في وداع سميح القاسم

2014 08 21
2014 08 21

57بقلم : أحمد محمود سعيد

يا أيها الموتى بلا موت في كفي قصفة زيتون… وعلى كتفي نعشي

لم يكن قد بلغ العاشرة من عمره حين رأى بعيني الطفل وبرائته كيف اجتاح الصهاينة فلسطين واوغلوا في المجازر من قتل وتشريد وهو ابن الرامة في شمال فلسطين ومن الذين رفضوا التجنيد في جيش الاحتلال كما فرض المحتلْ على ابناء طائفته الدرزيّة .

وهكذا قضى حياته سميح القاسم ممشوق الهامة يمشي ومرفوع الهامة مدافعا عن قضيّته وقضيّة شعبه العادلة في حلّه وترحاله .

في العام 1994 جاء من فلسطين متجشما وعثاء السفر الى تونس ليصطحب صديقه المرحوم محمود درويش في الفاردة ليصطحبه في عودته للوطن وها هي روحاهما تلتقيان في ملكوت الرحمن ولم يشهدا تحرير الوطن بعد ان نظموا فيه اكثر القصائد وطنيّة وحماسا وكم كان تفاعل الحضور من  شباب وشعب تونس مؤثرا عبّرت عنها دموعهم وحرقة بكائهم .

وقد التقيت به كذلك قبل حوالي عشر سنوات في عمان لحضور فعاليات فنيّة وكان يعاني من رجله بسبب وقوعه وكان برفقة صديقنا المهندس سليمان الفحماوي الناشط على ساحة الوطن في مقارعة العدو الصهيوني خاصّة في الدفاع عن الاراضي الفلسطينيّة والمهجّرين منها .

وقد شاهدت له رحمه الله امسية شعريّة في الشارقة بدولة الإمارات العربيّة المتّحدة قبل اقل من عامين وكان يبدوا تعبا ومنهكا من المرض ولكن كلماته وصدى صوته القوي الهب حماس الحضور .

وكما قال رحمه الله إنّ كلماته لا تُسقط طائرات العدو ولكنّها تُسقط اوهامهم واحلامهم البغيضة التي تقوم على العدوان والقتل والدمار .

رحل الشاعر الوطني عن خمسة وسبعون عاما تاركا قلبا حزينا في ضمائر الفلسطينيّين وعزما وإصرارا على النصر فقد رحل بينما العدوان ما زال مستمرّا على غزّة والأمل يملأ قلوب الفلسطينيّين واحرار العرب بالنصر بينما تملأ نفوسهم غصّة قويّة من الموقف العربي الرسمي وتخاذله في دعم الغزيّين ومقاومتهم امام عدوِّ وقح دمه بارد يأخذ من الأمن ذريعة واهية ومن الدعم القوي للإدارة الأمريكيّة اللعينة حجّة وغطاء وزيادة في الغطرسة .

رحل الشاعر المقاوم من دنيا الفناء الى دار الحق والبقاء بينما بقي وطنه محتلا وشعبه يعاني الشقاء وامته متفسِّخة منقسمة في قرارها وترك لها من الشعر ما يوحِّد ومن الكلمات ما يهز قلب كل إنسان حرْ ومن السيرة والخلق ما يبقى متداولا بين الأجيال لحين وأمد طويل وقد رحل عن الحياة بعد ان انهكه المرض اللعين مع انه لم يكن يحب الموت وفي نفس الوقت لم يكن يخاف منه ولكنّه كان يرى ان الأحياء هم موتى بلا موت بينما الشهداء هم الأحياء بلا حياة  .

آه آه آه آه….

منتصبَ القامةِ أمشي مرفوع الهامة أمشي

في كفي قصفة زيتونٍ وعلى كتفي نعشي

وأنا أمشي وأنا أمشي….

قلبي قمرٌ أحمر قلبي بستان

فيه فيه العوسج فيه الريحان

شفتاي سماءٌ تمطر نارًا حينًا حبًا أحيان….

في كفي قصفة زيتونٍ وعلى كتفي نعشي

وأنا أمشي وأنا أمشي