قضية فلسطين بين الإنساني والإديولوجي

2014 08 16
2014 08 16

Sans titreبقلم مبارك أبا عزي

تحتل القضية الفلسطينية موقع الصدارة بين قضايا عالمية أخرى، ما جعلها تسيل الكثير من الحبر منذ سنة 1948 إلى حدود اللحظة الراهنة حيث تجاذبتها آراء وتوجهات مختلفة على مستوى الإنتاج الفكري والسياسي وتداول الأحاديث والخطابات، وقد هيمن، ضمن هذه التوجهات والآراء، خطابان هما؛ الخطاب الديني الذي رأى فيها قضية إسلامية يسارع إلى نصرتها كل مسلمي العالم، والخطاب القومي الذي بنى تصوره على أساس لغوي وعرقي. ولكل ضربِ خطابٍ أسبابه وتبريراته التي يشرعن بها تصوره للقضية.

غير أن ورود مواقف من خارج إديولوجيا القومية العربية والتوجهات الإسلامية المختلفة أبان عن قصور الإديولوجيتين وضيقهما عن استيعاب المنحى الإنساني، فالفلسطينيون أنفسهم ضاقوا بالشعارات العربية الجوفاء والخطب الإسلامية الواهية، حتى أن الراحل محمود درويش عندما جاء إلى المغرب قبل سنوات قال لهم إن على المغرب أن يجد حلا لمشاكله قبل أن يفكر في حل مشاكل الآخرين، وقد تصورت أنه يتحدث بلساني، فطالما اعتقدت أن ترك أطفال أنفكو يموتون بردا وجوعا في الجبال، ونصرة أطفال غزة طمعا في نيل سمعة من نوع ما، يعد من الأمور الأكثر جنونا وحمقا.

ولعل ما يؤكد تهافت التصور القومي والديني هو إقدام دول غربية كثيرة على تجريم الممارسات الإسرائيلية في غزة بشكل يعري خطابات العرب والمسلمين، فقد أعلنت بوليفيا أن إسرائيل دولة إرهابية، وحذت البرازيل وفنزويلا وكوبا والإكوادور حذوها، وسحبت البيرو والتشيلي وسلفادور سفراءها من إسرائيل. وهذه المبادرات التي قامت بها دول لا تتبنى الطرحين العربي والإسلامي، تؤكد مدى نكوصية تفكيرنا حين نحمل الشعار العربي أو الشعار الإسلامي، لأن القضية تحتاج تضامن الناس والمؤسسات حتى وإن تواجدت في أقاصي الصين، وهو ما لا يفهمه المسلمون الذين يعتبرون الغرب كافرا لا خير فيه، أو القوميون الذين يعتبرون اجتماعهم تحت راية القومية المباركة ردا على الغرب نفسه.

لهذا لا نريدهم أن يقولوا لنا “إن العرب يموتون في فلسطين” أو “إن المسلمين يموتون في فلسطين”، فقلوبنا أرقى من أن تستجيب لنداءات سياسية مثل تلك، وأرق عندما يتعلق الأمر بدموع الأمهات اللواتي يبكين أبناءهن الصغار الذين ماتوا تحت القصف، وأكثر رقة حين نشاهد جنديا يحمل بندقية وشابا في يده الحصى، أو حين ننظر إلى الأمر برمته من منظور القوى غير المتوازنة بين الطرفين؛ فإسرائيل دولة قوية مدعومة من دول غربية كثيرة، وفلسطين مدعومة من لدن العرب والمسلمين بالخطب العنترية “التي ما قتلت ذبابة”، وهو ما جعل “قلوبهم مع الفلسطينيين وقنابلهم عليهم” بتعبير أحلام مستغانمي. نريدهم أن يقولوا لنا إن “الإنسان يموت في فلسطين”، بغض النظر عن دينه أو عرقه أو لغته أو غير ذلك.

إن القضية برمتها تحتاج إلى مستوى أكبر من الحياد، لأن أشكال التفكير تظل قاصرة على الدوام في ظل شرنقة الإديولوجي ومحدودية التفكير النسقي، إذ علينا أن نتأمل المرجعيات التاريخية والدينية لإسرائيل التي جعلتها تعتقد بصحة أفعالها ومعقوليتها، تماما كما يعتقد مناصرو الدولة الفلسطينية بصحة موقفهم ومعقوليته؛ من واجب القارئ –الذي يدرك حتما محنة الفلسطيني- أن يطلع على محنة اليهودي طوال التاريخ، والاضطهاد الذي يتعرض له في كل الأماكن والأصقاع، والتهجير المتواصل الذي طاله في كل الأزمان منذ أمر القائد الروماني المسمى بـ”تيطس” بتهجيرهم ودمر بيت المقدس ومعبد اليهود، فنزحت كل جماعة إلى بلد من بلدان العالم، وبعد ذلك بمدة طويلة سمح لهم بزيارة بيت المقدس والوقوف على الجدار الوحيد المتبقي من المعبد والذي يسمى اليوم بـ”حائط المبكى” بعد أن كانت عقوبة القيام بذلك الإعدام.

بهذا الشكل يتم البحث عن الحلول والنتائج السليمة، وبدون تفكير منفتح يضع الإديولوجيات والقوميات والأديان والانتماءات خارج الاعتبارات السياسية، لا يمكن إيجاد حل حقيقي لقضايا الناس والشعوب، بدونه لا تنتظروا إلا مزيدا من القتل والدمار.