قصة ” حارس الملك ” الذي اطاح بحكومة النابلسي وانقذ البلد

2013 07 24
2013 07 24

13فارس وطني بامتياز يستحق أن يسمى «قامة» وطنية أو رجل دولة، رغم انه لم يكن يوما رئيس حكومة أو وزيرا في إحداها أو حتى قائدا عسكريا يحمل الرتب العالية.

من أولئك الرجال الذين «صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ * فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ * وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً»، فلم يبدل أو يتغير وظل يعتز ويفتخر بأنه كان مرافق «أبو عبدالله» كما يحب أن ينادي الملك الحسين طيب الله ثراه. قادما من «بصيرا» التي تخط كل يوم قواعد الرجولة والإباء، معتزا بانتمائه للطفيلة الهاشمية، جاء سلامة سعيد السعودي، ليكون «إعصابة الرأس» كما كان يناديه الملك الحسين-طيب الله ثراه- في كثير من الأحيان. جندي بسيط عشق العسكرية واخلص لواجبه وظل صلبا يعيش للأردن فكان من أصحاب العزيمة والهمة العالية التي لان بها للأردنيين الحديد يوما وتجاوزوا بها كل الصعاب والمحن التي ألمت بالوطن. ارتعدت لغضبته عام 1956 رؤوس القومية التي كانت تجتاح المنطقة في ذاك الزمان ورضخت لإصراره وإقدامه بعد كانوا متمسكين بالحكم مستأسدين على رأس الدولة بالدعم الخارجي.

لم يخالجه الخوف أو يتردد وهو يقذف «العشب» في وجه السفير البريطاني على باب منزل الأمير الحسن بن طلال-ولي العهد آنذاك- قائلا للسفير «نأكل هذا ولا نذل» ردا على تهديده بوقف المساعدات عن الأردن بعد إعلان تعريب الجيش. شارك في القتال في معركة العلمين و طبرق خلال الحرب العالمية الثانية وكاد أن يفقد حياته في معركة عاقر فوق ارض فلسطين، قبل أن ينتقل إلى الجيش العربي فكان جنديا تحت لواء القائد عبدالله التل في معارك القدس عام 1948. يستذكر بطولات الجيش العربي، في تلك المعارك مشيدا بقائده التل الذي يقول « كان رجلا شجاعا يدرك ما يحاك حول فلسطين فكان يرفض تنفيذ أوامر المندوب السامي البريطاني أو أوامر كلوب باشا قائد الجيش حينه، لكن الإمكانات كان لها الكلمة الفصل». خدمته اللاحقة كانت تحت قيادة حابس المجالي في الكتيبة الهاشمية العاشرة –اعرق كتائب الجيش العربي- التي كان لها صولات عظام في رام الله والقدس الغربية و كان لها موقفها البطولي المشرف يوم استنجد الجيش المصري بقواتنا الباسلة لفك الحصار عنه في الخليل . في العام 1952 كانت بداية رحلته مع «الحسين» الذي لمح خلال دراسته في الكلية الحربية «سلامة سعيد» وعرف بحسه انه نعم المرافق والحارس فأمر بنقله إلى الحرس الملكي. كان محبا مخلصا لمليكه، وزاد من قربه إلى جلالة الملك جرأته وإقدامه فكان له مع الحسين مواقف تتجاوز دوره كجندي في الحرس الملكي. في العام 1957 كانت حكومة سليمان النابلسي «البرلمانية» مدعومة من القيادة المصرية والسورية تعتبر نفسها الطرف الأقوى في المعادلة السياسية الأردنية فرفضت أمرا مباشرا من جلالة الملك بتقديم استقالتها ولوح يومها ما كان يسمى تنظيم الضباط الأحرار بدعم موقف الحكومة من خلال تنفيذ مناورة عسكرية. يقول سلامة سعيد: كنت يومها في المكاتب الملكية، وكان الملك الحسين يجلس في مكتبه بعد أن طلب عدم دخول أحد عليه، ودون استئذان دخلت فوجدت الملك الحسين في حالة غضب شديد ويدخن بنهم فقال لي ماذا وراءك يا سلامة ؟ فقلت له سآتيك باستقالة «النابلسي». ويستكمل الحاج سلامة سرد وقائع تلك الحادثة قائلا: «كان سليمان النابلسي وعدد من أعضاء الحكومة -يذكر منهم عبد الحليم النمر وشفيق عبيدات وعبدالله الريماوي- مجتمعين في المكاتب الملكية فدخلت عليهم حاملا سلاحي وأغلقت الباب خلفي مما أثار حفيظة الحاضرين فكان أول من واجهني عبدالحليم النمر الذي حاول إخراجي من القاعة فقاومته قبل أن «اسحب الأقسام» واوجه سلاحي للنابلسي طالبا منه كتابة استقالة الحكومة. ويضيف أن النابلسي وباقي الحاضرين حاولا ثنيي عن فعلتي وتهديدي بعواقبها قبل أن يستجيبوا لطلبي بعد أن شعر الجميع بأنني قد ارتكب أي عمل إذا لم يستجيبوا لذلك الطلب. حمل استقالة النابلسي وخرج ليضعها أمام الملك الحسين وهو جالس على مكتبه فتفاجأ الراحل العظيم بالأمر قبل أن ينكر على سلامة سعيد ما فعله ويؤنبه، ألا أن الأيام اللاحقة أثبتت أن سلامة أخرج البلد من مأزق كبير. يقول سلامة سعيد انه وبعد عدة أيام من تلك الحادثة استدعاني جلالة الملك الحسين بحضور رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي فشكره وأثنى عليه ثم قال له أن الرفاعي يقول بأن الإخوان المسلمين اسقطوا حكومة النابلسي، فما رأيك؟ فأخرجت «الشبرية» وقلت سقطوا بهذه يا مولاي وأنت تعرف الحقيقة. قبل تلك الحادثة بعام واحد كان القرار التاريخي بتعريب قيادة الجيش العربي وطرد الضباط الانجليز وإنهاء المعاهدة الأردنية البريطانية، حيث طلب السفير البريطاني في عمان لقاء جلالة الملك فرفض جلالته وطلب من الأمير الحسن-ولي العهد حينها- استقباله نيابة عنه. يقول سلامة سعيد: «كنت حاضرا في منزل الأمير الحسن حين استقبل السفير وكنت اسمع زملائي وبعض حاشية الأمير يتحدثون عن أن السفير يهدد بوقف المساعدات البريطانية للأردن،وأنه يقول بأن الأردن لن تستطيع الاستمرار بدون الدعم البريطاني. ويضيف عند خروج السفير كنت على مقربة من سيارته وبعد أن جلس فيها أخذت حفنة من العشب وقذفتها في حجره وقلت له :» نأكل هذا ولا نذل»، ويقول أن الموجودين نقلوا الحادثة للملك الحسين والأمير الحسن لكنهما لم يبديا أي ردة فعل أو غضب حيال تصرفي. الحاج سلامة الذي استمر في الخدمة من أيلول عام 1941 إلى تموز من العام 1977 بقي قابضا على سلاحه لـ 36 عاما خرج من الخدمة خلالها مرتين ليأمر الملك الحسين بإعادته قبل أن يودع العسكرية نهائيا عام 1977. التقى بالملك الراحل عدة مرات بعد خروجه من الخدمة لكنه يستذكر باعتزاز اللقاء الأخير في محافظة الطفيلة عام 1998 الذي ذكره فيها جلالة الملك الحسين في كلمة أمام حشود مستقبليه حين قال «هذه الطفيلة العزيزة.. هذه الطفيلة التي أخرجت سلامة سعيد وغيره من الرجال الصناديد». خاض الحروب والمعارك في الأردن وفلسطين وقدم نفسه دفاعا عن واجبه وشرف العسكرية التي ما زال يعتز بالانتماء إليها فنال جسده نصيبا وافرا من إصابات المعارك التي تركت ندوبها عليه حتى الآن. كان وما زال هاشمي الهوى والولاء ويرفض الفصل بين حب الأردن وحب الهاشميين معتبرا ذلك كلٌ لا يتجزأ. ذكريات ربما لا تتسع لها الكتب وتسر السامعين لكثرة ما تحمل من معاني البطولة والرجولة، يختزلها الحاج سلامة سعيد السعودي في جلسة قصيرة استقبل خلالها «الدستور» في منزله. سلامة سعيد الذي رافق مسيرة الهاشميين منذ بدايات الأربعينات واحد شهود العيان الذين كانوا بالقرب من جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه في أوقات ومفاصل تاريخية في حياة الأردن ومسيرته يحمل نياشين وأوسمة بطولة عدة أبرزها وسام الحرب العالمية الثانية ووسام حرب 1948 وشارة الملك عبدالله الأول للبطولة. لم يقبل سلامة سعيد أن يتحدث عن أحواله هذه الفترة وتحسبه غنيا من التعفف لكنه يقول:» لن أسامح من وضعني في هذا المنزل، فحين أمر الملك الحسين طيب الله ثراه بشراء منزل لي لم يكن يعلم أن من ينفذ أوامره سيضعني في شقة تحت الأرض -طابق تسوية». الدستور- عمر محارمة