فقراء لكنهم عنوان سخاء..

2016 03 01
2016 03 01

ibrahim_kaisiهو حالنا في الأردن، ويستطيع أي ضيف أن يذهب الى فقراء الكرك مثلا، ويدخل أي بيت هناك، وسوف يتم استقباله استقبالا لائقا، فيتغدى «منسف»، بلحم بلدي ولبن كركي، وسوف يعتقد بأنه دخل الى بيت «مليونير» كناية عن شدة الكرم، وهو ربما لم يعلم أن مضيفه مديون أصلا، ولم يكن يملك قرشا واحدا حين استقبل ضيفه، لكنه قام باستدانة ثمن ذبيحة وملحقاتها ليكرم ضيفه، الذي ربما لن يلتقيه يوما، أو ربما يزوره يوما فيعتذر عن لقائه!.

هكذا نحن في الأردن مع كل الناس، بخاصة إخوتنا العرب المكروبين وغيرهم، وهنا أترحم على الشيخ «غانم الزريقات» والشيخ «اعطوي المجالي»، فهما علمان من قريتي ونتيجة لكرمهما وقيمهما الفضلى، مر عليهما زمن باعا فيه كل شبر من أراضيهما، إكراما للناس وإسهاما منهما في حلول مشاكل بين العباد..ومثلهما في تلك القرية وفي الأردن كثيرون، هم الحراس الحقيقيون للقيم الأردنية الكبيرة.

رحم الله الكرماء، إنهم كانوا ينفقون على الناس رغم فقرهم:

في هذا السياق أقول قصة متداولة، يتنافس فيها شيخان لقبيلتين عربيتين، الأول صاحب شعار «الجود من الموجود» والثاني يرفع شعارا «الجود نجود»، و»نجود» هو فعل هنا، معناه مهما كنا فقراء نستطيع أن نجود على الناس..

صاحب شعار «الجود من الموجود» أراد أن يثبت لمنافسه بأنه سيجعله فقيرا ولا يجد ما يجود به على الناس والضيوف، فأرهقه بالضيوف، حيث قام بتحويل ضيوفه وضيوف ضيوفه الى « شق» الشيخ صاحب شعار «الجود نجود»، الذي فقد كل ما عنده تقريبا بسبب كرمه «الطائي»، حيث كان يهب الضيف ما يريده بعد أن يفرغ من إكرامه بالولائم، وحين أصبح شيخ «الجود نجود» فقيرا جدا، يعني كما يقال (ع الحديدة)، زاره «متشفيا» صاحب شعار «الجود من الموجود»، فاستقبل الضيف وأكرمه، ثم قال له ستأتيك هديتك الى بيتك قبل حلول المساء..

عاد صاحب «الجود من الموجود»مزهوا بالنصر، فلم يجد غريمه هدية يمنحه إياها؛ لكن غريمه صاحب «الجود نجود» فكر بعد أن لم يجد هدية يقدمها له قبل حلول الليل، فهو يعلم أن غريمه سوف يتحدث مزهوا بالنصر في جلسة السمر الاعتيادية خاصته، فلطخ وجهه بالرماد، وتغيرت هيئته، وقبل حلول موعد جلسة السمر الليلية، جاء خادم أسود البشرة الى شق شيخ «الجود من الموجود»، وقال له: إن سيدي صاحب «الجود نجود» قد وهبني لك لخدمتك، ثم انطلقت «السهرة»، وكان يتحدث لضيوفه ويضحكهم:

هل رأيتم ما آلت له أحوال صاحب «الجود نجود»؟! لقد خسر كل ما عنده، حتى خادمه أصبح لدينا، فهل بقي ما يجود به؟ وأمام قهقهات الحضور وإقرارهم بأن مبدأ «الجود نجود» هو مذهب في الغباء، انتفض الخادم الجديد، واقترب من الشيخ صاحب «الجود من الموجود» قائلا:

ليس الجود من الموجود، بل إن الجود نجود، وإن لم نجد ما نجود، ترى بـ»الحانا نجود» ومسح الرماد عن وجهه، فعرفه غريمه وعرفه الضيوف، وصمتوا اقرارا واعترافا بأنه مثال كبير في السخاء والعزة، وأنه يقدم نفسه خدمة للمحتاج.

وجم صاحب «الجود من الموجود»؛ ولم ينبس ببنت شفه! حفظك الله يا أردن الغانمين.

ibqaisi@gmail.com