كتب الدكتور محمود احمد ذويب لماذا لم يقرأ الطريف يوسف آغا الواقع السوري قبل ان يكتب عنه؟!

2013 05 12
2013 05 15

ع علمي ويقيني أن العجلة قد تحركت على مستوى سوريا والعالم العربي والعالم … وان الكلام أصبح للميدان وليس للإعلام إلا أنه لا ضير في إيضاح بعض الأمور.6 بعيداً عن القراءة الكيدية أو الرغبوبة، وبصفتي مواطناً أردنياً، درست في جامعة دمشق لمدة خمس سنوات في النصف الثاني من السبعينات و كان زملائي وأصدقائي من مختلف الطوائف و المذاهب في سوريا و قد تعرفت على الكثيرين من ( العلويين) في سوريا وزرت الساحل السوري مرات عديدة و أطلعت على الواقع السوري بمختلف أطيافه و طوائفه و مذاهبه، يؤلمني أن أقول أنني لم أجد في مقال الآغا ( طريف يوسف) معلومة واحدة صحيحة ، ولم أر فيه تحليلاً و لا تنويراً بل حملة ضغائنية مسمومه ، تريد شيطنة طائفة إسلامية تقول بالشهادتين و تلتزم بأركان الإسلام و لها تاريخ وطني و أخلاقي و مبدئي مشرّف عبر مئات السنين السابقة على عكس ما جاء به الآغا. · أولاً : سوريا لا يوجد بها أكثرية وأقليات بل يوجد بها مجموعة أقليات طائفية و مذهبية و عرقية ، و العرب ( السنّة) هم كبرى الأقليات وهم أقل من (50%) و الأكراد (السنّة) أكثر من (10%) بقليل و المسيحيون بحدود (10%) و العلويون (20%) وليس خمسة بالمائه كما يقرر الآغا، و باقي المذاهب الإسلامية (الدروز والاسماعيليون والمرشديّون والشيعة وباقي الفرق الأخرى (بحدود (10%) ، ذلك أن الأكراد في المنطقة يصنفون أنفسهم عرقياً ولا يصنفون أنفسهم مذهبياً، وهذا واضح تماماً كما في العراق و تركيا … أما القول بأن العلويين (النصيريين) كما قال الكاتب ، ظهروا في القرن التاسع الميلادي وجرى تكفيرهم… فإننا نلفت نظر الكاتب إلى أن أئمة المذاهب الإسلامية الأربعة الكبار (أبو حنيفة –المالكي – الشافعي –ابن حنبل) جرى تكفيرهم جميعاً في حياتهم قبل أن يؤسس ابن تيمية مذهبه المغرق في التكفير، لدرجة انه صنّف الدروز على اعتبار أنها فرقة رقم (13) من اليهودية، ثم جاء (محمد بن عبد الوهاب بن بيرسي كوكس)، ليعزز مذهب ابن تيمية بل و يزيده تكفيرية وتطرفاً … ومع ذلك فأن ذلك التكفير سقط سقوطاً مدوياً ، و استمرت المذاهب الإسلامية السنية الأربعة منذ مئات السنين حتى الآن … وأما التهكم بأن العلويين (نصيريون) فأنه يشبه القول بأن المسلمين السنّة ( أحناف أو مالكيون أو شوافع أو حنابلة ) و الفرع لا يحل مكان الأصل ولا يلغيه. · ثانياً : ثم أن العلويين السوريين العرب ليسوا على قلب رجل واحد … فمنهم الموالي للنظام و منهم المغرق في المعارضة ، يقول المناطقة بأن ( التعميم لغة الحمقى ) و تعميم الاتهام على طائفة العلويين أو غيرها بأنهم مشبوهون وأنهم تعاملوا مع كل غزاة سوريا من الصليبين إلى المغول إلى الانتداب الفرنسي إلى الحركة الصهيونية … كلام لا يقوله إنسان يمتلك الحد الأدنى من المنطق أو من المعرفة .. لأن العكس هو الصحيح ، فالعلويون عانوا الأمرين من الصليبيين (وليسوا هم من تعاملوا مع الصليبيين ، بل غيرهم ممن هم معروفون جيداً)، و كذلك مع المغول .. وأما الانتداب الفرنسي الذي يقول الآغا بأنهم تحالفوا معه فإن الغالبية الساحقة من العلويين تتهم الاستعمار الفرنسي بأنه عمل جاهداً لشق الطائفة العلوية وأن الفرنسيين زرعوا ( خازوقاً) في قلبها هو ( الحركة المرشدية ) التي أنشقت عن العلويين ونمت وتصاعدت برعاية الفرنسيين و تحول العداء بين ( العلويين) و (المرشديين) إلى عداء و تكفير لا يقل ضراوة عما هو عليه لدى مختلف المذاهب المتخاصمة عبر التاريخ … والنقطة الثانية التي يتجاهلها كلياً الآغا ، هو أن ( الشيخ صالح العلي ) أحد كبار مشايخ العلويين هو أول من قاد الثورة على الفرنسيين منذ عام (1918) قبل أن يتحرك أحد في سوريا ضد الفرنسيين . والنقطة الثالثة التي يتحدث فيها عن الوثيقة الفرنسية الموقعة عام (1936) يتجاهل الكاتب أو يجهل أن من رفع تلك الوثيقة هم أربعة زعماء عشائر علوية كانوا عملاء للفرنسيين ومعهم بعض أتباعهم وانه جرى رفع وثيقة مضادة لتلك الوثيقة من قبل مئات الوجهاء من الطائفة العلوية ، تعترض على تلك الوثيقة و ترفضها و تطالب بوحدة سوريا و الإبقاء على تماسكها و تعايش أبنائها … · ثالثاً :إنّ العلويين كبقية الفرق و المذاهب و الطوائف فيهم الغث و فيهم السمين … بعض الدروز و بعض البدو خدموا بالجيش الإسرائيلي ، ولكن ليس كل الدروز عملاء … الدروز منهم سلطان الأطرش و سميح القاسم ولكن منهم فيصل القاسم أيضاً، و بالتالي لا يجوز التعرض أو استهداف طائفة بعينها و بمجملها بسب الخلاف مع الرئيس أو النظام السوري ، وأما الحديث عن أن (العلويين) سلبوا الحكم من الأغلبية بانقلاب ( صلاح جديد) أولاً ثم (الأسد الأب) ثانياً – كما يقول الكاتب – فهذا يبرهن أن الكاتب لا يعرف شيئاً عن سوريا … ذلك أن أول رئيس ( عربي) في تاريخ سوريا – ما عدا جمال عبد الناصر – هو (حافظ الأسد) وأن كل من كانوا قبله عبر خمسين عاماً هم أكراد أو تركمان أو شركس أو من أصل تركي ، وقد جيء بهم إلى الحكم عبر مداخلات استعمارية خارجية من أجل السيطرة على سوريا عبرهم و بواسطتهم ولكن النقطة الأهم التي لا يعرف الكاتب عنها شيئاً وهي أن الوصول إلى سدّة الحكم ، في جميع دول المنطقة – عدا الأنظمة الملكية الوراثية طبعاً- كان يتم عبر حامل أساسي و رافعة وحيدة ،هي (الجيش) و هذا ما جرى في سوريا ، بل أضيف إلى هذا الحامل الذي هو ( الجيش) حامل ثانٍ هو الحزب ( حزب البعث العربي الاشتراكي) ، وقد جرت صراعات و صدامات داخل هذين الحاملين ( الجيش و الحزب) ، و كانت أشرس الخلافات و الصدامات التي خاضها حافظ الأسد هي مع الضباط العلويين حصراً ، وبدءاً من ( محمد عمران) و ( صلاح جديد) و صولاً الى الشقيق الشقيقة ( الصداع النصفي ) ( رفعت الأسد) … و حافظ الأسد لم يصل إلى الحكم لأنه علوي ، بل لأنه عسكري و بعثي … و علويّته لم تمنحه أية ميزة في صراعه للوصول إلى سدّة الحكم ، بل سلبته ميزات عديدة عبر إفساح المجال للقوى و الفعاليات الدينية الإسلامية السنية لكي تطالبه بما لم تكن تجرؤ على مطالبة من سبقوه بها ، تحت طائلة ترديد الاتهامات التقليدية المغلوطة الشبيهة بما أتى به كاتب المقال .. و علوية حافظ الأسد لا علاقة لها بوصوله إلى الحكم ولم تقدم له أي عون ، بل كانت عبئاً عليه أكثر مما هي عون له . · رابعاً : ومن المعيب على كاتب يحترم قلمه أن يتهم الرئيس حافظ الأسد بأحداث ( أيلول الأسود) في الأردن ( 1970) بينما يعرف الجميع أنه من موقعه كوزير دفاع – حينئذ- اختلف مع القيادة السياسية السورية ، وأمر على مسؤوليته بسحب الجيش السوري من شمال الأردن وهو القائل حينئذ : ( لن نقبل بأن يتحول أشقاؤنا الأردنيون إلى هنود حمر في وطنهم ) …وأما ( مجزرة تل الزعتر) فعلى الكاتب أن يقرأ ما قاله المناضل الفلسطيني البارز الراحل ( ناجي علوش) حول من هو المسؤول عن مجزرة تل الزعتر ..أما عن تصفية المقاومة ، فالمقاومة الحقيقية في لبنان التي أدمت أنف إسرائيل هي ( حزب الله) الذي يشهد بأن الرئيس حافظ الأسد هو صاحب الفضل الأول في العالم عليه … وأما الاغتيالات إلي يتحدث عنها و خاصة ( رفيق الحريري ) فيبدو أن الكاتب يجهل أن المحكمة الدولية و معها أمريكا و أوروبا قد عجزت عن أخفاء دورها في هذا المجال . · خامساً : و النقطة الأخرى التي يتجاهلها كاتب المقال هي أن النظام في سوريا ليس ( نظام علوي) كما يشيع البعض ، وأن كون ( حافظ الأسد) أو ( بشار الأسد) علوي المذهب ، لا يعني انسحاب ذلك على النظام – كما هو الحال في الأنظمة الملكية و الأميرية – بدليل أن جميع رؤساء الحكومات و جميع رؤساء البرلمانات و جميع الأمناء القطريين لحزب البعث منذ عام (1970) حتى الآن هم من الطائفة الإسلامية السنيّة و أن أكثرية الوزراء وأكثرية أعضاء القيادة القطرية للحزب وأكثرية أعضاء القيادة القومية و أكثرية أعضاء القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية وأكثرية النواب و أكثرية المدراء العامين والسفراء ، بل وأكثرية الضباط و عناصر الجيش السوري هم من المسلمين السنّة ، و بما يعكس التركيبة الاجتماعية السورية بحكم كون السنة العرب هم من كبرى الأقليات السورية … وكذلك فإن مكتب الأمن القومي السوري يضم رؤساء الأجهزة الأمنية الأربعة (أربعة فقط وليست كما يشيع البعض بأنهم 17 جهاز) + وزير الداخلية + قائد الشرطة العسكرية + رئيس المكتب نفسه (وعددهم سبعة أشخاص) خمسة منهم مسلمون سنّة، وهذا المكتب (مكتب الأمن القومي) هو صاحب القرار الأمني في كل ما يخص الأمن. · ولكن الأهم من ذلك هو أن النظام السوري ليس نظاماً طائفياً ولا مذهبياً ولا عرقياً ولا إقليمياً ، بل هو نظام وطني علماني و فوق ذلك هو نظام قومي مقاوم ممانع ترتكز سياسته على المنطلق القومي العربي و ترتكز عقيدة جيشه على العداء المطلق لإسرائيل .. ولذلك أستطاع هذا الجيش أن يصمد لمدة أكثر من عامين في مواجهة جحافل من الإرهابيين القادمين من الخارج ومن الداخل .. ولو كان الجيش السوري طائفياً ، كما يقال- لسقط وانهار منذ الشهر الأول، ولو كان ( سنّة) سوريا ضد الرئيس السوري، لسقط الرئيس السوري منذ الشهر الأول … ولكن ، لأن النظام السوري نظام علماني وطني ، أستطاع الصمود في وجه العاصفة الهوجاء التي حاولت اجتياحه ، ورغم وقوف جميع دول الحلف الأطلسي وإسرائيل و مجلس التعاون الخليجي ضده . · وقد لا يكون ملائماً لنا ان نلوم السيد الآغا لأن من لا يستطيع قراءة الواقع السياسي و الوقائع السياسية إلا من منظور طائفي و مذهبي و كيدي ، لا يستطيع أن يرى سوريا إلا بعين طائفية و مذهبية و كيدية … و يبقى أن نقول أننا عرضنا صورة الوضع في سوريا كما هي عليه فعلاً وليس كما جرى و يجري تسويقه و تعميمه ظلماً وتعسّفا و عدواناً على سوريا وعلى شعبها وعلى دولتها ….. · و يبقى … أن الشعب السوري هو الذي سيقرر مصيره بنفسه و عبر صناديق الانتخاب و بأشراف دولي و ستحسم الأمورَ موازينُ القوى و إرادة الشعب السوري. و حينئذ ستسقط جميع تلك الأوهام التي جرى بناؤها ، على رغبات و مراهنات غير موجودة على أرض الواقع و ستقطع حينئذ ( جَهيزةُ قول كل خطيب). · ولعلم السيد ( طريف يوسف آغا) وغيره ، فأن عدد العلويين في تركيا يبلغ( 23) مليون نسمة – أي بعدد سكان سوريا- وهم ليسوا عرباً سوريين ، كما يفكر البعض بل يبلغ تعداد العرب السوريين من الطائفة العلوية في تركيا (3) ملايين فقط ، و تعداد العلويين الأكراد الأتراك (3) ملايين أيضاً ، و الباقي ( 17) مليون هم علويون أتراك منذ مئات السنين.