ضــد حــركــة الـتـاريـــخ ..!! – حسين الرواشدة

2014 04 20
2014 04 20

355ما يحدث في عالمنا العربي ليس أكثر من ( مجازفة) لمعاكسة حركة التاريخ، والنتيجة محسومة – بالطبع- وهي باختصار: ( الفشل)، اذ لا يمكن ابدا لهذه (الانظمة) التي استنفدت أغراضها، وانتهت صلاحيتها ان تتمكن من مواصة السير في طريق القتل والاستبداد والقهر، كما لا يمكن لهذه الشعوب التي ( استيقظت) ان تقبل الاذعان    والطاعة الى الأبد.

قبل ان يذكرني القارئ الكريم بما وردنا من صور ( بائسة) سواء من سوريا او من مصر او ليبيا وأخيرا من الجزائرـ أرجو ان يطمئن بأن ما ذكرته سلفا ليس مجرد محاولة لطرد ( اليأس) والاحباط، أو للرد على الذين وضعونا أمام خيارين مرّين، أحدهما: القبول بالأمر الواقع بما فيه من ظلم و فقر و تخلف وأوهام ( استقرار) وفردانبة في الحكم، والآخر: انتظار ( الرايات) السوداء حيث التطرف والارهاب واللاستقرار والفوضى، لا أبدا، وانما ما قصدته حقا هو ان ما نشهده اليوم من ( جنون) ومحاولات اجهاض أحلام الناس ووضعهم تحت (السيطرة) ، وإقصائهم تماما من (المشهد) للاستئثار به وادارته بالادوات القديمة نفسها، ليس الا ( الجولة) الاخيرة من معركة امتدت لعقود طويلة، و الخطوة الاولى في طريق احتضار الماضي وولادة ( اليقظة) الشعبية التي ما إن أطل ( رأسها) حتى تكاتفت القوى التي ايقنت بأنها ستخسر كل شيء للاجهاز عليها، لكنها -بالتأكيد- ستفشل لأن (مارد) الناس انطلق من قمقمه، وهو أذكى من ان يعود اليه مرة اخرى.

كل مانطالعه اليوم من ردود يصب في اتجاه واحد وهو اقناع المواطن العربي بأن يرضى ( بنصيبه) المحتوم، وأن يكفر ( بالثورات) وما حملته من افكار للاصلاح و التغيير، وان يصطف – كما كان- في طوابير ( اهل القناعة والطاعة) وان يطرد من خياله كل الأماني والامنيات، فهو دون غيره من سكان الارض كائن خلق ليعيش فقط وفق ما يقرره له غيره، وممنوع عليه الحرية والديمقراطية، واذا انتابته لحظة ( جنون) وفكر بالتمرد او بالخروج عن هذه ( القسمة) التي فرضت عليها ، فمصيره “الذبح “- كما يراه- تماما  في سوريا او ليبيا او ميادين مصر .

آخر رسالة من هذا ( الصنف) وصلت للمواطن العربي كانت من ( الجزائر)، فقد أصرت الاطراف التي رسمت مشهد هذه الدولة منذ التسعينيات من القرن الماضي ان يكون ( قدر) الجزائري محددا سلفا، وربما كانت صورة المرشح الرئيس بوتفليقة وهو يقف مدفوعا على الكرسي المتحرك  أمام احد  صناديق الانتخاب تختزل بامتياز منطق ( النظام) العربي  ، فنحن الان أمام مرحلة ( المرشح الرئيس) حيث الديمقراطية مجرد ( استفتاء) وحيث الناس بحاجة الى ( القائد الضرورة) وحيث الثورات التي قامت مجرد ( كذبة) لم يصدقها احد.

حين تدقق  في الصورة بعيون ( المؤرخ) لا السياسي المشغول بما يطفو على سطح ( الربع ساعة الاخيرة) من أحداث ووقائع تكتشف بأن ما جرى لنا سبق وشهدته أمم اخرى سبقتنا الى ( التغيير )، حدث ذلك في فرنسا وفي امريكا و في بلدان تعرضت ثوراتها للاجهاض اكثر من مرة، ودفع ثوارها ارواحهم على اعواد المشانق، واحتاجت مجتمعاتها الى عشرات السنين لكي تقرر مصيرها، لكن النتيجة في كل تلك التجارب كانت واحدة وهي ان الشعوب دفعت الثمن كاملا ثم  انتصرت و تقدمت وتحضرت ايضا .

ومع ذلك لا يجوز ان تعلق الشعوب العربية ( آمالها) على حركة التاريخ، وانما عليها ان تنهض لدفع عجلات هذا التاريخ الى الامام، ومن يتحمل مسؤولية ذلك هو ( النخبة) او ( الكتلة) التي اشرت اليها في مقالات سابقة و حددت ادوارها ومواصفاتها ، لكن يبقى ان اشير الى مسألتين : اولاهما ان ما يجري في عالمنا العربي من انفجارات كان بمثابة لحظة ( صحوة) سرعان ما تم تطويقها و الانقضاض عليها ، لكنها لم تمت وانما ( تكيفت) مع المحيط القهري الذي وجدت نفسها فجأة فيه ، وبالتالي فإن تكرار ولادتها وارد بالتأكيد، لكن صورة هذه الولادة ستكون مختلفة، ومن الصعب لأحد ان يتنبأ بها ، لكنها تبدو قريبة جديدة.

أما المسألة الاخرى فهي ان من واجب ( النخب) ان تستعد لاستقبال هذه الصحوة الجديدة، لا على جهة الصراع من أنظمة الحكم التي استهلكت طاقاتها و شرعياتها، وانما ايضا على جبهة ( اعداد) المجتمع للتعامل و التفاعل مع الواقع الجديد، ذلك ان رحلة الديمقراطية والحرية والتعددية لا يمكن ان تبدأ من الصفر، وانما تحتاج الى ( ارضيات) من الوعي الصلب، او إن شئت الدقة الى ( تنوير) جديد ، يعيد للمجتمع عافيته وقدرته على حسم خياراته ، سواء تلك التي تتعلق بالدين او العلم أو السياسية أو العمل ، والحسم هذا يحتاج الى اجابات صادمة لكنها ضرورية لتحويل لحظة الصحوة الى همة دائمة و قادرة على البناء لا مجرد الهدم فقط.

الدستور