عبدالهادر تشهر روايتها بكاء المشانق

2014 12 08
2014 12 08
edx صراحة نيوز – أقيم أول من أمس في منتدى الرواد الكبار حفل إشهار رواية “بكاء المشانق” للروائية آسيا عبد الهادي، بمشاركة نقدية قدمها محمد المشايخ، في حفل حضره جمهور المنتدى أدراه المدير التنفيذي للمنتدى عبدالله رضوان، واستهل بكلمة لرئيسته هيفاء البشير.

كلمة السيدة هيفاء البشير حفل إشهار كتاب (بكاء المشانق)

السيدات والسادة الحضور الكريم أسعد الله صباحكم جميعا، ومرحبا بكم وبكن ضيوفا وأعضاء وأصدقاء في منتداكم ،منتدى الرواد الكبار الذي يسعد بكم وبحضوركم هذا النشاط الثقافي الأدبي الذي نسعد فيه باستضافة الروائية المبدعة صديقة المنتدى الأستاذة آسيا عبدالهادي الروائية والقاصة والإعلامية التي نقدرها ونحترم منجزها، والتي ستوم اليوم بتوقيع روايتها الجديدة الموسومة بعنوان: بكاء المشانق، لتضيف بذلك منجزا نوعيا الى منجزها الروائي المعروف والمتميز.فمرحبا بها بيننا صديقة وروائية مبدعة.

كما ونسعد أن نستضيف أيضا الناقد المعروف عضو الهيئة الادارية لرابطة الكتاب الأردنيين الأستاذ محمد المشايخ،ليغني هذا اللقاء بمداخلة نقدية حول الرواية وأوجه تميزها وموقعها في تجربة الأستاذة آسيا الروائية، فمرحبا به ضيفا عزيزا وناقدا مميزا.

السيدات والسادة

ومع تقديرنا وافتخارنا ببرنامجنا الثقافي الذي يقدمه في المنتدى بشكل دوري، فإننا لا ننسى برنامجنا الاجتماعي الذي يشكل رديفا مهما لباقي أنشطة المنتدى، وفي الختام، وإذ أؤكد ترحيبي الشخصي والمؤسسي بكم وبضيوفنا الكرام، فإنني أتطلع الى أصبوحة ثقافية تليق بنا جميعا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. محمد المشايخ: رواية آسيا عبد الهادي الجديدة(بكاء المشانق) عن دار الأيام للنشر والتوزيع في عمان، صدرت مؤخرا الرواية الخامسة للأديبة آسيا عبد الهادي، عضو رابطة الكتاب الأردنيين، وعضو الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، بعنوان(بكاء المشانق)، وذلك بعد رواياتها: الحب والخبز، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2006.سنوات الموت، الصادرة عن دار اليازوري للنشر والتوزيع في عمان عام 2008.الشتاء المرير، الصادرة عام 2010 عن دار دروب للنشر والتوزيع.غرب المحيط، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2012. يتلخص موضوع الرواية، بشكل عام، في استعراضها الجمالي لردة الفعل الجماهيرية الغاضبة للشعب الفلسطيني بعد صدور وعد بلفور، وما تعرض له أبناء هذا الشعب على يد البريطانيين والصهاينة، وما قدموه من تضحيات من أجل التحرر وطرد الغزاة،ويتلخص موضوعها بشكل خاص، في استعراضها الجمالي لمسيرة حياة المقاوم محمد عبد مصطفى الضميري وما قدّمه ورفاقه المقاومين من بطولات استحقت التخليد عبر هذه الرواية، وكان ثمن ذلك اعتقاله، ثم استشهاده شنقا على يد البريطانيين. وهنا نشير إلى قدرة الروائية على تجاوز الروايات التسجيلية والتوثيقية، وانتباهها إلى أن الموضوع التاريخي والوطني الملتزم، القائم على تفكيك الروايات الشفوية، بحاجة إلى جماليات خاصة تميزه عن النثر العادي، ومن هنا التزمت بتلك الجماليات، وقدمت عملا روائيا متميزا. ورغم عدم إيمان الروائية بتصنيف الأدب إلى نسوي وذكوري، إلا أن روح المرأة التنويرية المبدعة وخصوصيتها تسود الرواية، وهنا تتبدى قدرة آسيا عبد الهادي على امتصاص اللغة الاجتماعية الأنثوية وإدخالها في بنية السرد الروائي، في الوقت الذي حافظت فيه على التنوع اللغوي وتعدد اللهجات مضطرة في كثير من المواقف لاستخدام العامية لا سيما وأن معظم شخصيات الرواية من الأميين في مطلع القرن الماضي، والأجمل في الرواية لجوئها إلى لغة الإشارة أحيانا ومن ذلك ما جاء في: (ص53ونجـّدوا لنا فرشتين محترمتين هالخمل)، هذا عدا عن استعارة الرواية في كثير من صفحاتها للحوار المسرحي الذي لطالما أجّج السرد وأثراه وأغناه، وجعل مادتها سهلة على من يبتغي إعداد السيناريو فيما إذا تم تحويلها إلى دراما تلفزيونية. المرأة دائما تنتصر للمرأة، إلا في هذه الرواية، أدانت الروائية موقف المرأة التي تطلب من شقيقها التوقف عن المقاومة خشية الموت أو الأسر، بينما الشقيق يحتال عليها، ويهرب، ويترك حتى عروسه بعد الزفاف من أجل الالتحاق سرا بالمقاومة. ورغم أن أحداث الرواية استغرقت زمنا طويلا ، إلا أن عملية سردها كانت سريعة ولم تزد عن جلسة واحدة، وهذا دليل طول نفس الروائية ودليل قدرتها على التركيز وعلى تجميع الخيوط ولملمتها. ونشير أيضا إلى نجاح الروائية في تقديم وجهات نظر متعددة داخل الرواية، كان يتداخل فيها صوت السارد مع صوت الراوي إلى جانب صوت الشخصيات ، والأهم من ذلك إخفائها لصوت البطل، إذ كانت كلماته قليلة جدا بينما إنجازاته الكفاحية والوطنية كبيرة، وبقدر ما كانت الروائية حيادية في نقل الأحداث كما جرت، إلا انها كانت تنحاز للخيرين في مواجهة الأشرار دائما. اشتغلت الروائية على تقنية المعلوم والمجهول، فكانت تصرّح بما خفا واستتر من أحداث، وفي الوقت نفسه تتجاوز ما يعرفه دارسو القضية الفلسطينية وما يعرفه من عايشوا الصراع العربي الصهيوني فلا تورده، وذلك ضمن سعيها لتجاوز الإطناب، والمحافظة على الإيجاز قدر المستطاع. إن اشتغال الروائية على إحداث ازدواجية في السرد يشتمل وصف الشخصيات إلى جانب وصف الأمكنة، مع تركيزها على مدينة الخضيرة، يعيدنا إلى موضوعة المدينة في الرواية العربية، وهي هنا تتسم بالجمال، وفي الوقت نفسه الأقدر على إنجاب المقاومين، جاء في الرواية عن مدينة الخضيرة:ص36″الخضيرة اسم على مسمى، أجمل بقاع الدنيا، إضافة إلى خضرتها وطقسها البديع صيفا وشتاء..خضرة دائمة طوال العام ومواسم زراعة مستمرة”. لقد حلقت الروائية في عوالم واقعية، ولم تستخدم خيالها، بقدر استخدامها للكثير من المجازات والتشبيهات التي جعلتها تقوم بصياغة بعض الإحداث على شكل لوحات تشكيلية، رغم أنها لوحات معنوية إلا انها كادت أن تنطق في أكثر من موقع. في عنوان ملحمتها الجديدة”بكاء المشانق” ، تشخيص بلاغي، يشتمل على صورة فنية نقلت الموضوع من حالته التقريرية أو المغيبة إلى حالة تُرى وتعاش بالبصر والبصيرة بما اكتسبته من نبض وحركة وحياة، وهي صورة نسبت للجماد”المشانق” ملمحا بشريا”البكاء”، وكأني بالروائية تقول عبر هذا العنوان، إذا كانت المشانق تبكي حين تودي بحياة الأبطال، فكيف حال ذوي هؤلاء وشعبهم وأمتهم، ثم أي قسوة يرتكبها الأعداء حين يمارسون القتل بأبشع صوره. اعتمدت الروائية، على”فاطمة”، “شقيقة الشهيد محمد الضميري”،في سردها لمعظم صفحات الرواية، أمام ثامر ورحاب الذين حضرا لمنزلها واستقبلهما زوجها للتعرف إليها، وحين كانت فاطمة تتوقف عن السرد، أو تسرد أمرا غريبا، يقوم أحد الحاضرين بطرح سؤال عليها، وفي الإجابة يشتد عود السرد، الذي كان دائما يتكئ على تقنية الاِسترجاع: باعتباره مخالفة في سير الرواية يقوم على عودة الراوي إلى حدثٍ سابق، موزعة اهتمامها بين الاِسترجاع الداخليِّ (داخل زمن الرواية) والاِسترجاع الخارجيِّ (قبل زمن الرواية) والاِسترجاع المزجيَّ (الذي يخلط بين النوعين)، وكانت الروائية تتحكم بسرعة السرد او بطئه، حسب الموقف الوطني الذي تصفه، أو حسب قدرتها على التذكـّر. في هذه الرواية، صياغة جمالية لجانب من التاريخ الشعبي والمرويات الشفوية للصراع العربي الصهيوني، ولسيرة ومسيرة الشعب الفلسطيني، تتبدى فيه بطولات وتضحيات رجاله ونسائه، وإن كانت النهايات في كل المواقف حزينة، إلا أن الحزن دائما مسبوق بما يبعث على الفرح،هنالك دائما صراع على الأرض ينتصر فيه الأعداء، وهنالك دائما صراع روحي، ينتصر فيه من يفقد تلك الروح ويسقط شهيدا كرمى لأرضه وعرضه ، وفي كل الأحوال ثمة حزن مقيم في الرواية وفي الوطن،حزن يشتد لدرجة إجبار القارئ على البكاء، حزن يشتد باعثا التشويق الذي تكون نهايته تراجيدية، وفي حالات الحزن الشديد تلك، كانت الروائية تتألق عبر عنصري التأثر والتأثير، وكان تأثيرها بالقارئ لا ينطلق مما تصرح به الرواية، بل لما توحيه. وعدا عن مقارنة الرواية بين العادات والتقاليد في الماضي والحاضر، تبرز كثرة مقارنتها بين جيل الأمس واليوم، وانتصارها للجيل القديم دائما، فتقول:” ص46(شباب هالأيام صايعين)، وتقول: “121كان الرجال أصحاب همة وشرف تلك الأيام..صحيح أميين لكنهم أشرف مائة مرة من كل حملة شهادات هذه الأيام”، وبعيدا عن هذه القسوة وما فيها من تعميم، جاء في الرواية:” ص50في الماضي كانت النساء قويات يعملن كالرجال”، وتقول:” ص61فوزية ترفع كيس التبن كأنه قنينة ماء”. وضمن تلك المقارنة، توضح الروائية بعض الحقائق الوطنية، ومنها التأكيد على وحدة الأراضي العربية قبل اتفاقية سايكس – بيكو، فتقول:” أيام العز لم تكن بيننا حدود”. كان الناقد عبد الله رضوان، قد قال في إحدى محاضراته النقدية حول واحدة من روايات غسان كنفاني، إن الشعب الفلسطيني أينما أقام في المهاجر، يغرس الدوالي، لما فيها من دلالات تبشر بتجدد الحياة واخضرارها وتمددها حتى العودة، أما رواية بكاء المشانق فتنتهي بموت بطلها وانقطاع ذريته..تموت زوجته وهي حامل فيموت الجنين إلى جانب الأم، وفيما بعد يستشهد الأب..كنت أتمنى لو بقي الجنين على الأقل حيا ليحقق تطلعات أبيه..وكيف يغيب عن الروائية الواعية والناضجة وطنيا وسياسيا حقيقة ما طرحه الناقد عبد الله رضوان وغيره من أساتذة النقد، فهي تتحدث صراحة وفي أكثر من موقع عن حلم العودة الذي غدا حقا مشروعا لا تنازل عنه. والجميل في الرواية أيضا، دمج البيئة والطبيعة والكون كله في أحداث الرواية، واعتبارها في بعض المواقف كائنا حيا يشارك البشر في أتراحهم، ومن ذلك ما جاء في الرواية:(132شاركها الكون مصيبتها وصمت كل شيء احتراما لروح الشهيد). كانت الرواية بالنسبة لآسيا عبد الهادي إسفنجة تمتص كل المعاني الوطنية والنضالية، وكل ما شهدته فلسطين من بطولة وتضحية ، وفي هذا الخضم تدافع عمن تركوا فلسطين التاريخية عام 1948، وتقول على لسانهم: (ص93لم نترك وطننا بل ناضلنا). آسيا عبد الهادي جريئة، وأحدثت في روايتها أكثر من تماس مع السياسة والسياسيين في عالمنا العربي، وقد تمكنت عبر جرأتها من تسييس فن الرواية، والتصريح بالمحظورات وخاصة عند لقاء أحد شخصيات الرواية برأس الهرم في إحدى الدول، وهو يعتقد أن ذلك الشخص العالي سينصفه لأنه صاحب فضل تربوي على أسرته، ولكنه يقسو عليه ويتناسى أفضاله ويؤكد على طلب الجهات المختصة منه هناك بالمغادرة، فيقول: “ص12مهما كان الوطن قاسيا ففي الغربة أقسى”..وضمن جلد الذات العربية، تنتقم الروائية من الجواسيس والمتآمرين الذين مثلتهم شخصية قابيل التي كانت تلاحق بطل الرواية ورفاقه المناضلين وتدل الأعداء على أماكن تواجدهم،وما أكثر المواقع التي كانت الروائية تغتنم فرصة بطء السرد وما فيه من تشكيل لتجلد العسس وتقول(ص83)”إنهم منا وفينا”. ورغم أن معظم أحداث الرواية تنتهي قبل انتهاء النصف الأول من القرن العشرين، إلا أن فيها أحداثا وشخصيات تلتقي مع الأحداث والشخصيات التي نعايشها في هذه الأيام، ومن ذلك حديثها عن المستعربين (ص39)الذين يرتدون الزي الفلسطيني ويندسون بين المتظاهرين لاعتقالهم ، وأيضا استخدام الأعداء لأبناء الشعب الفلسطيني دروعا بشرية(ص41) ليتمكنوا من اقتحام المناطق التي لا يستطيعون دخولها نتيجة تأجج المقاومة فيها. وضمن عنصر التشويق ، تخوض الرواية في أمور عامة من الحياة، وتتحدث لتوضح طبيعة حياة الناس قبل أن يعرفوا الاحتلال او الانتداب حتى عن عالم الحيوان وتجعله قريبا من الإنسان، فتقول “ص43الحيوانات مثل البشر تعرف طريقها وبيوتها وأصحابها وأطفالها وأمهاتها، ما الفرق بينها وبيننا، سوى أنها تمشي على أربع، المواشي بالذات تفهم أكثر من بني آدم في رأيي..في الربيع تسعد العين لرؤية الأمهات تركض وخلفها الرضع تتسابق معها أو تدس حالها بين أرجلها تتناول أثداءها المكتنزة بالحليب الدسم..سمينة جميلة بيضاء كالثلج أو بنية اللونـ تتراقص إليتها المشدودة وراء ظهورها..وبعد هذا الوصف، تسترسل الروائية في الوصف مقرونا هذه المرة بالنقد من خلال مقارنة بين الغنم في الماضي وفي الحاضر فتقول:إحنا الغنم عندنا وين..عن غنم هذه البلاد التي لا تجد ما تأكله سوى السموم والزبايل والأوراق واكياس القمامة السوداء”. وفي خضم حديثها السياسي، تقتنص الروائية الفرص لتتوقف عند بعض القضايا الاجتماعية وفي طليعتها تلك التي تخص العلاقة بين الرجل والمرأة،فالمرأة في مقدمة الرواية تتباهى بأنها هي الرئيسة في العمل(ص28)، والرجل هو المرؤوس، والجميل في السرد، أن الرجل كان يتباهى بهذه المنزلة، وإن كان يبدي في حديثه الساخر أن ذلك يشكل انقلابا على المفاهيم الاجتماعية التي تجعل من الرجل رئيسا للمرأة في بيتها وفي عملها أيضا.

qafh