سيل الزرقاء.. الى أين؟

2014 03 23
2014 03 23

621صراحة نيوز – الزرقاء –  “نهر عظيم.. غزير المياه، وفيه سباع كثيرة، مذكورة بالضراوة، وتكثر حوله النباتات الملتفة، وأشجار القصب”.. هذا ما وصف به ياقوت الحموي نهر الزرقاء، في كتابه الشهير “معجم البلدان”، لكنه بات اليوم أثرا بعد عين، لم يتبق منه سوى قليل من مياه ملوثة وكثير من مخلفات المصانع وروائح مزكمة للأنوف، وذكريات جميلة لجيل “زرقاوي” أدرك مياها نقية وهواء عليلا وطبيعة خضراء كانت تحف سيل الزرقاء إلى ما قبل عقدين فقط.

أبو رامي الشلبي، يتنهد طويلا وهو يجلس في بقالته بحي النزهة، قرب السيل، مستذكرا كيف كان سيل الزرقاء منطقة جذب سياحية وطبيعية لأهالي المدينة الصحراوية في السيتينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

يقول الشلبي، وهو صاحب بقالة قرب السيل: “كانت الزرقاء في الماضي منطقة صحراوية قاحلة، بحيث لم يكن هناك مكان أفضل من السيل للتنزه، ففي العام (1967)، بدأت ظاهرة التلوث حول النهر بالانتشار بشكل ملحوظ، فضلا عن انتشار الروائح الكريهة ومخلفات المصانع المجاورة”.

ويرزح السيل خلال مروره بمنطقة الزرقاء حاليا تحت وطأة فيضان المياه العادمة، من خطوط الصرف الصحي، بسبب مرور هذه الخطوط في مجراه، إضافة إلى وجود أنشطة تنموية مختلفة وتداخلها على جانبي السيل، بشكل عشوائي، وطرح النفايات والأنقاض في مجراه، وأيضا يعاني السكان حوله من الحشرات والقوارض والزواحف والروائح الكريهة المنبعثة منه.

ويقول الشلبي “كان مزارعون من أهالي الحي يقومون بزراعة الخس والزهرة والباذنجان حول السيل، مستفيدين من مياهه الجارية طوال العام، لري المزروعات”.  ويضيف لـ”الغد” إن مياه السيل “كانت في الستينيات والسبعينيات قوية جدا، لكنها بدأت بالتقلص بصورة تدريجية”، متحسرا على أيام الصبا، “يوم كنا نسبح في السيل ونلعب انا وأولاد الحارة حوله، ونأكل من اللوز والرمان والتوت الذي تنمو أشجاره على حواف السيل”.

وبعد أن يشير بيده يميناً باتجاه السيل يقول: “انظر اليوم.. لا مياه؛ فقد جفت.. نحن في الشتاء ولا مياه.. وكل ما نراه ونشمه روائح كريهة وذباب وتلوث”.

ولا يتردد أبو رامي في تحميل الحكومات والبلديات مسؤولية ما حصل مع سيل الزرقاء، ويقول: “التراخي ولامبالاة الحكومة بتلوث السيل والسماح للمصانع والشركات بإلقاء مخلفاتها بالسيل أدت لتدهور السيل والبيئة، وهو ما ينذر بكارثة بيئية خطيرة، تطال جميع أهالي الحي في حال استمرار الوضع على ما هو عليه”.

فيما يستذكر أبو جهاد (متقاعد عسكري)؛ كيف كان سيل الزرقاء يجذب خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات الناس من مختلف مناطق الزرقاء وعمان للتنزه، حيث كانت تكثر حوله الأشجار والخضار، والمياه الغزيرة، وينمو فيها القصب والأسماك والضفادع.

ويشير إلى أن أغلب سكان حي النزهة بدأوا بشراء الأراضي حول السيل مطلع الثمانينيات تقريبا، حيث كانت منطقة جميلة، قبل أن تتحول إلى بؤرة تلوث.

ويشكو أبو جهاد وجيرانه اليوم من تلوث مياه السيل المتبقية، وما تخلفه المصانع من أدخنة وروائح في المنطقة، تزيد من التلوث الناتج عن السيل، والذي فاقم من تلوثه وصول مخارج مياه الصرف الصحي، لافتا إلى أن العديد من سكان المنطقة اضطروا لبيع منازلهم ومغادرتها.

ولم يسمع أبو رامي وأبو جهاد بمشروع إعادة تأهيل سيل الزرقاء، الذي كانت بدأته وزارة البيئة، بالشراكة مع الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، منذ العام 2009، والذي يتضمن استقطاب مجموعة من المشاريع الريادية على امتداد السيل.

أما الصندوق الكويتي للبيئة فقام مؤخرا، وبالتعاون مع بلدية الزرقاء، بإقامة جدار استنادِي على جانبي سيل الزرقاء، وذلك لتعرض جسر “الزواهرة”، الذي يقطع السيل في منطقة حيوية بين شرق وغرب الزرقاء، للانهيار لأكثر من مرة، بخاصة في آخر هطول مطري غزير، والذي أعاد مؤقتا الحياة للسيل، ما سبب خروج مجرى النهر عن حده. رئيس بلدية الزرقاء المهندس عماد المومني يقول لـ”الغد”؛ إن إعادة تأهيل سيل الزرقاء “يحظى باهتمام غير مسبوق من البلدية، وتتم حاليا دراسة المشاكل البيئية التي تحيط به”، موضحا أن انحسار مياه السيل عبر عقدين مضيا جاء جراء الضخ الجائر للمياه الجوفية من منطقة المنبع شرق عمان، ما أدى إلى جفافه.

وأضاف المومني أن إلقاء المياه العادمة من المصانع القريبة من السيل فيه على مدى أعوام طويلة أدى الى تلويثه.

وبين أن البلدية “قامت مؤخرا باستبدال خط الصرف الصحي الموازي للسيل، للحفاظ على نظافة مجراه من الأوساخ”، متوقعا أن يؤدي بدء ضخ مياه الديسي لمناطق واسعة من المملكة مؤخرا، إلى تخفيف الضغط على منابع سيل الزرقاء، ما يوفر على المدى المتوسط والبعيد فرصة لانتعاش السيل مرة أخرى، وبما يخفف من تلوث المنطقة ويساعد في إعادة إحياء البيئة الزراعية حول السيل، وتحويله إلى منطقة جذب سياحي.

لكن هذ الأمل بانتعاش قريب لمنطقة السيل وانتهاء تلوثه لا يقنع كثيرا المواطن أحمد الزعبي، حيث يقول “نعاني كثيرا بسبب الروائح الكريهة، والأتربة المتطايرة من معامل الطوب والحجر في المنطقة”.

ويشير الزعبي إلى أن الأمراض الجلدية والتنفسية “شائعة” بين الأهالي، بخاصة مع ارتفاع نسبة الأكاسيد في الجو، وتحديدا ثاني وأول أكسيد الكربون.

ويؤيد إلى حد بعيد، أبو معين، وهو صاحب معرش فواكه بالقرب من مجرى السيل، ما أورده الزعبي قائلا: “نحن نتأثر كثيرا من هذه الروائح الكريهة المنبعثة في ساعات الصباح، خاصة بالقرب من (محطة الرفع) الخاصة بالتنقية، وهي عبارة عن بركة مليئة بالمياه الآسنة، وتقع قريبا من المنازل في منطقة حي معصوم والنزهة والزواهرة، وهذه المحطة يتم رفع المياه فيها إلى محطة الخربة السمرا”.

أما أبو إياد، أحد المجاورين لمنطقة سيل الزرقاء أيضا، فيؤكد أن مشكلة التلوث بالسيل تزداد في فصل الصيف، جراء انتشار الروائح الكريهة والحشرات والقوارض، وقيام مواطنين برمي الأنقاض داخل مجرى السيل وعلى أطرافه.

ويبلغ طول مجرى نهر (سيل) الزرقاء، ابتداء من رأس العين في عمان، مرورا بالرصيفة ومدينة الزرقاء، وانتهاء بسد الملك طلال في جرش بحدود 73 كم، وتكثر على جانبيه النشاطات التنموية المختلفة الصناعية والتجارية والزراعية، إضافة إلى التجمعات السكانية.

الغد – جلال أبو صالح