فتوحات الرئيس الكبرى

2015 09 04
2015 09 04

137207_1_1441190113بسرعة، كما في الدقائق الأخيرة لشوط نهائي في مباراة، يتحول رئيس الوزراء د. عبدالله النسور، إلى قلب هجوم يسجل الهدف تلو الهدف، وسط الهتافات الحماسية لجمهور كان قد ملّ من أداء محافظ على وجه العموم، يتحرك في مساحات القرار الاقتصادي والمالي والإداري غير الشعبي، ولا يعد بشيء يسرّ الجمهور.

ينتقل الرئيس دفعة واحدة إلى ميدان الإصلاح السياسي، فيقدم قوانين الأحزاب والبلديات واللامركزية، وينجح في تمريرها بإحكام وسرعة. ثم يقفز إلى قانون الانتخاب ويسجل هدفا استثنائيا لا سابق له؛ إنه قانون الانتخاب الحلم بالنسبة لكل تقدمي وإصلاحي وطني ومتنور، يعرف بالضبط أي تغيير نريد.

ثم، كأن الرئيس بقوة الاندفاع الناجحة يتطلع إلى إصلاح آخر بمناسبة لقائه للنقابات المهنية، فيطرح عليهم قانونا موحدا ونظاما انتخابيا جديدا للنقابات، من نفس النوع المطروح للانتخابات الوطنية.

وهذا المشروع لطالما نادت به القوى التقدمية في النقابات، وبقي الإسلاميون يراوغون؛ فيقبلون به قولا ويتنصلون منه فعلا، وأعني الانتخابات بالقوائم النسبية المفتوحة. وهذا الإصلاح طرحناه العام 2004، في ذروة الأزمة مع النقابات المهنية، عندما أوشكت الحكومة أن تقدم مشروعا عرفيا مشوها للنقابات. إذ اقترحت من جهتي بديلا إصلاحيا وديمقراطيا، بقانون موحد للنقابات المهنية يقوم على النظام الانتخابي نفسه المطروح الآن للانتخابات النيابية. لكن الطرفين؛ الحكومة والنقابات، قلبا الصفحة وبقي القديم على قدمه. وقد سرني الآن أن ردود فعل النقابات كانت إيجابية تجاه طرح الرئيس. ويمكن اغتنام الفرصة فعلا للمضي في المشروع.

بالعودة إلى قانون الانتخاب الجديد، فلم نعدم الأصوات المعارضة والانتقادية، وكل واحد منها ينطلق من رؤية ومصالح ضيقة أحيانا، أو سوء تقدير لمشروع القانون. وسأردّ في وقت لاحق على كل واحدة من السلبيات التي تقال. وبالطبع، ليس هناك قانون مثالي كليا، لكن أستطيع القول إن كل سلبية تقال في هذا القانون هي في الحقيقة تلطيف وتخفيف لسلبية فاقعة في سواه. فهو على وجه العموم يأخذ إيجابيات الأنظمة الأخرى (أنظمة الأغلبية الفردية، وأنظمة النسبية المغلقة)، ويلطف سلبياتها.

نهنئ الحكومة والرئيس النسور ودوائر القرار في الدولة الأردنية على هذا الفتح. وأعتقد أن مجلس النواب لن يخذل البلد والقائد بهذا الخيار الإصلاحي العظيم. وكما يقال، في النهاية لا يصح إلا الصحيح؛ فقد كان هذا هو خيار لجنة الحوار الوطني برئاسة السيد طاهر المصري (رئيس مجلس الأعيان في حينه)، والتي بذلت جهدا مضنيا في تمحيص كل الصيغ البديلة، وتوصلت بالإجماع إلى هذا الصيغة. لكن قوى الشدّ العكسي كانت أقوى، فأضعنا دورة انتخابية كاملة. وها قد نضج الموقف الآن بصورة أفضل للتغيير ومغادرة “الصوت الواحد”، كما أراد جلالة الملك.

البعض يشعر بخيبة أمل غامرة بسبب إلغاء القوائم الوطنية. وهي تسري في الوسط الذي نجح بالقوائم المغلقة الماضية، أو لا يرى فرصة قادمة له في المحافظات. وتوجد ثغرة فعلا في مشروع القانون؛ فقد تتشكل القوائم في كل دائرة بمعزل تام عن الدوائر الأخرى، فنبقى في الفردية، ولا نحصل على نواب يمثلون ائتلافات وطنية، كمقدمة لتكوين أحزاب برلمانية. وهذه الثغرة يمكن علاجها، ببساطة، بإعطاء قوائم المحافظات الحق في أن تندرج في ائتلاف وطني (تحت نفس الاسم واللون والشعار في مختلف الدوائر)، وتحصل بفعل ذلك على ميزات وامتيازات معينة؛ إعلانية وإعلامية. لكن الأقوى أن يحصل كل ائتلاف على مقعد إضافي أو أكثر نسبة إلى مجموع أصواته على المستوى الوطني. وأعتبر المقترح الخيط الرفيع الذي يحوّل حفنة اللؤلؤ إلى عقد رائع. وللحديث بقية.

جميل النمري – الغد