قضاء وقدر!

2015 04 14
2015 04 14

Jomana-gunaimatربما أُثقل على القراء اليوم بسرد تفاصيل مكالمة هاتفية دارت بيني وبين سيدة تزعم أنها إحدى معلمات مدرسة القمر الإسلامية، التي وقعت فيها حادثة انهيار السور على الطلبة، بمنطقة الزهور. والغاية إيصال رسالة بالكيفية التي تفكر فيها من كانت مؤتمنة على الأطفال، حاضرا ومستقبلاً، بصون حياتهم وعقلهم أيضاً:

– مرحباً! أنت رئيسة تحرير “الغد”؟

– نعم، تفضلي.

– أنا معلمة أتحدث باسم مجموعة من مدرسات مدرسة القمر الإسلامية.

-تفضلي.

– أريد أن احتج على ما كُتب في صحيفتكم يوم الجمعة الماضي حول حادثة انهيار سور المدرسة.

– تفضلي.

بعد مقدمة بأن “الغد” صحيفة مقروءة ومنتشرة، لها سنوات طويلة بين أيدي القراء، قالت محدثتي: “لا يجوز للصحيفة أن توجه الاتهامات في موضوع قتل طالب نتيجة انهيار السور”. ثم كالت التهم حول غياب الموضوعية والابتعاد عن المهنية. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل استمرت في التنظير حول ماهية عمل الصحافة والإعلام ودورهما، وكيفية الخوض في هكذا أخبار.

عند هذا الحد بدأت الكلام. وقلت للمربية الفاضلة: “أريد أن أطرح عليك سؤالا واحدا فقط؛ هل توفي طالب في المدرسة نتيجة انهيار السور؟”. هنا كانت المفاجأة؛ إذ قالت: “لا تسأليني هل توفي أم لا”!

حقيقة، صُدمت من حديث المربية والمعلمة الفاضلة. فأصررت على طرح السؤال وأخذ الإجابة منها، رغم علمي السابق بها. فقالت: “نعم”.

قلت: “عند هذه النتيجة يصبح الكل مذنبين؛ المدرسة وسائق الجرافة، وأيضا وزارة التربية والتعليم التي لو كانت بسطت يدها في قضايا سابقة، لما تكرر فعل الإهمال بحق حياة الطلبة بشكل أو بآخر”.

تطور الحديث مع مربية الأجيال، ليحمل صدمة جديدة. ففي تبريرها لقتل الطفل نايف البريم، وإصابة نحو 13 طالبا آخرين بدرجات متفاوتة بين متوسطة وخطيرة، كانت تركز على قول “ألا تؤمنين بالقضاء والقدر؟”!

قلت: “بلى. ولكن أن نقتل طفلا ونعيده إلى والديه جثة هامدة ليس قضاء وقدراً”. وصرت أسترسل بالشرح والتساؤل عن مشاعر الوالدين وهما يستلمان جثة طفلهما بعد أن ودّعهما صباحا لتلقي العلم.

حديث المعلمة لم يتوقف عند هذا الحد، بل جاء التعقيب أكثر استفزازا، وبما يصل حد الوقاحة؛ حينما تمتمت بعبارات أتحفظ على قولها، لما فيها من تجسيد لانحدار الفكر والعقل. واضطررت لإغلاق الهاتف في وجهها، مقتنعة أن مواصلة الحديث مع هكذا شخصية وعقلية لا يمكن أن توصل لنتيجة، لاسيما بافتراء أن من قتل الطفل وأزهق روحه هو القضاء والقدر.

الأخطر في القصة، كما يظهر جلياً، هو أن المربية لم تكن تشعر بفداحة الأمر، لكأن حياة الصغير لا تعني لها شيئا! فكل همها هو السعي للاختباء خلف القضاء والقدر اللذين طالما ارتُكبت باسمهما آلاف جرائم القتل، ذهب ضحيتها العديد من الأبرياء، فيما فرّ الجناة بفضل هذه الحجة الواهية الظالمة من دون أي حساب وعقاب.

في مدرسة القضاء والقدر، يُقتل الأبرياء تحت عجلات السيارات، كما ينتقل مرضى يعانون أمراضاً بسيطة جداً إلى الرفيق الأعلى بسبب إهمال طبيب أو ملاك رحمة! تماماً كما يصبح “مبرراً ومقبولاً”، انهيار سور بكل حجارته الثقيلة على الرؤوس الصغيرة.

القضاء والقدر صارا ستارا لارتكاب الجرائم والحماية من العقاب، فقط في الدول المتخلفة الفقيرة فكراً، وليس مالا بالضرورة. فيما الدول المتقدمة التي تقدر الإنسان وحياته، وتحفظ حقوقه، ترفض الانصياع لهذه المعادلة المضللة المدمرة.

جمانة غنيمات – الغد