سرادق العزاء السوري .. – عيسى محارب العجارمة

2014 04 14
2014 04 14

269ما يجري في سوريا من بداية (العنف والعنف المضاد) منذ نحو أربعة سنوات، أمر لا يكاد يتكرر في هذا العالم، ليس في مسألة (القتل الذر يع) فقط، فالمجازر والقتل والتهجير والتدمير والدموع تحدث في كثير من فترات التاريخ القديم والمعاصر، وإنما المؤلم أن (صوت العقل والضمير) شبه منعدم عالمياً تجاه هذه الأحداث.

فالاصطفاف أقوى من أن يسمح لأصوات العقل والضمير القليلة جداً أن تقول: كفى أيها العابثون! والعالم منقسم إلى نصفين، كل نصف يرثي قتلاه ويسميهم (شهداء)! ويسمي الضحايا غير المنتسبين إليه (مجرمين)، مع أن معظم هؤلاء (الشهداء- المجرمين) لا ناقة لهم ولا جمل في الألاعيب المجنونة التي يقودها عقلاء العالم وحماته وبناة السلم والأمن الدوليين.

سوريا تدمر فيها كل شيء، ويذوب عليها كل شيء، الإنسان والضمير والأخلاق والدين والعقل والسلم الأهلي والإنسانية.. كل شيء تدمر! وكل عاقل يتكلم فإنه سيصبح (إما عميلاً أو شبيحاً)! حفلة جنون كبرى برعاية عالمية وعربية وإسلامية، وأخبار وتقارير وخطب وصلوات وأدعية وتبرعات..الخ، أما الشهادة لله وللحق وللضحايا ولبقايا الإنسانية وللحقوق فهي مؤجلة إلى أمد غير معلوم، وقد لا تعود.

والتدمير في سوريا ولأجل سوريا لا يقتصر على التدمير الخارجي للإنسان والأبنية، بل هو تدمير داخلي، داخل النفس الإنسانية، إذ يصبح هذا الإنسان كأنه غير الإنسان الذي نعرفه. (إنسان العصر السوري) إنسان آخر، صدقه هو الكذب، وكذبه هو الصدق، وقتله هو الحقوق، واضطهاده هو الكرامة، وغشه هو الأمانة، وتخليه هو المسؤولية، وجنونه هو التعقل، وظلمه هو العدل، وإجرامه هو الجهاد،.. إنسان آخر تماماً، لغته أخرى، عقله آخر، مبادئه أخرى.

إنسان العصر السوري لا يمكن أن تفهمه ولا يفهمك، معه نفس ألفاظك ولكن الشمس معناها القمر، والجبل معناه السهل، والحياة هي الموت، والموت هو الحياة..الخ. إنسان ليس من بني الإنسان الذي نعرفه، مسخ ظريف عجيب، له نفس ألفاظنا لكن بمعاني الأضداد، فكل لفظ هو ضده، وهذا الإنسان المسخ الهابط من كوكب آخر، وجد له قنوات أهل الأرض، وأصبحت أنت الغريب والجاهل باللغة، فالجميع يصدقونه في هذه الألفاظ بأن معانيها هي الضد، فتدمرت اللغة أيضاً والصورة والمكان بعد استبدال الإنسان الذي نعرفه بإنسان ألفاظه تدور حول جسمه، لا تدخل عقله ولا قلبه، يتناولها من الأثير، من جيبه، من على الطاولة، من تحت الطاولة، ويعيدها للأثير كما أخذها.