قرية السلع في عيون طلبة الألمانية
د مراد الكلالده

2012 12 22
2012 12 22

دُعيت من قبل كلية هندسة العمارة والبيئة المبنية في الجامعة الألمانية الأردنية للمشاركة في تحكيم Jury المرحلة الثانية لمشاريع التخرج لطلبة قسم هندسة العمارة وكان توزيعي على مشروعين سأتحدث بإسهاب عن أحدهما لما له من خصوصوية تتعلق بمسقط رأسي الطفيلة. بداية أود أن أشكر الهيئة التدريسية في الجامعة لإنتقاء مشاريع تخرُّج من بيئتنا الأردنية مما يعكس إلتصاقهم بهموم الوطن وتحفيز الطلبة على إيجاد حلول لمجتمعاتهم في البوادي والأرياف والمدن. وقد حضَرت يوما تحكيما لمشروع (بيت من الريش Feather House ) وكم كان صعباً علّي المساهمة في التحليل وإفادة الطلبة لأن الريش يرتبط بذهني بالترف البرجوازي المقصور على نسبة ضئيلة جداً من الناس وأنا لست مِمنّْ يلبسون الريش ولا مِمنّْ يلتحفونه. إختارت المجموعة المكونة من أربعة فتيات وشاب قرية السلع التي تقع في منطقة العين البيضاء في محافظة الطفيلة كحاضنة لأفكارهم التخطيطية فقد أنجزَت هذه المجموعة في المرحلة الأولى من عملها زيارات ميدانية للمنطقة والتقوا أهالي القرية التاريخية التي هجروها لإنتفاء المنفعة الإقتصادية التي تبقيهم فيها، وتسلقوا صخورها ودخلوا بيوتها وتحدثوا مع شيبهم وشبانهم. وقد علمت منهم بأن هذه المنطقة كانت مأهولة منذ آلاف السنين فهي إمتداد طبيعي لحضارة الأنباط في البتراء وأستوطنها الرومان وتعاقبت عليها الحضارات بدون إنقطاع بسبب إرتباط الناس بفلاحة الأرض وتربية المواشي لدرجة أصبحت فيها مكتفية إقتصادياً لا بل كانت محطة مؤثرة على الطريق الملوكي. لقد كثر إستعمال الفعل الماضي (كان) في حديث الطلبة، فكانت المباني مأهولة وكانت الأراضي مزروعة وكانت القلعة محروسة وكانت النساء مشغولة بالقطاف والرجال بالدراس، فما الذي فعلته بهم التنمية في ظل المملكة حتى هجروا ما كان في أنتظار ما سيكون. المرحلة الثانية من مشروعهم كانت فردية، حيث قدَّمت كل طالبة تصورها التخطيطي المبني على فرضية تنموية معينة، فقد أقترحت الأولى إستغلال القرية للنشاط الثقافي وإستمعنا الى أفكار مثيرة لإجتذاب الزوار وتنويع فترة الإقامة في القرية بالإستماع إلى الفرق الفنية التراثية وعقد ورشات العمل والمنتديات الثقافية كما يمكن إستغلال أسطح المنازل لتنظيم جلسات خارجية ليستمتع الزائر بالمناظر الطبيعية الخلابة، وهناك الكثير من الناس ممن يبحثون عن السكينة والتأمل فيكون هذا المكان مثالي لهم وقد أكون منهم لإتمام روايتي التي إبتدأتها (يومياتي وجبر في جبل الطهطور). وتحدثت الثانية عن النشاط الإنتاجي، فقد ركزت على ضرورة إحياء سفوح الجبال المحيطة بالإتفاق مع مُلاكها الأصليين وإعادة زراعتها كوحدات إنتاجية ووحدات تفاعلية مع الزوار. وبينوا بأن طبيعة المنطقة الجغرافية تسهّل زراعة الخضروات والزيتون والعنب والتفاح والتين … والمياه متوفره. وللحديث شجون فمن من القرّاء الأعزاء يعرف إسم شجرة التين عند الطفايلة … الحماطة، هو الأسم الذي قد يجهله الكثيرون إلا الطفايلة … فإن أردت التأكد من جنسية، عذراً هوية الطفيلي فعليك السؤال عن إسم شجرة التين في الطفيلة فإن كان الحماطة هو جوابه، فهو طفيلي أصلي وعليك الأمان. وقلنا أنه يجب أن تكون الأكلات الشعبية الخالية من السماد الكيماوي Organic Food من إنتاج أهالي القرية من لحوم بلدية وجميد وألبان، وذكرت لهم في مداخلة لي بأن هذا هو المطلوب لضمان ديمومة المشاريع Sustainability فلا نريدهم ممثلين يكررون خبَز الشراك أو التصنيع البسيط كما في القرية الفرعونية في مصر والتي يأدي فيها ممثلين نشاطات من أيام الفراعنة، بل نريدها فعاليات إقتصادية حقيقية تدر على الأهالي دخلاً وتربطهم بزوار القرية أثناء الإقامة وما بعدها. وذكرت كل من المهندسات أماني ملحس ولين فاخوري بأن الإنتاج الزراعي والحيواني سيكون محط طلب من قبل المواطنيين في عمّان وغيرها. طالبة ثالثة أقترحت مشروع المسارات السياحية بحيث تكون هناك عدة مسارات يتناسب كل منها مع مقدرة الزائر على السير على الأقدام فمنها المسار السهل لكبار السن والأطفال وآخر متوسط السهولة للعائلة ومسار التحدي للشباب. ويقدم هذا المشروع خدمة ركوب الخيل والتمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة وقد يُسمح بالصيد في الأوقات المحددة لذلك. وتذكرت أيام طفولتي في حارة الكلالدة قرب القلعة بالطفيلة حيث كانت تسمح لي جدتي مليحة بالدخول الى خم الدجاج وجمع البيض البلدي بنفسي. آه ما أجمل إبتسامتك أيتها الكبيرة التي كانت تحمل طلبات جدّي كثير الزوار الشيخ عطا الله البدور رحمه الله على كتف وطلبات الأولاد والبنات والأحفاد على الكتف الآخر. وكان عند جدتي أم جميل سبيل طويل القصبة تسنده على الأرض، والطفايلة يعلمون ما هو السبيل، ولن أبوح للقراء الأعزاء بالترجمه… حتى المقالة القادمة بعنوان سبيل جدتي. وعودة الى الجوري … أكثر ما أعجني تطور الأفكار من خلال النقاش لترويج قرية السلع كمنتجع للسياحة المحلية والخارجية، فكم نحن في حاجة لقضاء أسبوع في أحضان الطبيعة في بيت محدّث ولكنه تراثي الطابع ويمكننا من الذهاب إلى الحقل لقطاف الفواكة أو العناية بالأشجار أو حلب الأغنام والبقر والركض خلف الدجاج والأرانب والهروب من ديك الحبش كما كنا نفعل في طفولتنا في الطفيلة. طالبة أخرى اقترحت ترويج القرية بعد تحديثها كمركز للمؤتمرات المتخصصة فكم من الشركات المحلية أو حتى العالمية تبحث عن مكان منعزل لمناقشة خطتها الإستراتيجية أو لتشكيل تحالف سياسي أو نيابي معين. وللتذكير، فقد أبرمت في العام 1978 إتفاقية تخص الصراع العربي- الإسرائيلي في كامب ديفيد في الولايات المتحدة الأمريكية وقد تسربت بعض الصور للزعماء يتبادلون أطراف الحديث في هذا المنتجع الريفي لما لذلك من أثر على صفاء الذهن والتقليل من التوتر. الجميل في ندوة التحكيم هذه أن موضوعها حيوي، بمعنى أن هناك حديث حقيقي يدور في الأردن عن مشاريع ممولة من المنحة الخليجية وقد تقدمت بلدية الطفيلة بعدة مشاريع وحسب علمي بأن وزارة السياحة والآثار قد اعدت الشروط المرجعية لإعادة تأهيل قرية السلع وقلعتها وأرجو أن يتم الإستفادة من الأفكار الرائدة التي يقترحها الطلبة بإشراف وتوجيه من أساتذه أكاديميين نكن لهم كل الإحترام والتقدير وذلك لربط مخرجات العملية الأكاديمية بالعملية التنموية لعل وعسى نستطيع أن نغير فعلنا الماضي إلى مضارع مقبول في إنتظار غدٍ أفضل.