غيوم في سماء المملكة العربية السعودية..الجزء3

2016 08 08
2016 08 08

صورة الدكتور حسين توقهأسئلة خطيرة تبحث عن أجوبة وغيوم سوداء في سماء السعودية تبحث عن أشعة الشمس

4: شركة أرامكو ( شركة الزيت العربية السعودية )

إن شركة أرامكو تمثل درة الإقتصاد للمملكة العربية السعودية وهي صاحبة الفضل في إنتاج النفط والغاز وفي تنمية الصناعات البتروكيماوية وفي رفد مئات التريليونات من الدولارات إلى خزينة الدولة من خلال عمليات التنقيب والإنتاج والتكرير والتوزيع والشحن والتسويق . وهي تعد أكبر شركة نفط في العالم من حيث القيمة السوقية حيث بلغت قيمتها السوقية حسب تقرير الفاينانشال تايمز عام 2010 بمبلغ 7 تريليون دولار أمركي بينما رجحت مجلة إكسبلوريشن قيمتها عام 2015 بحوالي 10 تريليون . وهنا ومن خلال تقييم القيمة السوقية الفعلية للشركة تبرز عمليات التلاعب في الأسواق التجارية والأسهم والبورصات حيث أن مثل هذه القيمة تتجاهل بشكل أو بآخر المخزون الإحتياطي للنفط والغاز في المملكة العربية السعودية لا سيما كميات الغاز الكبيرة التي تم إكتشافها في شمال المملكة على الحدود السعودية العراقية وحقول الغاز الكبيرة في شواطىء البحر الأحمر ضمن المياه الإقليمية للمملكة العربية السعودية وكما ذكرنا سابقا فإن المخزون الإستراتيجي الهائل لكميات النفط والغاز في صحراء الربع الخالي تكفي العالم بأسره من مائتي عام إلى ثلاثمائة عام فكيف يمكن تقييم القيمة السوقية لشركة ارامكو وهي تضم هذا الكم الهائل من النفط والغاز وهي كنز دائم لا ينضب ولا يفنى.

لقد كانت شركة أرامكو العامل الأول في بناء وتطوير ونهضة العديد من المدن السعودية والموانىء البحرية وفي تشغيل مئات الآلاف من الأيدي العاملة وكانت أحد الأسباب الرئيسة في نهضة المملكة سياسيا وعمرانيا وعلميا وتكنولوجيا وتجاريا وإقتصادا وإتصالات ومواصلات برا وبحرا وجوا وبنوكا محلية وعالمية وبناء مستشفيات ومدارس وجامعات وتحقيق أعلى قدر ممكن من الأمن والسلامة لكافة المواقع من آبار وموانىء وخطوط أنابيب ولكافة العاملين .

في عام 1950 تم الإنتهاء من تمديد خط أنابيب التابلاين ( Trans – Arabian Pipeline) والتي تعني بالعربية خط الأنابيب عبر البلاد العربية . في البداية كان المخطط أن يكون مسار الأنبوب من بقيق في المنطقة الشرقية للسعودية نهاية بميناء حيفا في فلسطين لكن نشؤ دولة إسرائيل عام 1948 أدى إلى تعديل مسار الخط ليكون نهايته جنوبي صيدا في لبنان على الشواطىء الشرقية للبحر الأبيض المتوسط بطول 1600 كم بأمر من الملك عبد العزيز آل سعود وبشراكة مابين شركة إسو وتكساكو وموبيل بتكلفة 150 مليون دولار .

كما أن مشروع خط الأنابيب شرق/ غرب تنقل مابين 5 ملايين برميل إلى 7 ملايين برميل من الزيت الخام حيث يتكون من خطي أنابيب كبيري القطر ويمتد الخطان مسافة 1200 كيلو متر من معامل بقيق شرقا إلى فرضة الزيت الخام في ينبع على ساحل البحر الأحمر غربا . وتأتي الأهمية الإستراتيجية لهذا الخط انه يشكل مسارا موازيا لتصدير الزيت الخام عبر الساحل الغربي للبحر الأحمر موازيا لمسار ناقلات النفط من الساحل الشرقي للمملكة على الخليج العربي مرورا بمضيق هرمز .

وكما ذكرنا هناك دراسات واستعدادات لبناء خطوط أنابيب من المنطقة الشرقية بإتجاه الجنوب على بحر العرب وكان التفكير ببناء خطوط الأنابيب عبر سلطنة عمان إلى ميناء صلالة العماني تجنبا للمرور من مضيق هرمز .

ولو حاولنا استعراض التطور الزمني والمراحل التي مرت بها شركة ارامكو منذ بدايات التأسيس عام 1933 تحت إسم كاليفورنيا العربية للزيت القياسي والقيام بتاريخ 1939 بتصدير أول شحنة زيت يتم تحميلها على ناقلة من بئر الخير بين الدمام والظهران .

وفي عام 1962 أنشأت الحكومة السعودية أول شركة بترول وطنية وأوكلت إليها مهمة إعداد المشروعات وتنفيذها لتنمية الصناعات البترولية والتروكيماوية والمعدنية في البلاد وسميت المؤسسة العامة للبترول والمعادن ( بترومين ) .

وفي عام 1988 وافقت الحكومة السعودية على إنشاء الشركة العربية للتسويق والتكرير ( سمارك ) على أنت تكون فرعا للمؤسسة العامة للبترول والمعادن ( بترومين ) وكان الهدف من تأسيس سمارك من أجل تجميع قطاعات التكرير والتوزيع للمنتجات البترولية تحت مظلة واحدة لتحقيق أعلى عائد منها .

وفي عام 1993 صدر المرسوم الملكي بدمج مصافي التكرير ومرافق توزيع المنتجات البترولية وحقوق بترومين في المصافي المشتركة في شركة الزيت العربية السعودية أرامكو ) .

لقد شهدت الشركة مراحل متعددة من التقدم في الإنتاج وزيادته وفي تكنولوجيا استخراج النفط والغاز وفي إنشاء مصانع هامة لتطوير صناعة البتروكيماويات وفي بناء الموانىء واستخدام أساطيل من ناقلات النفط العملاقة في إيصال النفط والغاز إلى كل بقاع العالم وفي بناء شبكات خطوط للزيت الخام في الأربعينات والخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات حتى الألفية الجديدة حيث قامت الشركة بتغطية معظم إحتياجات العالم من النفط والغاز والبتروكيماويات وهناك عشرات من الشركات التابعة لها في الكثير من الدول مثل شركة ارامكو للخدمات في هيوستن وارامكو الشرق الأقصى لخدمات الشركات المحدودة في بكين وارامكو ما وراء البحار في لاهاي وشركة البترول السعودي المحدودة في الخارج في لندن .

إن ما يهمنا هنا أنه يصعب على أي خبير أو أي باحث أن يقدر القيمة السوقية الفعلية لشركة ارامكو لا سيما في ظل الإكتشافات الجديدة للنفط والغاز وكونها في موقع استراتيجي متوسط بين الشرق والغرب . وهذا لا يعنى أننا نتغاضى عن حقائق وأرقام الماضي القريب حيث احتلت شركة ارامكو المرتبة الأولى في العالم من حيث احتياطات النفط الخام حيث تم تقدير قيمة هذا الإحتياط عام 2004 بربع إجمالي إحتياطات العالمية كما احتلت المرتبة الأولى في إنتاج النفط الخام عام 2004 حيث بلغت كميات إنتاج النفط الخام 3,15 مليار برميل عام 2004 كما بلغت الطاقة الثابتة لإنتاج الزيت الخام 10,5 مليون برميل يوميا وبلغت صادرات سوائل الغاز الطبيعي 274 مليون برميل عام 2004 . بالإضافة إلى إكتشاف أكبر حقل للنفط في العالم وهو حقل الغوار في المنطقة الشرقية وإكتشاف أكبر حقل نفط في المناطق المغمورة في العالم وهو حقل السفانية في الخليج العربي كما تحتل الشركة المرتبة الرابعة في العالم في إحتياطات الغاز التي تبلغ 237 تريليون قدم مكعب حسب تقديرات نهاية عام 2004 كما أن الشركة كانت تحتل المرتبة الثامنة في العالم من حيث طاقة التكرير بطاقة تبلغ 3.4 مليون برميل في اليوم .

إن شركة ارامكو تمتلك اليوم ثاني أكبر أسطول من الناقلات في العالم لشحن النفط الخام والنفط المكرر والغاز إلى مختلف بقاع العالم وقد تم إنشاء شركة تابعة مملوكة بالكامل لأرامكو لنقل النفط ومشتقاته تحت اسم فيلا البحرية العالمية المحدودة ومركزها دبي للتعامل مع الشحن إلى كل من أمريكا وأوروبا وآسيا .

أما اليوم فإن ارامكو تشكل أكبر شركة نفط في العالم وإن ما يهمنا هنا هو هو الإعلان عن إعادة هيكلة ارامكو وتعيين سمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رئيسا للمجلس الأعلى الجديد لشركة ارامكو والإعلان عن خصخصة 5 % من شركة ارامكو .

بتاريخ 25/4/2016 أعلن الملك سلمان بن عبد العزيز عن موافقة مجلس الوزراء على مشروع ” رؤية السعودية 2030 ” والتي سبق وأن تحدث عنها سمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان . ولقد ضمت هذه الرؤية عددا من المواضيع والمشاريع الهامة تحت العناوين التالية ارامكو / صندوق الإستثمارات / جسر الملك سلمان / الجرين كارد / الإسكان / التعدين والصناعات العسكرية / الحج والعمرة / المجال الثقافي والسياحي .

إن ما يهمنا في الرؤية المستقبلية للسعودية في هذا البحث هو موضوع شركة ارامكو والمتمثل في طرح جزء من الشركة إلى البيع ويقال ان هذا الجزء يمثل 5 % من الشركة . ولقد تم تبرير مثل هذه الخطوة بأن من شأنها أن تضاعف حجم السوق بحيث سيتم التحول التدريجي لدخل المملكة من الإعتماد على النفط إلى الإعتماد على الدخل من الإستثمار وستكون تحت رقابة البنوك والمحللين والإقتصاديين السعوديين مما يؤدي إلى الشفافية في البيانات الصادرة عن ارامكو وفي تعزيز وضع الشركة ونمائها داخليا وعالميا .

وإنني أعتقد جازما بأنه في ظل هذه الظروف الإستراتيجية والعسكرية والإقتصادية الصعبة وفي تعاظم انخفاض النفط والمنتجات المختلفة حتى وصل سعر برميل النفط أدنى الدرجات عبر العقود الماضية .

وإنه لمن الخطأ التفكير في طرح أسهم الشركة للخصخصة حتى وإن كانت قيمة الأسهم المطروحة للبيع لا تتجاوز ال 5 % لا سيما وأن التقارير الجيولوجية والإستراتيجية والإستخبارية تؤكد أن صحراء الربع الخالي تختزن في جنباتها أكبر مخزون إستراتيجي للنفط والغاز في العالم ويكفي لإستهلاك العالم لمدة تزيد على المائتي عام . كما أنها تضم مخزونا هائلا لمختلف أنواع المعادن وفي مقدمتها اليورانيوم والذهب . كما أن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها طالما كانت هناك حياة على وجه البسيطة فإن هناك حاجة متزايدة للنفط والغاز في العالم .

ولا أعلم كيف يمكن القول بأن خصخصة 5 % من شركة أرامكو من شأنها أن تؤدي إلى مضاعفة حجم السوق بحيث سيتم التحول التدريجي لدخل المملكة من الإعتماد على النفط إلى الإعتماد على الدخل من الإستثمار . فلماذا لا يتم مثل هذا التحول وشركة أرامكو مملوكة 100% من السعودية . ولماذا لا تكون شركة أرامكو تحت رقابة البنوك والمحللين والإقتصاديين السعوديين من أجل زيادة الشفافية في البيانات الصادرة عنها كما لا أعلم كيف سيؤدي بيع 5 % من شركة أرامكو إلى تعزيز الشركة ونمائها داخليا وعالميا ؟؟ .

إن المطلوب في الوقت الحاضر هو إدارة الأزمة لا سيما إذا علمنا أن تكلفة استخراج برميل النفط في السعودية تعادل ثلاثة أضعاف تكلفة استخراج برميل النفط في الإمارات العربية أي أن هناك سؤ في الإدارة ولا أريد أن أقول هناك فساد .

كما أن هناك تريليونات من الإستثمارات السعودية المنتشرة في مختلف بقاع العالم لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا وهناك أرصدة كبيرة وأسهم وسندات خزينة وهناك استثمارات لشخصيات سعودية وأملاك وعقارات في أنحاء مختلفة من العالم لا تقدر بثمن . بالإضافة إلى وجود كميات كبيرة من إحتياطي الذهب وهناك مناجم عذراء للذهب في مناطق مختلفة في السعودية يمكن البدء بإستخراجها بكميات معتدلة دون التأثير على النظام المالي العالمي وأسواق البورصة في العالم وهي كفيلة بإنقاذ المملكة العربية السعودية من أي أزمة مالية .

إن كل الدول المتقدمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ومعظم دول العالم لديها نظام ضريبي يتعلق بدخل الأفراد والشركات وعلى البضائع المستوردة والصادرات المختلفة وكافة مناحي الحياة وهناك شركات محلية وشركات دولية عالمية ومشاريع ضخمة وبنوك عالمية تجني أرباحا هائلة على حساب الحكومة السعودية والمواطن السعودي ولا يضير في هذه الأوقات الصعبة أن تعيد المملكة العربية السعودية التفكير بسياستها حول إيجاد نظام ضريبي عادل يتلاءم مع متطلبات العصر الحديث أسوة بالدول الأخرى ولا شك بأن مردود مثل هذا النظام الضريبي سوف يرفد خزينة الدولة بمبالغ هائلة تساعدها في إعادة القوة المالية إلى النظام الإقتصادي السعودي . وفي النهاية أرجو أن يتم العدول ووقف قرار خصخصة أي نسبة من هذه الشركة السعودية العملاقة ولا ننسى أن هناك أياماً مشهودة في تاريخ الشركة ونتائج متحققة يجب أن نحافظ عليها ففي عام 1973 حصلت الحكومة السعودية على حصة في أرامكو نسبتها 25 % ولقد تمت زيادة هذه الحصة في عام 1974 إلى 60 % وفي عام 1980 تم الإتفاق على أن تصبح أرامكو مملوكة للسعودية 100 % وبأثر رجعي إعتبارا من عام 1976 . ولا يجب أن ننسى هذه الأيام المشرفة وهذه القرارات التاريخية العظيمة . ولتبقى أرامكو على مر الدهر شركة وطنية سعودية صافية مملوكة 100% من قبل المملكة العربية السعودية .

الدكتور حسين عمر توقه

باحث في الدراسات الإستراتيجية والأمن القوي