كتب الزميل محمد التل
الأردن بين مشروعيتين..حق التعبير وواجب الأمن

2012 11 18
2012 11 18

لا أحد يجرؤ، أن ينكر على أي مواطن، على الأرض الأردنية، حقه في التعبير عن رأيه، وكذلك التعبير عن وجعه، من صعوبة الاوضاع المعيشية الضاغطة على عصبه، ولا أحد يجرؤ أيضا، أن يقول، أن الحكومات لم تخطئ بحق هذا المواطن، بسياسات اقتصادية خاطئة، وزادت من حجم انفاقها، على حساب مصلحة المواطن، إلى حد أوصلنا إلى ما نحن عليه، من أزمة اقتصادية رهيبة.

ونعترف بأننا في السنوات الأخيرة، حاولت حكوماتنا محاكاة تجارب دول، ذات اقتصادات عملاقة، بأساليب اقتصادية، لا تتناسب وحجم الاردن الاقتصادي؛ فكانت عشرات المؤسسات المستقلة الفاشلة، وكانت المشاريع الفاشلة، كذلك التي حمَّلت دخلنا القومي، أعباء ناء بها، حد المعاناة. وكان المواطن اولا وأخيرا، يدفع ثمن هذه التجارب الفاشلة، ومعه اقتصاده الوطني.

وعلينا أيضا، أن نقول، أن عملية مكافحة الفساد، لم تكن بالجدية، التي يطمح إليها المواطن، وكانت دون المستوى المطلوب، لحماية أمننا الوطني، كل هذا واكبه خدش في انتخاب مجلسي النواب 2007- 2010، ومطعون بهما شعبيا، باعتراف رسمي واضح. كل هذه العوامل، اجتمعت بموازاة ضيق عيش، لم يشهده المواطن الأردني، طيلة عقود طويلة، ادى إلى حالة احتقان شديدة في الشارع، أوقعت المواطن بين فكّي كماشة، وضع اقتصادي صعب، وحالة سياسية مطعون بها، واكب هذه الحالة، إهمال شديد لاهم شريحة في المجتمع، والتي تشكل ثلثيه، وهي شريحة الشباب.

الجميع يعلم ويدرك، أن المزاج في الشارع الأردني، قد طرأ عليه اختلاف كبير وتحول جديد، وربما اصبح حادا، خصوصاً بعد هبوب الربيع العربي عليه، من كل الاتجاهات، وان لم نكن نعلم، فلا يلومن أحدٌ أحداً. وكان الجميع موقنا أيضاً، أن الثقة بين المواطنين والمؤسسة العامة، في تراجع مستمر، نحو مدارك مخيفة، خصوصاً على مستوى الشباب، ولم يحرك أحد ساكناً، في هذا الاتجاه، بل على العكس، فشلت كل المؤسسات الرسمية والشعبية، في الوصول إلى هؤلاء الشباب، ومحاولة فهمهم، وتركوا وحدهم، يكوِّنون مفاهيمهم الخاصة، ويحددون هم بأنفسهم، ردات فعلهم على الأحداث، دون أي توجيه، وبقي الجميع، على مقاعد التنظير وخلف مايكروفونات الفزعة، التي لا تقدم ولا تؤخر، بل تضر في كثير من الأحيان، حتى وصل الأمر، إلى شبه القطيعة التامة، بين هؤلاء الشباب، الذين فقدوا الثقة في كل شيء، وبين الهيئات الرسمية والشعبية، التي وقفت عاجزة، عن التعامل معهم، كما قلنا.

وعلى المستوى الشعبي؛ فإن الأحزاب، فشلت فشلاً ذريعاً، في استقطاب الشباب إليها، وظلت الهُوَّة بين الطرفين شاسعة، بل إن الكثير من الشباب، على مختلف مستوياتهم العمرية والثقافية، لا يعترفون بوجودها، وربما كثير، لا يعلم اصلا بوجودها، وهذا بالطبع، عائد إلى ضعف هذه الأحزاب، وهشاشتها، وعدم امتلاكها برامج مقنعة، واكتفت بيافطات عريضة، فارغة من أي مضمون.

منذ ما يقارب العامين، والحراكات في الأردن، تسجل وجوداً لافتاً للجميع، وانقسمت إلى قسمين، قسم سياسي بحت، تقوده الأحزاب السياسية المنظمة، وفي مقدمتها، جبهة العمل الإسلامي، وقسم آخر، وهو الحراك المطالبي في المحافظات، وقد فشلت الدولة، في الوصول إلى هذا النوع من الحراك، لمحاولة فهم أبنائه وما يريدون، بل في كثير من الأحيان، ربما أدارت الظهر لهم، مما جعلهم يزيدون من وتيرة حراكاتهم، وربما شعاراتهم. وأشرنا، وأشار الكثيرون، إلى أنه, يجب الوصول إلى الحراك المطالبي في المحافظات، لأنه يعبِّر عن حاجات الناس وشعورهم بالغبن والتهميش، وللعلم، فإن الفرصة لم تضِع حتى هذه اللحظة.

وفي المقابل من يستطيع أن ينكر أن وضع الموازنة العامة للدولة وصل من التدهور الى حدود خطيرة تستدعي الجراحة القاسية لانقاذ ما يمكن انقاذه.

اليوم، نحن أمام واقع جديد.. شباب متحمّس وعنيد، بالتمسك بمفاهيمه ومصر على أهدافه، في الوقت الذي يشعر فيه، بالتهميش دائماً، والظلم في كثير من الأحيان.. الدولة بمؤسساتها، خرجت منذ زمن، من الشارع، على مستوى الشباب، ولم تضع البرامج اللازمة والضرورية، لتوجيه عنفوان هؤلاء، ومحاولة فهمهم، ضمن المتغيرات الجديدة، التي طرأت على أفكارهم، وتـُركوا على المستوى التعليمي في معظمهم، فريسة لأسلوب التعليم التلقيني، عن طريق حشو رؤوسهم بمعلومات، في معظمها عفـَّى عليها التاريخ، وتجاوزتها الأحداث، ولم تـُنـَمِّ فيهم المؤسسات التعليمية، على مختلف مستوياتها، أي نوع من الثقافة الإبداعية الحديثة، بل على العكس تماماً؛ فإن أساليب التلقين البائسة، قتلت فيهم أي جنوح، نحو البحث، وفضول الحصول على المعلومة العامة، واستأصلت من عقولهم، مفهوم الحوار الناضج؛ فوصلنا الى النتيجة المخيفة، من ضياع البوصلة، في التعامل معهم، زد على ذلك، الفشل الذريع، في توزيع عادل، لمكتسبات التنمية، في المحافظات، فظلت معظم المحافظات، تئن تحت وطأة الإهمال، في المشاريع التنموية الحقيقية، التي توفر للشباب هناك، فرص عمل، تحميهم من الفراغ، الذي يعيث في تفكيرهم ويعكّر نفوسهم، نحو كل شيء، ويشعرهم بالتهميش، وهذه الحقيقة، جاءت باعتراف رسمي واضح.

وفي الوقت، الذي كان الشباب، يتعرضون لشتى أنواع الإعلام النظيف وغير النظيف، ليشكل هذا الإعلام، أنماط تفكيرهم، اكتفت مؤسسات الدولة، بعلاقتها مع هؤلاء، بالشكليات الصغيرة، من باب ذر الرماد في العيون، والأخطر، أن ممارسة هذه الشكليات، صُرفت عليها، ملايين الدنانير، دون أي فائدة تذكر، ودون أي تأثير حقيقي، فكانت هذه النتيجة المفزعة.

الأردن اليوم، أمام واقع صعب، وخيارات أصعب، أزمة اقتصادية خانقة، تكاد تعصف بكل شيء، إن لم يتم تداركها، في موازاة، جفاف شبه كامل، للمساعدات العربية، الأمر الذي أخلَّ، خللاً كبيراً، في الموازنة العامة للدولة، هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، قطاعات واسعة من الناس، تشعر بالغبن والظلم والتهميش، وأنها وحدها، تدفع ثمن السياسات الخاطئة، على امتداد السنوات الطويلة، وكوَّنت لنفسها، قناعات خاصة، ازاء كل مفاصل الأزمة، وبدأت تعبِّر عن نفسها، بطرق مختلفة، وهو حق لها، مكفول في الدستور وبالقوانين المحصنة دستورياً، وبضمانة طبيعة الدولة المتسامحة، وكذلك التغير الجذري، على مزاج الشارع العربي، بشكل كبير، والشارع الأردني، جزء لا يتجزأ، من هذا الشارع.

في المقابل، فان معظم النخب الاقتصادية والسياسية، وفي مقدمتها النخب المعارضة، سواء الحزبية أو غيرها، تدرك تماماً، حجم المعاناة في الموازنة العامة، وربما لو كانت في السلطة، لاتخذت قرارات اقتصادية صعبة، مشابهة للقرارات الأخيرة، ولكن لأهداف سياسية، يتجاهل كثير من هذه النخب، الحقيقة، ويضغطون على العصب المنهك، لتحقيق أهداف سياسية، في الشارع.

كل هذا، رافقه تراجع كبير، في هيبة الدولة، إلى مستويات مرعبة، والهيبة هنا بالطبع، لا نقصد بها البطش والعقاب، ولكن تنفيذ القانون، على الجميع، على أسس، من العدالة والمساواة، وفرض الهيبة، على النظام العام، وتفعيل القضاء، كأداة ضامنة، للحقوق العامة والخاصة.

بعد كل هذا العرض وهذه التداخلات، في المشهد الوطني الراهن، تبرز لكن كبيرة، فالأردن اليوم بين مشروعيتين، مشروعية المعارضة، وحق التعبير عن الرأي، بعيداً عن التخريب والتخوين والافساد، في الشارع والممتلكات، ولا يحق لأحد، أيا كان، أن يستغل حقه، في التعبير عن رأيه وأوجاعه، للخروج عن السياق الوطني العام؛ فيضرب وجه وطنه، ويطعنه في ظهره، تخريبا وعبثا، في مؤسساته، فالاساءة الى شخص جلالة الملك والاعتداء المبرمج على رجال الأمن والتخريب في مقدرات الوطن يجب أن تبقى في عرف الاردنيين كفرا.

ومشروعية حق الدولة، في الحفاظ على أمن مواطنيها، وحفظ النظام العام، بالطرق القانونية، فإذا استطعنا، أن نوازي بين هاتين المشروعيتين؛ فإننا نكون، قد تمكَّنا، من اجتياز الأزمة وفتح آفاق جديدة، نحو مستقبل كله حوار، وإذا فشلنا -لا قدَّر الله تعالى- فإن الجميع سيخسر، فالوطن، يجب أن يكون، في أعلى سلم أولوياتنا جميعاً، على اختلاف مواقعنا ومواقفنا، حتى نحمي أنفسنا وأبناءنا، وحتى لا نبحث عن وطن، فلا نجده!!!!.

الدستور