غينيس ومهارة لا تُفيد أحدا

2016 02 06
2016 02 06

omar_kallabفي الموروث العربي وخلال جولة لأحد الخلفاء انه رأى جمهرة من الناس تصفق وتبدي اعجابها ، فسار نحو الجمع مستطلعا الامر فإذا بهم يلتفون حول رجل يلقي الابرة من بعيد فيدخلها في خرم ابرة ثانية ، وفي كل مرة ينجح الرجل تعلو صيحات الاستحسان والتصفيق ، وداهم احد المتحمسين الخليفة بسؤال عن رأيه بمهارة الرجل ، فأجاب الخليفة مهارة لا تُفيد احدا و استحضر القصة في اجواء محمومة تجتاح الساحة المحلية لدخول موسوعة غينيس بالحديث المتواصل لستين ساعة ونيّف وقبلها داهمنا العالم باكبر صحن حمص واضخم قرص فلافل واوسع سدر منسف .

   كل المهارات السابقة والتحديات العربية لمناكفة العالم واثبات الجدارة على صفحات الموسوعة تعكس نمطية العقل العربي وعدم ابداعيته ، فنحن شعوب مشهود لها بالثرثرة المتواصلة دون حاجة للسيد غينسس وموسوعته ، ولا اظن شعوبا تنازعنا مهارتنا الكلامية ومقدرتنا على الثرثرة بكل صنوفها الحماسي والعاطفي والمديح والذم وكل مشتقات علوم الكلام ، فنحن اسقطتنا الاعداء وجعلناهم طعاما للسمك ببيت شعر وميكرفون ، وحررنا الاوطان اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا بقصائد ، بل ان الدول التي تحررت بالاسلحة المعروفة للحركات الثورية لم تُصدر اغنية واحدة عنها ، فيما غنينا لكل الاسلحة من الكلاشينكوف الى الميم طا والمارتينة وكل المشتقات دون تحقيق نصر واحد ، فقد اكتفينا بالغناء وكلماته وتركنا النصر لغيرنا .

   مهاراتنا الكلامية تقف حائرة امام مهارتنا في صنع الطعام وصنوفه وكمياته ، فما طبق في الكون غائب عن شوارعنا او طاولات سفرتنا ، واكثر الكتب مبيعا في مدننا العربية هي كتب الطعام ولعل الشيف الواحد على اي فضائية اكثر شهرة من امين عام حزب نصف حزبه بالجماهيري او الشعبي وطبعا اكثر شهرة من اي شاعر وروائي ووزير خدماتي ، نحن الشعب الوحيد في الكون الذي تتسع حاوياته لاكثر مما تتسع امعاء المدعويين ، ونفاخر بكميات الطعام المقدمة على الموائد دون النظر الى عدد المدعويين ونفتخر بكرمنا الابله المبني على عدد الذبائح للدعوة الواحدة ورغم ذلك لم ننجح في تعميم طبق واحد على الكون مثل مطعم وجبات سريعة غربي .

   ثمة غائب واحد لاكمال ثالوث المهارة العربية ولا ادري ان كان السيد غينس قد فتح له بابا على صفحات موسوعته ، فالعربي يمتلك فحولة لفظية وطعامية وفحولة اخرى نمسك عن ذكرها ، واذا ما فتح السيد غينس ابواب موسوعته لهذا الجهد ،فسيجدنا على صفحاته الاولى رغم اننا اكثر الشعوب إصابة بمرض السكري والبدانة ، فهي فحولة مطعون في شرعيتها لكن موسم الفحولة اللفظية ما زال يطرحها كسمة عربية ، طبعا سننافس في مدخلات الفحولة بجسارة فأكثر الشعوب بذخا في المراقص والنوادي الليلية عرب عاربة بالقطع ، ونحن بإنتظار فتح الصفحات للمهارات العربية الفائضة عن حاجة الكون ، المشغول بصغائر الامور من اختراعات واكتشافات واتمتة وتعليم وصحة ورفاه اجتماعي .

   السعي لدخول السباق الكوني ليس هدفا بحد ذاته وهو مجرد تقليعة لشعوب انهت الكثير من الملفات الوطنية فباتت تبحث عن اضافة لمواهبها او لاشغال مواطنيها ، وليس لشعوب فاقدة ادنى درجات الحضور المحلي وليس العالمي في ابسط الامور وللحديث بقية .

عمر كلاب – الدستور  omarkallab@yahoo.com