فيصل الفايز : أليس من لحظة مراجعة ؟

2014 01 14
2014 01 14

237 تساؤلات لابد من مواجهتها..بقلم : فيصل عاكف الفايز

قبل الدخول في تفاصيل جملة التساؤلات والقضايا، التي أرى من الواجب طرحها في هذه العجالة، لابد من التأكيد ابتداءًا، على أن الأردن تمكّن عبر العقود الماضية، من الحفاظ على أمنه واستقراره ومنعته وقوته، رغم التحديات والظروف الصعبة التي مر بها، ورغم القتل والتدمير والفوضى التي تحيط فيه، وكل ذلك بفضل الله وحنكة وفطنة جلالة المغفور له -بإذن الله- الملك الباني الحسين بن طلال رحمه الله، وقائدنا جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله، ووعي أبناء الأسرة الأردنية الواحدة، ووحدتنا الوطنية، والتفافنا حول قيادتنا الهاشمية، وإصرارنا جميعا على تمكين وطننا والنهوض فيه، وتعزيز مسيرته الإصلاحية الشاملة، بخطى مدروسة تحاكي واقعنا،وتستلهم من تجارب الآخرين ما يعلي شأن الوطن، ويحفظ أمنه واستقراره، ويصون كرامة المواطن وشعوره بالفخار والكبرياء والشموخ .

ومع قناعتي التامة، بأن جبهتنا الداخلية قوية، ووطننا عصياً على المتربصين به، وذلك بفضل إيماننا المطلق، بأننا لا نرضى بغيره وطننا، وبسبب جاهزية ويقظة أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة، وإدراكها لكل ما يجرى حولنا، وقدرتها على التصدي لأي محاولة للنيل من أمننا، أيا كان المعتدي، إلا أنني أجد نفسي مضطرا للحديث حول بعض المظاهر السلبية، والسلوكيات السيئة، التي بتنا نشهدها بين ظهرانينا اليوم أكثر من أي وقت مضى، وإن كانت لاتؤثر على أمننا واستقرارننا الوطني، إلا أنها اصبحت تقلقنا جميعا، واصبحت تشتت اذهاننا عن قضايانا الكبرى، وتلقى بضلالها السيئة احيانا على قيمنا وعاداتنا الأصيلة، التي تربينا عليها جيلا بعد جيل، ولم نكن نألفها في مجتمعنا المتسامح والمتصالح مع نفسه .

وهنا أتساءل: منذ متى كانت لغة الحوار بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، مبنية على الريبة والشك وعدم الثقة، حول أبسط القضايا و»أسذج» الخلافات، دون الالتفات إلى الجوامع والقواسم المشتركة للبناء عليها؟ ومنذ متى باتت المناكفات الطلابية، تطغى على أحاديث مجالسنا، وتتحول إلى خلافات عشائرية وجهوية واقليمية بغيضة، تستخدم فيها الأسلحة البيضاء والرصاص احيانا؟ ومتى كان إغلاق الشوارع، والاعتداء على الممتلكات العامة، والاستقواء على الوطن، وتغليب الهويات الفرعية على الهوية الوطنية، عنوانا للمرجلة والفروسية؟ وهل التراشق بالكلام وغيره، وتوزيع التهم الجاهزة، وكيل الاتهامات عبر الفضائيات، يقع في باب الحوار الديمقراطي المسؤول؟ وهل مثل هذا الفعل ينم عن قبول الآخر، والطريق الصحيح لتسوية اختلافاتنا، ومعالجة مشكلاتنا؟.

وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، بل -للأسف- بتنا نشهد ايضا ظاهرة غريبة على مجتمعنا تطفوء على السطح، وتتمثل بسرقة سيارات المواطنين وفرض الخاوات، وأصبح هذا الفعل المشين يؤرقنا، ويلقي بظلاله السيئة على بلدنا، وهناك سلوكيات سلبية أصبحنا نلاحظها، مثل « تسكّع « الشباب والقاصرين في الأزقة في ساعات المساء وانتشار آفة المخدرات، وهذا الأمر أصبح مدعاة للخوف ويقلق مجتمعنا،اضافة الى قيادة المركبات بسرعات جنونية وتهور، والاعتداءات المتكررة على قاعات الامتحان، والتدخين في الحافلات العمومية، ورمي النفايات في الطرقات والمتنزهات، والاستهتار بالقوانين والأنظمة، فهذا كله بات ديدن البعض،واصبح ممارسة مقبولة، دون الالتفات لأي وازع أخلاقي أو ديني.

واتساءل أيضا: لماذا توجّه التهم المختلفه جزافاً مهما كان نوعها، لكل من يدعو الى ضرورة الالتزام بالقيم والتقاليد والأعراف؟ ولماذا توجّه التهم لكل من يحرص على الوحدة الوطنية، ويؤمن بأهمية قبول الآخر والتوافق؟ ولكل من يؤكد على ضرورة الحفاظ على امن الوطن، ويعتبر ان الحوار الهادف والمسؤول بين الافرقاء، حول مختلف القضايا، للوصول الى قواسم مشتركة باعتباره هو الطريق القويم لتعظيم الإنجاز ومواجهة التحديات، والإصلاح الذي يرتضيه الجميع، دون مغالبة أو إقصاء .

لماذا يتعامل البعض مع الوطن ومقدراته، دون مساءلة ومسؤولية؟ ولماذا اصبحت القيم المادية الجامدة، عنوانا لتعاملاتنا اليومية، وغاب عن حياتنا دفء العواطف، ونبل القيم، وسمو الأخلاق، وصدق القول، وحسن العمل، وأصبح الكل ينظر للآخر، كـ»الفريسة « يريد ان ينقض عليها، أليس من توقّف؟ أليس من لحظة مراجعة؟ وهل بتلك السلوكيات المرفوضة نبني بلدنا ونحميه، ونعزز انتماءنا ونعبر عن وطنيتنا، وهل بمثل هذه التصرفات المرفوضة، والتي يرفضها مجتمعنا، وتتعارض مع أخلاقنا وقيمنا وأعرافنا، يمكننا أن نبني وطنا نموذجا، وهل بتلك التصرفات التي تعد خروجا على القانون، وعلى كل ما هو مألوف لدينا، نستطيع ان نحمي وطننا في ظل العديد من التحديات التى يواجهها، جرّاء ما يجري في دول الاقليم.

الذي ذكرت « غيض من فيض» ، ولابد من معالجته، ووضع الحلول الناجعة له، باعتبار أن مثل هذه السلوكيات، أصبحت كالأمراض تجب مداواتها، قبل ان تستفحل في مجتمعنا، لكن المسؤولية في معالجة هذه السلوكيات والظواهر السلبية، لا تقع على عاتق شخص محدد، أو جهة بعينها، بل تحتاج لتظافر جهود الجميع، سواء أكان هذا الجميع أفرادا أو مؤسسات رسمية وغير رسمية، أو أحزابا ومؤسسات مجتمع مدني ورجالات دولة، وشيوخ عشائر ووجها اجتماعيين، وفعاليات نقابية وسياسية وتربويين ومعلمين وغيرهم، فعلى كل هؤلاء ان تحمّل المسؤولية، فالأردن الذي يواجه تحديات اقليمية ومخاطر جمى، من واجبنا جميعاً ان نحميه،ونغلب مصالحنا الذاتية لأجله، ولأجل اعلاء شأنه، ومن اجل امنه واستقراره وعزته.

ومن اجل محاربة هذه الظواهر السلبية، والسلوكيات الخاطئة، لابد من نظرة شمولية لحجمها وابعادها، لتحديد مدى تأثيرها على مجتمعنا، ومثل هذا الأمر، فإن الجهات الحكومية هي المطالبة بالقيام في الخطوة الأولى نحو تحقيق هذا الهدف، لمعالجة هذه السلوكيات والظواهر، وهذه الخطوة تتمثل بضرورة، الإسراع بالعمل على وضع خطط استراتيجية قصيرة المدى، وأخرى طويلة المدى، يشارك فيه الشباب اولا، وكافة المعنيين ثانيا، تصب مخرجاتها في الدعوة الى تعزيز قيم الانتماء للوطن، وإعلاء شأنها وتدريسها في المناهج التعليمية، لكافة المستويات الدراسية، وتفعيل دور الشباب في مختلف القضايا مدار البحث العام، وتغليظ العقوبات بحق العابثين باستقرار المجتمع وأمنه، والتشدد بتطبيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتوزيع مكتسبات التنمية بالتساوي بين الجميع .

وقبل كل ذلك، لابد من إعادة الاعتبار الى قيمنا وعادادتنا وتقاليدنا، التي خرجنا عليها، فهي الأساس في حماية مجتمعنا من كل الآفات والأمراض الاجتماعية التي باتت « تعشعش « فيه، وهذا الأمر قد يتأتى على سبيل المثال، من خلال مواثيق الشرف بين المكونات الاجتماعية داخل كل مدينة أو محافظة أردنية، كوثيقة الشرف في مدينة معان التي وضُعت مسودتها الأولى، بعد اجتماع حضره اعيان المدينة ووجهاؤها، والذي تم بدعوة من بلديتها وتجمع شباب معان، ودعت من جملة ما دعت إلى حماية الوطن والأمن الشامل في معان و رفع الغطاء العشائري عن المجرمين والخارجين عن القانون، وعدم تبني قضاياهم واعتبار المجرمين اشخاصا غير مرغوب فيهم، وطالبت بتشديد العقوبات بحق المجرمين وتجار المخدرات، وأكدت أيضا على فرض هيبة الدولة، وضمان حرية المواطن وكرامته، واشارت الى اعتبار المجرم يمثل نفسه ولا يمثل عشيرته.

إن الانتماء للوطن هو الجسر الذي يجب أن نعبر عليه جميعا، لترسيخ وجودنا كدولة متحضرة متطورة، وهو الحصن المنيع الذي يجعل الإنسان يقف على أرض صلبة، ليظل ثابتاً عليها مهما كانت المتغيرات، فالانتماء إلى الوطن، يفرض علينا التزاما اخلاقيا تجاهه، والأصل أن يدفعنا، الى المزيد من العمل البنّاء والهادف، الذي يسهم بتطوير الأداء ويسرع عجلة الإنتاج، في كافة المجالات، فالإخلاص من اجل الوطن في العمل والمحافظة على موارده، والاقتداء برموزه، والحرص على العادات والتقاليد الإيجابية، في كل خطوة نخطوها من أجل رفعته من شأنه ان يسهم بتعزيز قيمة الانتماء، وتحويلها من مجرد معنى مطلق أو شعار رنان، إلى سلوك محسوس وملموس له آثاره الإيجابية، لذلك فإن المطلوب منا جميعاً، ان يكون انتماؤنا الى الوطن حقيقياً مكرساً لكل قيم الوطنية والمواطنة الصادقة عند الشدائد وكبريات القضايا، وليبقى الانتماء للوطن ممارسة وفعلاً، مرفوعاً فوق كل الولاءات، محولاً الانتماءات الحزبية والجهوية وغيرها لأدوات وآليات تصب جميعها في صالحه ولأجله أولاً واخيراً.

إننا في الأردن، وطن المحبة والدفء، نقف بشموخ وإباء وعز وسؤدد، ونحن نسيرخلف قائدنا جلالة الملك عبد الله الثاني، نحو المجد والكبرياء والنمو والتطور، لذلك فإن الأردن وطننا، يستحق منا جميعاً العمل بأقصى طاقاتنا لبنائه ليكون النموذج الذي ينعم فيه كل أردني، بالأمن والاستقرار والعيش الكريم .

(الدستور)