لدكتور توفيق يحاضر في الاستشراق والصور النمطية للعرب والمسلمين

2015 12 30
2015 12 30

download (8)صراحة نيوز – ناقشت محاضرة بعنوان “الاستشراق والصور النمطية للعرب والمسلمين” ماهية “الاستشراق” والدوافع التي تأسس عليها ومفاهيمه وأبعاده.

وقال استاذ الفلسفة في جامعة فيلادلفيا والباحث في مركز الدراسات المستقبلية الدكتور زهير توفيق، في محاضرة نظمتها رابطة الكتاب الاردنيين في مقرها مساء أمس الثلاثاء، إن الاستشراق بصفته معرفة غربية بشؤون الشرق حافظ على مسلماته الأساسية التي انطلق منها في تقييم وتوصيف العرب والمسلمين، رغم التحولات التاريخية في الشرق والغرب.

واضاف ان المستشرق بصفته باحثا وخبيرا في شؤون الشرق حافظ على مكانته الرفيعة كسلطة ثقافية ومرجعية موثوقة حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين، وهي المرحلة التي شهدت انهيار ظاهرة الاستعمار وتحرر بلدان المستعمرات وتمسك شعوبها بحق تقرير المصير وإعادة بناء ثقافتها، وتمثيل ذاتها بنفسها، وقراءة تاريخها قراءة علمية بعيداً عن مسلمات الاستشراق وعوراته.

واضاف الدكتور توفيق “لقد أثبتت المرحلة الأخيرة من الاستشراق تخلف مناهجه وأدواته مقارنة بمناهج العلوم الإنسانية، فاستنفد طاقته على الاستمرار، مما دفعه أخيراً للإعلان في آخر مؤتمر للاستشراق -عقد في باريس سنة 1973- عن نهايته ونهاية حقبته وإخلاء الساحة لخبراء المناطق في الشرق الأوسط”.

وأشار إلى أن أوروبا “مركز الغرب”، إستنفدت طاقتها السياسية والفكرية في التعامل مع الآخر الذي يمثله الشرق مصدر أطماعها وهواجسها ومخاوفها ومناهج تفكيرها وسياستها الماضية والراهنة والمستقبلية، ولم ينجح تحالف السياسة والثقافة في الغرب كما نجح في الاستشراق أي علم الغرب بالشرق أو المعرفة الغربية المنظمة والهادفة بشؤون الشرق الذي عجز عن تمثيل نفسه والتعبير عن ذاته، فبرع الغرب القوي في ذلك التعبير والتمثيل، ورسم خطوط تقسيم نهائية بين الذات والآخر أي بين الغرب والشرق.

وأشار إلى إستمرار ثيمات الاستشراق ومسلماته في الاستشراق المعاصر منذ الاستشراق العفوي في العصور الوسطى إلى الاستشراق الحديث (الواعي لذاته) الذي نشأ في نهاية القرن الثامن عشر مع حملة نابليون بونابرت على المشرق العربي سنة 1798، لافتا إلى أن الاستشراق حافظ على أفكاره ومسلماته كما ورثها قبل وبعد نابليون بونابرت في القرن الثامن عشر رغم التحولات الجذرية التي مرت على الشرق والغرب، والتي قلبت الأمور رأساً على عقب ، فبقي الاستشراق أميناً لمنطلقاته الأساسية في نشاط المستعربين الجدد أو” خبراء المناطق”، وهي التسميات الجديدة التي اعاد بها الاستشراق إنتاج نفسه من جديد.

ولفت إلى تباين مستويات التحالف بين السياسة والثقافة في الاستشراق من تحالف عابر إلى تحالف وجودي وتواطؤ وظيفي قلل من هيبة البحث العلمي فيه، وحط من قيمته المعرفية في ميزان الأخلاق والعلوم الاجتماعية.

وبين أن الشرق شكل مصدر معلومات للغرب التي تحتاج لتصفية وإعادة بناء لتناسب الغرب، موضحا أن الغرب يبحث في الأساس عما يريده في الشرق وإن لم يجد ذلك أضفى عليه المغايرة والاختلاف، فوظف معارف وحقائق وأساطير وملاحظات عابرة حملها عن الشرق أو اختلقها له لتغذية مخزونه الثقافي.

ولفت إلى أنه لم يكن الاستشراق على مستوى ابستمولوجي مجرد مغالطة أو انحراف عن الطريق القويم رغم وجاهة هذا الحكم؛ بل كان “علماً” أو معرفة لا تطابق موضوعها “الشرق” بأي شكل من الإشكال، ولم يكن الشرق الذي تدرسه وتحكم عليه إلا شرق الاستشراق لا شرق “الواقع”، لأنه محصلة تاريخية مركبة لعلاقات الشرق والغرب ولطبيعة العلوم الأوروبية في نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر.

وقال ان الشرق تحول من خطر قريب إلى سحر غريب خاصة بعد ترجمة جورج سيل للقرآن الكريم سنة 1734 وترجمة “أنطوان غالان” للأثر العربي الكبير “ألف ليلة وليلة” ونشرها سنة 1704 ، مما ألهب خيال الأوروبيين بسحر الشرق وحريمه، وتحول النص إلى وثيقة تاريخية كافية لوصف حياة الشرق على اعتبار أن الأدب محاكاة للواقع، مشيرا إلى أن الصورة النمطية للشرق وأهل الشرق التي اختلقتها اوروبا ولا تزال آثارها باقية حتى اليوم، وبوصف تاريخ “ألف ليلة وليلة” هو تاريخ العرب المسلمين، أصبحت مؤشراً على حياتهم الخاصة وعلاقاتهم الاجتماعية، ومكانة المرأة وتسلط الرجل الشرقي.

وقال انه صعب على الأوروبيين تغيير هذه الصورة رغم معاينتهم للشرق معاينة مباشرة، بحيث أضحت مصدر تأويلات وتفسيرات للاستبداد والتأخر الشرقي كتفسير المستشرق “جون مالكولم” الذي خدم الاستعمار البريطاني وأصدر مؤلفه “تاريخ بلاد فارس” سنة 1815 وفسر فيه استبداد الرجل الشرقي والحاكم بتعدد الزوجات الذي يسمح له بالاستبداد في البيت وخارج البيت مستوحياً شهريار “ألف ليلة وليلة”.

وقال إن تعدد صور الشرق كما قدمها الاستشراق الشعبي والسياسي، قديما وحديثا، عكست من خلال تلك الخيالات طبيعة الرغبات والحاجات الغربية المكبوتة، كما عكست معرفياً طبيعة العلوم الانسانية الغربية المثقلة بالأيديولوجيا والتحيز، وجعلت من الشرق حقل رماية معرفي لما استجد من نظريات ومناهج واتجاهات تغمر ثنائية التفوق والتأخر، وتثبّت الشرق المعاصر في بناه الأولية العرقية والتاريخية والدينية، لتفسير تأخره الراهن الذي كان الاستعمار والامبريالية سببا مباشرا فيه.

واختتم الدكتور توفيق محاضرته التي حضرها عدد من المثقفين والكتاب ان الصور النمطية التي اختلقها الاستشراق مازلت فاعلة بغض النظر عن طبيعة المرحلة أوالتسميات الجديدة المضللة الجديدة للاستشراق الكامن، وقد آن الأوان لتجاوزها معرفيا بنقض الاستشراق لا بنقيضه (الاستغراب).

وكان استاذ الفلسفة الدكتور احمد ماضي الذي قدم المحاضر، اشار الى “ان للاستشراق على الاقل وجهين، ومن الخطأ ان نسيسه”، معتبرا “ان للمستشرقين فضلا في جوانب عديدة على الثقافة العربية، وكمثال على ذلك الاستشراق الروسي لاسيما كتاب بريماكوف ” تشريح الشرق الاوسط” .

وقال انه لولا العلم والفكر الاسلامي الذي نهل منه المستشرقون ما قامت النهضة في اوروبا، لافتا الى ظاهرتي “الرشدية” وهي مدرسة فلسفية غربية مبنية على تفسيرات ابن رشد لارسطو و”السيناوية” نسبة الى ابن سينا في العصور الوسطى باوروبا.