عربية-إيرانية.. وليس سنية-شيعية

2015 04 03
2015 04 03

15يبدو واضحا، للأسف، أنه لا مناص من التدخل البري في اليمن. فرغم فعالية الحملة الجوّية ضد الحوثيين في تدمير مرافق عسكرية ومدافع وطائرات ومعسكرات، إلا أنها لا تؤثر بصورة حاسمة على سير المعارك. والدليل أن الحوثيين دخلوا عدن، ويحاربون في شوارعها.

لم نكن نتوهم، ولا أعتقد أن قادة “عاصفة الحزم” كانوا يتوهمون، أن القصف الجوي سيؤدي الغرض العسكري؛ بانكفاء الحوثيين وهزيمتهم. لكن كان الأمل أن يعطي ذلك رسالة قوية وحازمة تجعل الحوثيين يعيدون حساباتهم، ويتراجعون قليلا، لأن قوة عربية وازنة دخلت الميدان، وراءها قرار سياسي قاطع بعدم السماح لهم باحتلال اليمن. ولو أن لدى الحوثيين ومَن خلفهم منطق سياسي واقعي، لأخذوا الرسالة بالاعتبار، وأوقفوا العمليات العسكرية، ووافقوا على الحوار السياسي. لكن ردود فعلهم كانت تعكس تعنتا ومكابرة، ستدخل اليمن في أتون حرب طاحنة. ويتباهى المتحدث باسمهم أن “القتال في عدن أظهر فشل التدخل العسكري السعودي”، وأن انتصاراتهم في عدن “تربك تلك الحملة وتسكت الدول المعتدية”.

هكذا اذن؟! يريد الحوثيون خطف اليمن كله، رغم أنف السعودية والخليج ومصر والأردن والسودان؛ وكلها أعلنت مشاركتها في التحالف الذي لم يتشكل للتدخل في اليمن وفرض سلطة جهة عليه، بل لحمايته من الاختطاف من جهة واحدة، وإنقاذ التوافق الوطني والشرعية والديمقراطية التي انتزعها اليمنيون بالثورة على مدار سنوات ثلاث.

ووراء التعنت الحوثي إيران بالطبع، التي تمارس مراوغة مقيتة في الخطاب، غير ذي صلة بحقيقة الصراع. فهي تتمدد عسكريا في أحشاء العالم العربي، وتتصرف بالمشرق العربي كساحة خلفية لدولتها العظمى. وتتشجع بالتفاهم مع الغرب على الملف النووي، وإنهاء العقوبات، ومن الباطن تكون المقايضة: التراجع النووي أمام الغرب، مقابل إطلاق يدها في الشرق، وعلى قاعدة الاستثمار بالطائفية التي تمزق الأوطان العربية.

نحن نعرف أن إيران لن تتمكن أبدا من الحصول على سلطة مستقرة لها في أي بلد عربي. لكنها لا تبالي بتفسخ الدول ومعاناة الشعوب من عدم الاستقرار والاقتتال الداخلي. ولو نظرَت بشيء من الاحترام لمصالح الدول والشعوب، بما في ذلك الشيعة العرب، لسلكت طريقا أخرى في العراق وسورية ولبنان، وبالطبع في اليمن أيضا.

لكننا عربيا لا نريدها أبدا حربا طائفية. ولذلك، لا نرحب كثيرا بالاستعداد الباكستاني، وأيضا التركي، للمشاركة في الائتلاف الحربي؛ بل لا نريد مواقف سياسية منحازة منهما، ونفضل حيادا ونأيا بالنفس من قبلهما عن الصراع. فهذا الحلف العابر للقوميات، من باكستان وحتى تركيا مرورا بالعرب، يُظهر أننا بالفعل أصبحنا أمام حرب كونية طائفية بين السُنّة والشيعة في العالم الاسلامي، وهذا آخر ما نريده. هذه استراتيجية “القاعدة” والتنظيمات المتطرفة التي تسعّر الحقد والكراهية والصراع الطائفي، وهي بدرجة معينة أيضا استراتيجية التيارات الأكثر تعصبا ورجعية في الوسط الشيعي داخل إيران وتوابعها.

هذه قضية عربية، وقضية استقرار وأمن لدول عربية؛ قضية النظام العربي مع الجارة الإقليمية إيران التي تجدد سياسة عدوانية خاطئة. وكنا قد لمنا صدام حسين على افتتاح الحرب مع إيران، لكن هل تذكرون أن إيران هي التي كانت ترفض أنهاءها، وتدفع المجندين أفواجاً فوق حقول الألغام داخل الحدود العراقية في الجنوب؛ وأن الخميني وصف توقيع وقف إطلاق النار بأنه أسوأ من تجرع السم؟!

الحوثيون، وبصورة أوسع الزيديون، هم مكون رئيس ومقدر في اليمن. لكن يجب ردعهم وفك ارتباطهم بإيران، وعودتهم شريكا في النسيج اليمني الوطني. والتدخل البري سيكون الخيار المؤلم الأخير إذا لم يرتدعوا بالرسائل التي حملتها الطائرات.

جميل النمري