت الصناعات المختلفة، كالتعدين والفوسفات والبوتاس والإسمنت وغيرها، ونمت التجارة والنقل ومختلف القطاعات الحيوية.

كما أولى الملك الحسين طيب الله ثراه القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية جل عنايته واهتمامه، لتبقى درعا منيعا في الحفاظ على أمن الوطن واستقراره، حيث شهدت، في عهده تطورا في مجالات التدريب والتأهيل والتسليح، وكان لها إسهاماتها في مسيرة البناء والتنمية، وبقيت في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني سياج الوطن وحامي الديار، يوليها كل الرعاية والاهتمام لتواكب العصر تسليحاً وتأهيلاً ولتكون القادرة على حماية الوطن ومكتسباته والقيام بمهامها على اكمل وجه مواكبة روح العصر والتطور.

وفي عهد جلالته طيب الله ثراه، أسهم الأردن بفاعلية في دعم دور جامعة الدول العربية، وبقي ملتزما بقراراتها، ومؤيدا لكل خطوة تؤكد التعاون والعمل العربي المشترك، ودعم القضايا العربية، خاصة القضية المركزية (فلسطين)، للوصول إلى حل عادل وشامل، يحفظ كرامة الأمة ويعيد الأرض لشعبها مقابل سلام يعم المنطقة بأكملها.

كلام مؤثر

كما استطاع الحسين، بحنكته السياسيّة المعروف بها، أن يُحقّق سير مركب الأردن في خضمَّ منطقة لم تهدأ نزاعات دولها ولم تخف تحديات شعوبها، ويسجّل له التاريخ قيادة الجيش العربي وتحقيق الانتصار في معركة الكرامة عام 1968، التي تم فيها كسر اسطورة الجيش الذي لا يهزم.

ففي عهده، وفي المواجهات العسكرية التي خاضتها الأمة العربية، كان الأردن في الطليعة يحمي الأمة، ويتلقى عنها الصدمات والضغوط ومصاعب الصمود وآلام القرارات الصعبة.

وفي معركة السلام كان الأردن قويا، فما ساوم الحسين على ذرة من تراب الأردن، ولا على متر واحد من مياهه، وهو الذي قال في رسالة ملكية في التاسع عشر من كانون الأول من العام 1979:”إن لأردننا في معركة بقاء الأمة ومستقبلها دوره ومسؤوليته، الأردن الذي يناصر الحق ويقول كلمته، أردن الشرف والأسرة الواحدة الواعية المصممة، الجادة المخلصة، أردن المبدأ القويم والمثل العليا، المبني على امتن الأسس الخالدة، والمنفتح على الدنيا، الواثق بنفسه، الواعي لقدره”.

واليوم، يواصل الأردن، منذ السابع من شباط للعام 1999، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، مسيرة البناء والازدهار في شتى الميادين، حتى زاد النمو والتطور وغدت المملكة وجهة عربية ودولية، يقصدها الجميع في مختلف الميادين والمجالات. واتخذ جلالة الملك عبدالله الثاني، وهو من الجيل الحادي والأربعين من سبط النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، مبادئ الإسلام النبيلة في العدالة والسلام والتناغم والانسجام الاجتماعي والتسامح، مرتكزات أساسية في الأجندة التي تحمل رؤيته لواقع الأردن ومستقبله.  

إن الأردن اليوم يمضي بهمة وحكمة، نحو مرحلة جديدة على طريق التنمية والإصلاح الشامل، فقد استطاع جلالته خلال سبعة عشر عاما من الحكم أن يصل بالأردن نحو مصاف ومراتب الدول المتقدمة، رغم تعدد التحديات وشح الإمكانات وقلة الموارد. وتتزامن ذكرى الوفاء والبيعة، هذا العام، مع احتفالات المملكة بمئوية الثورة العربية الكبرى، ليؤكد الأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة التزامه بالمبادئ التي تأسس عليها، بالتوازي مع سعيه الدؤوب للسير نحو مستقبل أفضل وغد واعد. ففي خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة السادس عشر، قال جلالة الملك عبدالله الثاني، “لقد تأسس الأردن على مبـادئ البيعة وتقوى الله والعدالة للجميع أمام القانون، ومن هنا انطلقت الثـورة العربية الكبرى، مطالبة بالوحدة والحرية، وأصبح الأردن موئلا لجميع الأحرار من إخوتنا في القومية والعقيدة، وقد بنى أجدادنا الأردنيون في هذا الحمى وطنا للحرية والعدالة والمساواة، فالأردن لكل الأردنيين، والانتماء لا يقاس إلا بالإنجاز والعطاء للوطن، أما تنوع الجذور والتراث فهو يثري الهوية الوطنية الأردنية، التي تحتـرم حقوق المواطن، وتفتح له أبواب التنوع ضمن روح وطنية واحدة تعزز التسامح والوسطية”. وفي بداية عهده، أكد جلالة الملك عبدالله الثاني، في مقابلة صحفية، أنه يشعر بمسؤولية كبيرة تجاه أبناء شعبه، حين قال “أن تكون ملكا فهذا يعني أنك أمام مسؤوليات وتحديات كبيرة، وأبسط صور هذه المسؤولية هو الشعور بأن شعبك هو أسرتك، وأنك مسؤول عن جميع شؤون هذا الشعب تماما، مثلما أنت مسؤول عن أسرتك الصغيرة”. ومنذ اعتلائه العرش، كان جلالة الملك عبدالله الثاني مصمما على تحويل الأردن إلى انموذج حيوي في المنطقة، فكانت التنمية المستدامة، والنمو الاقتصادي، والرعاية الاجتماعية في مقدمة أولويات أجندة عمل جلالته، والتي يتم تحقيقها في مناخ يكفل الإصلاحات السياسية والديمقراطية والترابط الاجتماعي، من أجل تمكين الأردنيين من الأدوات اللازمة للمساهمة في تطوير بلدهم. وأولى جلالة الملك عبد الله الثاني جل اهتمامه للشأن التنموي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، فكان الوصول إلى تطوير وتحسين الحياة للإنسان الأردني هدفا استراتيجيا ضمن رؤية جلالته التنموية وفق إطارها الشمولي. وعبرت كلمات جلالته في خطابه لأبناء الشعب الأردني، في الخامس عشر من آب عام 2002، عن رؤية جلالته نحو أردن المستقبل وجهده في تحقيق التنمية التي يريدها لأبناء شعبه، إذ قال جلالته “لقد قلت لكم منذ أن تشرفت بحمل أمانة المسؤولية، انني نذرت نفسي لخدمتكم وتحقيق طموحاتكم النبيلة في استكمال بناء الدولة الأردنية الحديثة، التي توفر الحياة الحرة الكريمة لكل مواطن يعيش على أرضها وينتمي إليها”. وأضاف جلالته، “وهذا الهدف لا يتحقق إلا حين يدرك كل واحد منا واجبه الوطني، وحين نعمل جميعا بروح الفريق الواحد، فنحن جميعا ننتمي إلى الأردن، ونعمل من أجل بنائه ورفعته، مهما اختلفت الآراء أو تباينت المواقف، وإذا أردنا أن يظل الأردن قويا وقادرا على الوقوف في وجه كل محاولات العبث بأمنه واستقراره، فلا بد لنا من الحفاظ على وحدتنا الوطنية القائمة على وحدة الرؤية والهدف، والانتماء لهذا الوطن الذي نريده وطنا لكل الأردنيين، وطنا تسوده روح العدالة، والمساواة، وتكافؤ الفرص، واحترام حقوق الإنسان، ولا فضل لأحد فيه على الآخر، إلا بمقدار عطائه وانتمائه، وقدرته على المشاركة والإسهام في مسيرتنا الوطنية”. ومنذ تولي جلالة الملك سلطاته الدستورية عام 1999، اتجهت رؤاه إلى تحقيق التنمية الاقتصادية، وبذل جلالته، وما يزال، كل جهده لتؤتي جميع البرامج المعدة لهذا الهدف أُكُلها، خاصة في تأمين مستوى معيشي أفضل للأردنيين.

ويؤكد جلالة الملك عبدالله الثاني أهمية تكريس مبدأ الشفافية والمساءلة وسيادة القانون وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص وتعزيز منظومة مكافحة الفساد، ويشدد دوما على أهمية التعاون والتنسيق بين جميع المؤسسات الرقابية وتفعيل أنظمة المساءلة على أسس شفافة ونزيهة وموضوعية ووفق أفضل المعايير والممارسات الدولية.

وتنطلق رؤية جلالته في إحداث التنمية الاقتصادية المستدامة، من تبني مَواطن القوة في المجتمع، على أساس الالتزام بالقيم والبناء على الإنجازات والسعي نحو الفرص المتاحة، لأن تحقيق التنمية الشاملة، وبناء اقتصاد قوي يعتمدان على الموارد البشرية، المتسلحة بالعلم والتدريب، اللذين يمكنان من تجاوز التحديات والمعيقات بهمة وعزيمة، وبالعمل الجاد المخلص لتحقيق الطموحات.

لقد تبنى الاردن في عهد جلالته، مبادئ التحرر الاقتصادي لتصبح جزءا من استراتيجية المملكة للتنافس الفعال في الاقتصاد العالمي الجديد ونتيجة لذلك أدخلت إصلاحات اقتصادية وبنيوية رئيسية لدمج الاقتصاد الأردني بصورة فعالة بالاقتصاد العالمي أدت إلى توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة على الصعيدين العربي والدولي.

وبناء على هذه الرؤية الواضحة، بدأ جلالته فوراً ودون انتظار سلسلة متقدمة من الخطط والبرامج، لبناء مجتمع مدني عصري تسوده روح العدالة، والمساواة، واحترام حقوق الإنسان، سِمَته المشاركة والإسهام في البناء، وغاياته أن يكون نموذجاً متقدماً وقيادياً في المنطقة. وعلى هدي القانون والسياسات الدولية التي وضعت وفقا للمبادئ التي يجسدها ميثاق الامم المتحدة، مضى الأردن في علاقاته الدولية المتوازنة التي استند اليها، ما اكسبه احترام الجميع وتقديره للدور الاردني الكبير والمؤثر في جميع القضايا التي تهم الشأن العربي. وسار جلالة الملك عبدالله الثاني على خطا الراحل الكبير طيب الله ثراه الملك الحسين في الوقوف الى جانب السلام العادل والشامل والدائم الذي يشمل المسارات كافة على أساس الحقوق الكاملة في الأرض والسيادة التامة، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ويدعو جلالته دوما الى جمع الصف وإنهاء حالات الاقتتال والصراع بين الشعوب وصولا الى تحقيق الأمن والسلم الاجتماعي.

وعلى الصعيد الإقليمي، يؤمن الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، بأن السلام هو خيار استراتيجي لا رجعة عنه، وأنه الطريق الأمثل لتحقيق التنمية والتقدم والإصلاح، وانه مع السلام العادل والدائم والشامل، ومع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني.

ففي رؤيته للحل يؤكد جلالة الملك عبدالله الثاني أن الأولوية هي: إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الفلسطيني. ولم يدّخر جلالته أي جهد من أجل دعم الأشقاء الفلسطينيين لتحقيق هذا الهدف من خلال المفاوضات السلمية، كما كرس جلالته الجزء الأكبر من جهوده واتصالاته لحمل القضية الفلسطينية إلى كل المحافل الدولية، لقناعة جلالته بأن الهمّ الفلسطيني هو همٌّ أردني، وأن قضية فلسطين هي قضية الشعب الأردني مثلما هي قضية الشعب الفلسطيني، وأن مستقبل المنطقة واستقرارها وأمن شعوبها مرتبط بحل الدولتين الذي يقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة على الأرض الفلسطينية.

كما أن القدس هي الأبقى في وجدان الهاشميين، من منطلق شرعي وديني وإسلامي وعروبي، بذلوا لأجلها كل غال ونفيس، وطالما أكد جلالة الملك أنها الأبرز في الصراع العربي الإسرائيلي، ولن يتوانى الأردن عن الدفاع عنها والحفاظ على مقدساتها ودعم تثبيت أهلها.

وفي هذا المقام، يؤكد جلالته في مقابلة صحفية سابقة، أن “القدس هي القضية الأهم والأبرز في هذا النزاع لما لها من مكانة وقدسية لدينا كهاشميين بشكل خاص، ولدى كل عربي ومسلم. ومسؤولية الأردن في الحفاظ على المقدسات الإسلامية هي أمانة تاريخية في اعناقنا نلتزم بها حتى تتحرر من الاحتلال. وأي مساس بهويتها العربية والإسلامية وأي محاولة لتغيير هذه الهوية مرفوضة بالكامل، ونؤكد مرة أخرى على أن السيادة على المقدسات هي مسؤولية أردنية سنحتفظ بها لحماية المسجد الأقصى وسائر الأماكن المقدسة في القدس حتى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف”.

وبقي الأردن المؤثر عالميا، في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني كما كان في عهد الملك الحسين طيب الله ثراه، فنراه اليوم يحمل راية الدفاع عن قضايا أمته ودينه، ويؤكد كل يوم رسالته الداعية للدفاع عن الإسلام في صورته الحقيقية السمحة، التي سعى البعض من الخوارج عن مبادئ الدين الحنيف، الى تشويهها. وفي الحرب على الإرهاب والتطرف، أكد الأردن غير مرة دعمه لكل الجهود الإقليمية والدولية المبذولة في القضاء على هذا الخطر، وضرورة تكاتف وتعاون المجتمع الدولي لمحاربته، ضمن نهج شمولي وتشاركي. ولم يألُ جلالة الملك جهدا، ومنذ سنوات طويلة، للتحذير من هذا الخطر، بوصفه المهدد لأمن واستقرار المنطقة والعالم، وتعود بنا الذاكرة، في هذا المقام، لتصريحات جلالته لقناة العربية الفضائية، في العام 2006، إذ يقول جلالته، “إن الإرهاب لا يهدد بلدا أو منطقة لوحدها وإنما هو خطر يمكن أن يهدد أي بلد في هذا العالم. ويجب أن لا نسمح للإرهاب بتغيير أسلوب حياتنا… نحن نرى أن محاربة الإرهاب لا تكون باتخاذ الإجراءات الأمنية المباشرة فقط، وإنما من خلال استراتيجية شاملة لتعزيز ثقافة الحوار ونبذ ثقافة العنف واستغلال الديمقراطية أو الدين، للترويج للأعمال الإرهابية أو تبريرها بأي شكل من الأشكال”. وأكد جلالته في خطابه، في القمة العربية، التي انعقدت العام الماضي في شرم الشيخ، أن “الحرب على الإرهاب والتطرف هي حربنا، وهي حرب نخوضها نحن المسلمين دفاعا عن ديننا وقيمه الإنسانية المثلى ضد الجماعات الإرهابية التي لا تمت للإسلام بصلة، والتي تستهدف أمن شعوبنا ومستقبل هذه الأمة”.

وفي خطابه، في الجلسة العامة للدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، العام الماضي، أكد جلالة الملك أن “مستقبل هذا العالم، كما نتطلع إليه جميعا، يتعرض لتهديد خطير من الخوارج، أولئك الخارجين عن الإسلام وقيمه الإنسانية النبيلة، والذين وصل بهم الأمر اليوم إلى تهديد المجتمع العالمي بأسره”، مشددا جلالته على أن “الجبهة الأكثر أهمية في هذه الحرب تدور رحاها في ميادين الفكر، ومبتغاها كسب العقول والقلوب. وعلينا جميعا أن نوحد الصفوف كمجتمع إنساني في هذه الحرب”.

وفيما يتعلق بالأزمة السورية، يؤكد جلالته في مختلف المحافل دوما ضرورة التوصل إلى حل سياسي وشامل، يحفظ وحدة سورية، ويضمن وقف الكارثة الإنسانية التي يتعرض لها الشعب السوري.

وفي خطاب جلالته في القمة العربية، التي استضافتها الكويت في العام 2014، حذر جلالته من “أن استمرار الأزمة في سوريا الشقيقة، وانتشار المجموعات المتطرفة فيها، ينذر بنتائج كارثية على المنطقة والعالم. وهذا يستدعي إيجاد حل سياسي انتقالي شامل وسريع لهذه الأزمة؛ ينهي معاناة الشعب السوري ويلبي طموحاته؛ حل تتوافق عليه جميع الأطراف وتتمثل فيه كل الأطياف، وبما يحفظ وحدة أراضي سوريا واستقلالها السياسي وإطلاق إصلاحات داخلية تضمن التعددية والديمقراطية وتؤدي إلى عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم”. وفي المقابل، قام الأردن وما يزال بدوره الإنساني والإغاثي، تجاه اللاجئين السوريين، ورغم استضافته عددا كبيرا منهم، إلا أن الأردن يقدم لهؤلاء اللاجئين ما يفوق قدراته وإمكاناته. ففي الخطاب الذي ألقاه في منتدى حوارات المتوسط، الذي عقد في روما العام الماضيِ، أكد جلالته أن “الأردن يتعامل ومنذ فترة أطول مع تحدي اللاجئين وأعبائه على مستوى أكبر، حيث تستضيف المملكة حاليا 4ر1 مليون لاجئ سوري، أي ما نسبته 20 بالمئة من سكاننا، فيما ننفق ما يقدر بنحو ربع ميزانيتنا الوطنية لتغطية تكاليف استضافتهم”. وقال جلالته “بالنسبة لنا في الأردن، فإن العمل والتعاطف الإنساني واجب أخلاقي. لكن حقيقة الأمر هي أننا، وعددا قليلا من البلدان المضيفة الأخرى، نتحمل عبء اللاجئين نيابة عن المجتمع الدولي بأسره. والحل لا يكمن فقط في المساعدات الطارئة، رغم أهميتها، بل بشراكة عالمية شاملة لمعالجة الأزمة، التي نعلم بحكم الواقع أنها لن تنتهي قريبا”.

عالميا، هناك إيمان عميق في المجتمع الدولي، بالدور المحوري والهام للأردن بقيادة جلالة الملك، لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وتعزيز الروابط والقيم المشتركة بين الشعوب، وصولا إلى عالم أكثر أمنا وقوة يسوده التعايش وإشراك الجميع في عملية الازدهار والسلام.

ويعكس انتخاب الأردن عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي بدءاً من كانون الثاني 2014 ولمدة عامين، بحصوله على 178 صوتا، خلال عملية التصويت التي أجريت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التأييد العالمي للمملكة، والتقدير الكبير والاحترام الذي يحظى به جلالة الملك عبدالله الثاني، وأهمية دور الأردن، في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

واليوم، والأردنيون يحيون ذكرى الوفاء والبيعة، فإن الوفاء يكون بصادق الولاء والانتماء للوطن الأردن ورسالته، لإسناد مسيرة التنمية والتحديث التي يرعاها جلالة الملك عبدالله الثاني، إلى جانب الإيمان الراسخ بحنكة جلالته ومقدرته على إعلاء راية الأردن، لتحقيق الطموحات التي ترتقي بالوطن والمواطن نحو الغد المنشود.

ويجدد الأردنيون، أبناء وبنات الوطن، كما هي عادتهم، تكاتفهم والتفافهم حول قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي يؤكد على الدوام ثقته بشعبه الوفي، واعتزازه بمواقفه وتضحياته، مؤكدا جلالته، وفي أكثر من مناسبة، مع أبناء شعبه “أنني استمد معنوياتي من شعبي”.

رحم الله الحسين الملك الباني، وأمد في عمر جلالة القائد الملك عبدالله الثاني، وحمى الله الأردن وطنا وقيادة وشعبا.