شكل الملكية – د. مراد الكلالدة

2013 10 27
2013 10 27

8كثرت في الآونة الأخيرة الأفلام التي تتحدث عن كوارث طبيعية تضرب كوكب الأرض، فيحل الجفاف ويموت الشجر، وتهدم العمائر وتنهار الجسور وتسقط الأبنية، ويعود الإنسان للهمجية والوحشية التي تنجو ببعضهم على حساب النساء والأطفال والضعفاء من الكائنات الحية، فتأكل المخلوقات بعضها. ومن حسن حظنا أن يطل علينا بعض المبدعين بمثل هذه الأفلام، ليكي نعيش ولو لفترة قصيرة من الوقت في ظل الأسوء من الظروف والأنكي من المحن، ولكي نتذكر النِعم التي نعيش فيها في ظل الحياة المدنية، وتطور التكنولوجيا.

وقد وجد الإنسان أن الحوار مع الآخر هي الطريقة الأمثل للتعايش، فأسَست الدول عُصبة الأمم في العام 1919 عقب مؤتمر باريس الذي انهى الحرب العالمية الأولى، كأول منظمة دولية هدفت للحفاظ على السلام العالمي، وتلتها منظمة الأمم المتحدة في أكتوبر 1945التي لعبت وما تزال دوراً مهماً في التقريب بين الأمم، ومحاولة حل النزاعات بالطرق السلمية، والسعي لضمان حقوق الإنسان.

وقد إنضم الأردن للأمم المتحدة في أواخر العام 1955وقد مكننا هذا من التواجد على الساحة الدولية ونسج علاقات تعاون مع بقية دول العالم، والإستفادة من الإتفاقيات الدولية، ولا يمكننا حتى تخيل الإستمرار كدولة بدون هذه العضوية.

وقد أنشأت الأمم المتحدة وكالات متخصصة تساعدها في تحقيق مهمة الحفاظ على السلم العالمي، مثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة العمل الدولية، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وغيرها. ومن المنظمات المهمة حديثة النشأة المفوضية السامية لحقوق الإنسان والتي تدعم عمل مجلس حقوق الإنسان، الذي تم إنشاءه في 15 آذار 2006 والمؤلف من 47 دولة (ليس من بينها الأردن) مسؤولة عن تعزيز جميع حقوق الإنسان وحمايتها في جميع أنحاء العالم. ويعمد هذا المجلس على عقد جلسة (الإستعراض الدوري الشامل) لتقييم أوضاع حقوق الإنسان في جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وبما أن الأردن عضو في الأمم المتحدة، فيخضع للمسائلة عن طريق آلية تمكن حتى الأفراد (نعم انا وأنت) أو الجمعيات أو المؤسسات من تقديم شكوى لدى المجلس لإسترعاء إنتباه المجلس إلى إنتهاكات حقوق الإنسان.

وقد يقول قائل، نحن في الأردن دولة نحترم الإنسان ونُحسد على كثير من الأوضاع التي نعيش فيها مقارنة مع الكثير من دول العالم، ونجيبهم على ذلك، نعم صحيح، ولكن حقوق الإنسان في تطور دائم، فما كان مَطلب قبل ألف عام مثل التعليم، أصبح حق في وقتنا هذا، فلم يعد مقبولا من دولة أن لا تقوم بتعليم الأطفال، فقد أصبح هذا الحق إلزامياً لأن الدول ملزمة بإعطاء المواطن هذا الحق. ولنتذكر تصرفات غالبيتنا عند دخونا الصف الأول، حيث كان يوماً أسوداً لغالبيتنا، ولكن الإلزام مكننا من أن نصبح مهندسين ومحامين وأطباء وممرضين، وغيرها من المهن التي تستند الى العلم والمعرفة.

لقد أدركت الدولة الأردنية أهمية التعامل مع المنظمات الدولية، عن رغبة من جانب، وعن إضطرار من جانب آخر. فالأردن كالعديد من الدول، لا يرغب أن يقف للمسائلة، فالبنسبة للأنظمة، الدنيا قمرة وربيع … وكان الله في عونها لحمل هموم مواطنيها. ولكن الأمم المتحدة متمرسة في التعامل مع الأنظمة ومحاولاتها التنصل من تطبيق بعض المعايير الدولية التي تضمن مزيدا من حقوق الإنسان، لهذا نجد المنظمات الدولية تسعى للسماع من منظمات المجتمع المدني للتعرف على واقع الحال. وقد تنبهت الدولة الأردنية إلى ذلك وحاولت قطع الطريق على منظمات الأمم المتحدة فقامت بتأسيس (المركز الوطني لحقوق الإنسان) كمؤسسة وطنية مستقلة بموجب قانون رقم (51) لسنة 2006، على أساس أنها (منظمة مجتمع مدني) بعيدة عن سيطرة الدولة. وقد سبق لي وأن تعاملت مع المركز بتوجهي لتقديم شكوى على أثر مشاركتي بإعتصام سلمي على الدوار الرابع، واستطيع القول بأني شعرت بأني في الدائرة إياها، ولا مزيد.

لم تعد فذلكة الحكومات تنطلي على الدول الديمقراطية، فلها مراكز أبحاث تعرف دبة النملة، وإن تعذر على المواطن البسيط إيصال الشكوى الى الهيئات الدولية، فهناك من هو موجود من الدول المتحضرة الذي سيطالب الحكومة بمنع تزويج الفتاة المغتصبة، وبالمساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وبمنع تقييد الحريات الصحفية. وللإنصاف فإن المنظمات الدولية تحاول الوصول الى منظمات المجتمع المدني الأردنية، وقد سبق لي وشاركت كرئيس للمنتدى الأردني للتخطيط في ندوة للتعريف بكيفية المشاركة في جلسة إستعراض مجلس حقوق الإنسان، لدرجة ان الجهة المنظمة للندوة استبعدت فيها مشاركة المركز الوطني لحقوق الإنسان، لمعرفتها أن الدولة الأردنية تقدم المركز كممثل عن المنظمات الأهلية، ولا أظنه كذلك.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن إستفراد الحكومات بثنائية العلاقة بين الأردن والعالم، يجر علينا مثالب جمة، وهنا أدعو الأحزاب الى التصدي لهذه المهمة الصعبة، لأن الأنظمة قد إستعدت لذلك بتشريع يجرّمها تحت مسمى التمويل الخارجي، وإن نجحت بذلك، حينها سيتم الإستماع لها،  فكما قالت لي السيدة نفاع، والتي سبق لها وأن حضرت جلسة للإستعراض الدولي لحقوق الإنسان، بأن النظام الملكي في الأردن مهتم جداً بصورته أمام المجتمع الدولي.

هذه الحقيقة، بأن نظامنا الملكي يسعى إلى ترك إنطباع حضاري عند العالم … مسألة يتوجب على المطالبين بالإصلاح إستغلالها لفرض مزيد من الحقوق، ولا عجب في أن نرى الأردن يوافق في جلسة جنيف الأخيرة على 133 توصية من أصل 173، كما ان الأردن يسعى للحصول على عضوية المجلس.

هذا هو شكل الملكية الذي نريد، ملكية دستورية، تكون فيها الحكومات برلمانية … والطريق إلى ذلك هو قانون إنتخاب إصلاحي (وليس فذلكة) الذي يفرز نواب أفاضل هم خيرة الخيرة حتى نلحق بما فاتنا من بحبوحة العالم المتحضر.