فوز ترامب وصدمة الرُّعب

2016 11 09
2016 11 09

%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a7%d9%86شكّل النجاح الكاسح الذي حققه الرئيس ترامب صدمةً لكل مراكز الدراسات والأبحاث ،وتجاوزت “الصدمة” كل آمال وأحلام وطموحات أغلب المراقبين والمحللين السياسيين ،بل ومعظم أراء كبار السياسيين وقادة الدول في العالم الذين تنبأوا بالفوز الساحق لمرشحة الرئاسة الأمريكية كلنتون،حتى استطلاعات الراي الأمريكية كانت أكثر فشلا وخيبة في قراءة النتائج والتوقعات والتي حسمت الأمر للمرشحة كلنتون .

الرئيس الملياردير ترامب لم يكن يوماً من الأيام سياسياً أو يفكر بالسياسة أو يهتم بها،ولم يتبوأ من قبل أي منصبٍ سياسي في حياته ، فهو رجل أعمال “عصامي ” ، ورث المال أباً عن جِد ، وعاش حياة البذخ والأرستقراطية والبرجوازية ، لكنه أثبت نجاحهُ الإقتصادي رغم العثرات التي تعرض لها ليعود بقوة إلى الواجهة الاقتصادية من جديد .

هذا أكسب الرئيس ترامب “العصمة” والتحدي في خوض الانتخابات بكل قوة وعزم ،رغم التحديات التي واجهته من حزبه ووقوف اغلبهم ضده علانيةً،ورافق ذلك الحملات الاعلامية المثحبطة التي شنّت عليه من خصومه ، وزاده ذلك اصرارا على تأكيد أنه الناجح ورجل البيت الأبيض القادم بقوة وحقق ما يصبوا إليه.

نعم ترامب شخصية جدلية ،وتثير التساؤلات ، كيف لرجل سخر العالم منه ومن سلوكه المضطرب استطاع ان يتجاوز كل العقبات ويحقق الفوز ، وكيف لرجل انغمس في عالم النساء الجميلات والسهر في الكازينوهات والفنادق الفخمة التي يمتلكها أن يحقق هذا الفوز السياسي الذي فشلت به السياسية المخضرمة وسيدة البيت الابيض هيلاري كلنتون .

ترامب الإنسان الإنفعالي متقلب الأهواء والمزاج

من الناحية السياسية لا يصلح أن يكون الرئيس الأول الذي يدير العالم ويتحكم في كثيرٍ من السياسات الخارجية وهو من يحمل الحقيبة القادرة على دمار العالم عشر مرات ،ونتوقع أن الرئيس سيرتكب كثيرا من الأخطاء حتى في تصريحاته السياسية ،ويحتاج إلى عشرة من الناطقين الرسميين باسم البيت الابيض للبقاء على اتصال مع الاعلام والجمهور لتصحيح وتصويب وشرح ما يعنيه الرئيس في كلامه بمعنى “جيش ترقيع اخطاء الرئيس” .

شخصية الرئيس ترامب شخصية شديدة الغضب والانفعال ، ويبدو عليه أنه شخصية دكتاتورية عنيده ، يملي رأيه بقوة وربما تعلم هذا في حياته المهنية لامبراطوريته الاقتصادية كرجل اعمال ،وأرى أنه لا يحترم الرأي الآخر ولا يستمع له ،لذلك ستواجه الادارة الأمريكية والكونجرس الأمريكي صعوبة في التعامل مع الرئيس القادم ، وسنلمس كثيرا من الخلافات بين القيادة السياسية، والأمنية، والعسكرية بسبب القرارات التي سيتخذها الرئيس على المستوى الداخلي والخارجي مستقبلاً .

كما أرى أن الأقليات في أمريكا ستواجه مزيداً من الاضطهاد بالحقوق المدنية ،وسيعاني المهجرين والفارين من دول العالم إلى أمريكا مزيدا من الاضطهاد اسوة بالمتجنسين ، كما سيتم تشديد شروط الهجرة إلى أمريكا وخاصة من العرب والمسلمين هذا إن لم تبدأ بعد سنتين مرحلة طرد العرب والمسلمين وتهجيرهم الى بلادهم تحت أي مسمى او ذريعه .

أما على المستوى الاقتصادي اتوقع أن ينجح نجاحا كبيراً ،وسيلمس هذا الشعب الأمريكي ،ولكن هذا النجاح سيكون على حساب دول عظمى مثل الصين، والاتحاد الاوروبي، واليابان ، بحيث يشجع على الصناعة الوطنية ويرفع الضرائب على المنتجات لتلك الدول لضرب اقتصادها وهو خبير اقتصادي ناجح بهذا المجال، وهذا سيترتب عليه تدهورا ملموسا بعلاقته مع الصين،واليابان ،والاتحاد الاوروبي .

أما على المستوى العربي ،فالرئيس عنصري جداً ويكن العداء للعرب والمسلمين ، ويعتبرهم مصدر الارهاب العالمي ، لذلك سيتعامل حتى مع القيادات العربية بازدراء وعدم احترام ،وفوقية وتعالي، وخاصة دول الخليج العربي بشكل عام ، ومن وجهة نظري فإن زمن الدبلوماسية الأمريكية مع العرب قد ولّى ، وستبدأ لغة الأوامر على الملأ ،وسنلمس نبرة العداء بكل تصريح والتهديد والوعيد، ومزيدا من الضغوطات على القيادات العربية وفرض أمر الواقع العلني الذي تريده افدارة الأمريكية بدون دبلوماسية كما عهدنا من قبل ،ولا استبعد ان يجهز على ما تبقى من قيادات عربية ويتم اسقاطها او استبعادها .

أما بخصوص الحرب بالوكالة فأرى ان الرئيس لا يؤمن بذلك ، حتى وإن وقفت الإدارة الأمريكية بوجهه بقوة ، فلن يسلك مسلك ادارة اوباما وهو أقرب الى شخصية الرئيس جورج بوش، وسيحاول بكل قوة لإرسال مزيد من القوات على الأرض لتقاتل في العراق وسوريا وأينما استدعت الحاجة لارسال مزيد من القوات ، كما سنشهد مزيد من العنف اكثر قسوة من القوات الأمريكية على الساحة السورية والعراقية والافغانية .

القضية الفلسطينية هي الأكثر تضررا منذ وعد بلفور 1917 ، وترامب ارى فيه الرئيس الذي سيعترف بيهودية دولة اسرائيل 2017، واسرائيل ستنعم بسخاء من ترامب على المستوى الاقتصادي والعسكري في مجال “التسليح” ، وسيمارس ضغوطات كبيرة على السلطة والقيادات العرب لتقديم تنازلات بسخاء بلا تفكير أضعاف ما تم تقديمه عبر مائة عام .

الرئيس ترامب سيبقى الشخصية الأكثر جدلا في التاريخ بسبب قراراته التي ستصدم قادة العالم قبل الشعوب ،قرارات سيتخذها لم يتوقع احد ان يتخذها وكلها مفاجئة وصادمة ،وسنرى له كثيرا من المجازفات الخطيرة التي تهدد مصير العالم ، رجل يؤمن بنفسه ورأيه ولا يحترم أي رأي آخر مهما كان مصدره رغم النصائح التي سيقدمها مستشاروه والادارة الأمريكية والكونجرس وكبار القادة العسكريين والأمنيين إلا انه سيصر على آرائه وإن كانت كارثية تهدد مصير العالم أجمع .

سلطان كليب